الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الخميس 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2016

أسطورتان

separation
increase
decrease
separation
separation

بابكر فيصل بابكر
boulkea@yahoo.com

مرَّت هذا العام الذكرى السادسة لوفاة المفكر والفيلسوف الكبير الدكتور فؤاد زكريا الذي يُعتبرُ من أهم المفكرين العرب الذين تناولوا في كتاباتهم أزمة "العقل العربي" من النواحي الفلسفية والسياسية, كما أنه أولى جهداً كبيراً في النظر والتحليل المتعمِّق لمشكلة "الإستبداد" وغياب الديموقراطية في العالم العربي وقد كان من أوائل المفكرين الذين بحثوا في ظاهرة الحركات الإسلامية المعاصرة.

ويُعتبرُ كتابه "التفكير العلمي" من أهم كتبه على الإطلاق, وهو كتابٌ يؤسِّسُ لضرورة التفكير العلمي بوصفه الطريق الوحيد إلى الخروج بالإنسان من التفكير الخرافي وبإعتباره المسلك الذي لا مناص من إعتماده للنهوض والإنبعاث الحضاري, وقد برع في شرح أهمية و ملامح ذلك التفكير وتوضيح الأسس التي ينبني عليها ومدى قدرة وفعالية ذلك النهج في التفكير وما يمكن أن يقود إليه من نتائج.

سأتناول في هذه الكلمة إحدى مقالات الدكتور فؤاد زكريا التي تُظهِرُ قدرتهُ على التشخيص الفكري السليم لبعض علل العقل العربي, وأعني مقالته ( أسطورتان عن الحاكم والأعوان ) التي نشرتها مجلة العربي الكويتية في العام 1983 والتي ظهرت فيما بعد ضمن كتابه "خطاب إلى العقل العربي".

الأسطورة الأولى التي تحدَّث عنها الدكتور فؤاد هى أسطورة "الحاكم الذي لا يعرف", وهذه تنتشر في ظل الحكم الفردي, وفي أغلب الأحيان يُرَّوجها النظام الحاكم نفسه, أو المتعاطفون معه, كما أنَّ الحاكم ذاتهُ قد يلجأ إليها في نهاية المطاف حين لا يعود في الإمكان كتمان فضائح مالية أو جرائم لا إنسانية أو تصرفات قمعية إرهابية فعندئذ تعلو الأصوات قائلة إنَّ : ( الحاكم نفسهُ رجلٌ رحيمٌ ، تجيشُ نفسهُ بالإنسانيةِ والوطنية وحُبِّ العدل ، ولا يفكر إلا في مصلحةِ شعبهِ ، ولكنَّ العيب كلهُ في المحيطين به ، وعادة يُصَّورُ هؤلاء المحيطون بأنهم ، في غالبيتهم ، مجموعة من الأشرار الذين لا يكتفون بإرتكاب جرائمهم, بل يخفونها عن الحاكم ، ويُصوِّرون له الأحوال دائما بصورة وردية . وماداموا هم وحدهم الذين يستطيعون الوصول إلي الحاكم ، فإنَّ هذا الأخير يظلُّ علي غيرعلم بممارساتهم التي تشوِّه صورتهُ أمام الناس دون قصد منه . وهكذا يُساء إلي الحاكم الإنسان نتيجة لشرور الأعوان ).

تنتشر أسطورة "الحاكم الذي لا يعرف" – كما يقول الدكتور فؤاد - عندما يُضطر أنصار الحاكم الفرد إلي الإعتراف بوجود تناقض صارخ في تصرفاته ويعجزون عن تفسير هذا التناقض ، فهو من جهة يبدو حاكماً وطنياً صامداً في وجه أعداء الوطن يتبع سياسة تستهدف مصالح "الشعب", ولكنه من جهة أخري يتغاضى عن الفساد و يسجن بلا حساب ويعتقل بلا دليل ويقمع كل معارض ولا يسمحُ لصوتٍ بأن يرتفع إلا صوته وصوت أتباعهُ.

فكيف يمكن تفسير هذا التناقض ؟ يقول الدكتور فؤاد : ( إنَّ النصير المُتحِّمس للحاكم الفرد لا يجدُ وسيلة تفسير سوى أن يلجأ إلي " أسطورة الحاكم الذي لا يعرف " ، فيؤكد أنَّ الإيجابيات من صنعه هو (أى الحاكم) ،أما السلبيات فهى فمن صُنع المحيطين به ، وهو لا يعلمُ عنها شيئاً ولو كان يعلم لما سمح بها ، وعلي هذا النحو يظلُّ النصير المتحمِّس محتفظاً بمثله الأعلي نقياً من كل شائبة ، بينما يعزو إلي غيره كل الآثام والنقائص والإنحرافات ، وتظلُّ صورة الحاكم الفرد ، في نظر معبوده ، أشبه بإله لا يصدر عنه إلا الخير ، بينما الشرُّ كله من صنع الشيطان ).

وأحياناً يتم تحوير الأسطورة قليلاً, فبدلاً من الحاكم الذي لا يعرف, تصبح "الحاكم الذي لا يقدر", وفي هذه الصيغة المُعدَّلة ، تكون رغبة الحاكم أيضاً متجهة دائماً إلي الخير ، غير أنَّ : ( الذين يُحيطون به يفرضون عليه إجراءات ظالمة لا يكون هو ذاتهُ راضياً عنها ، ولكن لا مفر من ذلك من أجل مراعاة "توازن القوي" في الحكم، وضمان إرضاء كافة الأطراف ذات الوزن بين الفئة الحاكمة ، حتي تسير الدفة بأكبر قدر ممكن من الهدوء والإنسياب . وهكذا يضطر الحاكم ، برغم قوته وجبروته ، إلي توزيع بعض السُّلطات علي الأعوان الذين يملكون بدورهم قدراً من القوة ، ويترك لكل منهم الحرية في " قطاعه " الخاص ، فإذا أساء أحدهم التصرف فإنَّ الحاكم لا يمكن أن يكون مسئولاً عما فعل ، بل هو مُضطرٌ الي المضي في "لعبة التوازن " بلا توقف ، لأن سلامة الحكم وتوازنه تُحتِّمُ ذلك ).

الأسطورة الثانية هى أسطورة " الحاكم الذي لا يتنازل ", وهذه تسير في الإتجاه المُضاد للأسطورة الأولى, فهى لا تهدف للدفاع عن الحاكم المُستبد عن طريق نسبة كل أخطائه للأعوان, ولكنها تهدفُ للدفاع عن هؤلاء الأعوان عن طريق تأكيد أنَّ الحاكم لم يترك لهم شيئاً. ففي هذه الأسطورة يُصوَّر الحاكم : ( ممسِكاً بزمام كل شئ ، والتابع ـ حتي لو كان الرجل الثاني ـ لا يملك إلا أن ينظر الي ما يحدث في صمت ، لأنَّ رأيهُ غير مطلوب ، وإذا طُلب فهو غير مسموع ، فإذا سألت هذا التابع : ألا ترى كل هذه المظالم ؟ ألست أنت أيضاً مسئولاً عنها ؟ كان رده : إنني مغلوبٌ علي أمري ، " فالرجل الكبير " هو الذي يفعل كل شئ ، وما عليَّ إلا أن أرقب الأمور صامتاً ).

من الواضح أن هذه الأسطورة تقلب إتجاه الأسطورة السابقة : ففي الحالة الأولي كان الحاكم هو الطرف الصالح دائماً ، علي حين أنَّ الفساد كله يأتي من الأعوان ، وكان الحاكم لا يعلم عن السلبيات شيئاً ، بينما الأعوان يعرفون عنها كل شئ لأنهم هم الذين يرتكبونها ، وكان الحاكم لا يهتم إلا بالعموميات والقرارات الحاسمة ، ويترك التفاصيل للأعوان الذين يسيئون إستخدامها . أما في الحالة الثانية فإنَّ الحاكم وحدهُ هو صاحب القرار وصاحب القدرة ، وأقوي أعوانه لا يملك إلي جانبه شيئاً ، ولا يستطيع أن يغير من الأمر كثيراً أو قليلاً ، حتي في التفاصيل والجزئيات.

ولكن الأمر الذي يدعو للدهشة – كما يقول الدكتور فؤاد - هو أنَّ هاتين الأسطورتين : ( علي الرغم من تناقضهما ، كثيراً ما يطلقان علي حاكم واحد . فأنصاره يروِّجون الأسطورة الأولي ، وربما إعتنقوها عن إيمان ، فيلتمسون له العذر عن أخطائه المنسوبة دائماً إلي المحيطين به ، وخصومه ينشرون الأسطورة الثانية ويلتمسون العذر لأنفسهم لأن الحاكم لم يكن يقبل " التنازل" عن شئ . فهل يُعقل أن يكون الحاكم نفسه عارفاً بكل شئ ، وغير عارف بالكثير ؟ وهل يُعقل أن يكون ، في آن واحد ، خيِّراً وشريراً ، رحيماً وطاغية ، مشاركاً للغير ومستحوذاً علي كل شئ ؟).

في تحليله وتفكيكه لهاتين الأسطورتين يقول الدكتور فؤاد : ( لقد أطلقنا إسم "الأسطورة " علي هذه التفسيرات التي تشيع في نظم الحكم الفردية التسلطية لأنها لاتعدو بالفعل أن تكون وهماً كبيراً تسلط علي العقول وشوَّه نظرتها الي عملية الحكم وعلاقة الحاكم بأعوانه وبالمجتمع الذي يحكمه ، فنحن نخدع أنفسنا ونكشف عن قصور تفكيرنا في كل مرة نبرِّر فيها أخطاء الحاكم بأنها وقعت لأنه لم يكن يعرف ، ونحصر مسئولية الأخطاء في التابعين والمعاونين ، أو نلتمس فيها العذر لتابع الحاكم علي أساس أنه كان مغلول اليد ، ونحصر مسئولية الأخطاء في الحاكم الفرد الذي لا يتنازل عن شئ).

إنَّ تصوير الحاكم في صورة الإنسان الوطني, الرحيم, الذي تحيط به مجموعة من الأشرار هو خرافة لا مكان لها إلا في عقول السذج ذلك لأنَّ ( الحاكم الذي يكون في هذا النمط من الحكم الفردي المتسلط ـ هو الذي يختار معاونيه ، وهو الذي يملك قدرة تغييرهم ، ولولا أنه يرتاح لعملهم ، ولأسلوبهم في التعاون معه ، لما بقوا في مناصبهم لحظة واحدة ، ومعاونوه هؤلاء إما أن يكونوا علي شاكلته ، وإما أن يكونوا مكملين له في عملية توزيع للأدوار يعهد فيها إليهم بالأعمال التي لاتتناسب مع مكانته أو مشاغله ، والصورة التي يتخيلها البعض ، في أنظمة الحكم التسلطية ، عن حاكم خيّر يحيط به معاونون من الأشرار هي - ببساطة - صورة تتنافر أجزاؤها ويستحيل أن تتجمع عناصرها ، إذ أن السلطة المطلقة للحاكم تحتم عليه ألا يعمل إلا من خلال أشباهه أو المتكاملين معه ).

النظرة الواقعية الي الأمور – كما يقول الدكتور فؤاد - تثبت أنَّ الحاكم المتسلط يعرف كل شئ عن معاونيه المحيطين به ، وعن جرائمهم التي تسمى في لغتنا التي إعتادت علي التهذيب المنافق " إنحرافات" أو حتي "تجاوزات" ، ولكنه يغض الطرف عنهم ماداموا يسايرونه ويخدمون أهدافه ، أما اذا خالفوا أوامره فإنَّ الملفات المحفوظة تخرج من الأدراج ، وتبدأ الفضائح ، وهكذا فان الحاكم هنا " يعرف " ، ولكنه لا يستخدم معرفته لمنع الضرر عن الشعب ، بل يوظفها من أجل إحكام سيطرته وضمان طاعة معاونيه ، أي من أجل تحقيق مصالحه الخاصة في نهاية الأمر.

أما الأسطورة الأخري - أسطورة التابع المغلوب علي أمره لأنَّ الحاكم يمسك بيده زمام كل شئ ولا يريد أن يتنازل ، فهي بدورها ظاهرة – بحسب الدكتور فؤاد - لا تقوم إلا في ظل نظام تسلطي يجعل من التابعين أذناباً طائعين، أو شهوداً صامتين. وأبسط فهم لطبيعة المشاركة في عملية الحكم يقنعنا بأنَّ التابع يظل مسئولاً ، حتي لو كان يقف متفرجًا ولا يشارك في الجرائم أو الإنحرافات ، لمجرد أنه قبل البقاء في السلطة.

إنَّ ذيوع هذه الأساطير، بين جموع شعبية هائلة إنما يعكس قصور الوعي السياسي ، الذي هو حصيلة عقود غير قليلة من الحكم الفردي التسلطي . وهو يكشف عن نسيان الانسان العادي ، في أحيان كثيرة ، لأبسط مبادئ الديموقراطية، ومعني مسئولية الحكم ـ وهو نسيان لا يمكن أن يعد هذا الإنسان ذاته مسؤلاً عنه. وإنما هو نتيجة تربية سياسية تراكمت أخطاؤها علي مدي عشرات السنين.

ويختم الدكتور فؤاد زكريا مقاله بالقول : ( لا أودُّ أن أختتم مقالي هذا إلا بعد أن أوجه الي القارئ العربي تنبيهًا مماثلاً لما نجده في مقدمة بعض القصص والأفلام التي هي عادة أقرب من غيرها الي التعبير عن حقائق الواقع المرير. هذا التنبيه هو أنَّ أي تشابه قد يجده القارئ بين مضمون هذا المقال وبين حالة هذا البلد العربي أو ذاك ، لم يأت إلا بمحض الصدفة).


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

موت فيدل كاسترو وانفضاح عورة الشيوعيين 2016-12-07 18:35:46 عادل عبد العاطي رحل قبل أيام الطاغية فيدل كاسترو فأتضحت عورة الشيوعيين في مهرجانات الرثاء والتعزية التي اقاموها له في مشارق الأرض ومغاربها وعلى صفحات مواقع التواصل الإجتماعي؛ مرددين الأكاذيب والأساطير عن واحدا من اكثر (...)

إضاءات عابرة حول العلاقة بين فيديل كاسترو والحركة الشعبية 2016-12-05 22:04:04 المحاربون القدامي لا يموتون ياسر عرمان أما أن تحب فيديل كاسترو أو تكرهه، في الغالب لا حياد حينما يتعلق الأمر بفيديل كاسترو، في حياته أو عند مماته، يقف الناس منه على ضفتي نهر، ولكن النهر يمضي، أما عن نفسي فإني من المحبين (...)

من موج القاع إلى السونامي.. دروس يوم العصيان 2016-12-03 13:09:31 د. غازي صلاح الدين العتباني إنه لخطأ كبير أن يهوّن حراس المِحْراب من خطر العصيان الذي جرى في مدينتهم بمسمع منهم ومرآى دون أن يقدروا على منعه. يومها صاروا كعامة القوم ينتظرون النتائج لا يصنعونها. القوانين الآن تغيرت. في (...)


المزيد

فيديو


أخر التحاليل

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)

تفكُّك الدَّولة السُّودانية: السِّيناريو الأكثر تَرجيحاً

2013-02-10 19:52:47 بقلم د. الواثق كمير kameir@yahoo.com مقدمة 1. تظل الأزمات السياسية المتلاحقة هي السمة الرئيس والمميِّزة للفترة الانتقالية منذ انطلاقها في يوليو 2005، في أعقاب إبرام اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان ممثلة في حزب (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)

بيان لحركة (الإصلاح الآن) حول تعرفة المياه 2016-02-19 21:41:21 سلطة المؤتمر الوطني، ووجبة اخري من رفع الدعم الذي اصبح لا يري بالعين المجردة بعد ان تخلت الدولة عن دورها الأساس في توفير الحياة الكريمة للمواطن المسحوق فما ان مرر البرلمان زيادة غاز الطبخ جبرا وليس اختيارا ، هاهم الان نواب (...)


المزيد


Copyright © 2003-2016 SudanTribune - All rights reserved.