الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الخميس 10 آب (أغسطس) 2017

أين ذهبت ال 16 مليار دولار ؟

separation
increase
decrease
separation
separation

بابكر فيصل بابكر
boulkea@gmail.com

خبرٌ خطير أوردته صحيفة "الصيحة" في عددها الصادر يوم الثلاثاء 25 يوليو يقول أنَّ وزارة التعاون الدولي كشفت عن إحصائية توضح تلقي السودان حوالى " 16 مليار دولار" في الفترة بين 2005 و 2015م بواقع 1،5 مليار دولار سنوياً ضمن العون الأجنبي للبلاد، وأكدت الوزارة أنَّ هذا المبلغ لم ينفق في إطاره.

وأضاف الخبر أنَّ وزير التعاون الدولي، إدريس سليمان، قال خلال مخاطبته الإجتماع التنسيقي لنظام معلومات العون للسودان والمتابعة والتقييم و بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أنَّ ( هذه المبالغ لم تنفق في الطريق الصحيح، واعتبرها إهداراً للمال ) وتساءل : ( أين هذا الدعم، وفيم أُنفق ؟ ) وأضاف في حسرة وحيرة : ولا تجد من يُجيب عن هذا السؤال !

مرَّ هذا التصريح الخطير دون أن ينبري مسؤول حكومي واحد للرَّد عليه، ودون أن يستدعي البرلمان وزير التعاون الدولي بصفة مستعجلة لإستفساره عن هذا القول الثقيل الذي يكشف عن العلة الكبيرة التي يُعاني منها الإقتصاد السوداني – ضمن عللٍ أخرى - وهى "الفساد" الهيكلي الذي إستوطن في جهاز الدولة و قضى على الأخضر واليابس، وأضحى المُهدِّد الأساسي بفشل أية خطة إصلاح إقتصادي.

معلومٌ أنَّ تدفق مثل هذه الأموال (منح وقروض) تحكمه شروط مُعينة، وأنَّ أوجه صرفها ترتبطُ بعقود مُلزمة تنصُّ على عدم التصرُّف فيها إلا بعد أخذ الإجراءات القانونية المطلوبة، وذلك بعد أن يتم التصديق عليها من قبل ممثلي الشعب "البرلمان"، ذلك لأنَّ عبء سداد هذه الأموال يقع على عاتق الأجيال الحالية و القادمة، وبالتالي فإنه يتوجب التأكد من صرفها في الأوجه الصحيحة المخصصة لها وبشكل دقيق ومحدد.

يبدو أنَّ هذه القواعد البديهية والنظم الأساسية لم يعُد لها وجود في هياكل الدولة ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية، بحيث يعجز وزير مُختص عن الحصول على إجابة حول البنود التي تم فيها صرف هذه المبالغ الكبيرة، وهو وضع مثير للرثاء، ولكنه للأسف الشديد أضحى "ثقافة" سائدة في التعامل مع الأموال "العامة" منذ حقبة إكتشاف البترول.

تعاملت الحكومة مع أموال النفط بعقلية "الغنيمة"، وأحاطت "الأرقام" الخاصة بعائدات البترول بالكثير من الغموض والتعتيم والسرية، بحيث أنه لم يتم النظر إليها بوصفها ثروة قومية يحق لكل مواطن أن يتعرف على تفاصيلها، بل أضحت كنزاً هبط على "فئة" معينة من أهل الحكم وأتباعهم، ولذلك لن تجد جهة رسمية تمدَّك بالأرقام الحقيقية التي تحصلت عليها البلاد من عائدات النفط في الفترة التي سبقت إنفصال جنوب السودان.

المبلغ الذي لا يعرف وزير التعاون الدولي "16 مليار دولار" فيم تم صرفه يُعادل حوالى أربعة أضعاف ميزانية السودان، وأكثر من ثلاثة أضعاف العجز في الميزان التجاري، وهو كذلك يُمثل ثلث إجمالي ديون السودان الخارجية البالغة حوالى 51 مليار دولار !

إنَّ شكوى الوزير من عدم وجود إجابة على سؤاله حول البنود التي صُرف فيها هذا المبلغ الكبير يوضح عدم جدية الحكومة في محاربة ظاهرة الفساد، وهى ظاهرة لا تقتصر على مجرَّد نهب المال العام، بل تتعدى ذلك لتأخذ الكثير من الأشكال التي من بينها "إهدار" ذلك المال وصرفه في غير مواضعه المخصص لها.

في إطار سعيها الدؤوب لتسويق "الأماني العذبة" للمواطنين، ظلت الحكومة تُرسل إشاراتها بأنَّ الرفع الكامل للعقوبات الأمريكية المفروضة على السودان سيكون بمثابة "العصا السحرية" التي ستقلب حال الإقتصاد، وستؤدي إلى تحسن الأوضاع المعيشية وإنخفاض الأسعار بين عشيَّة وضحاها، وهذه بالطبع مجرَّد أوهام لن تتحقق في أرض الواقع ذلك لأنَّ أكبر أدواء الإقتصاد لا ترتبط بآثار تلك العقوبات بل بأمور أخرى كثيرة.

فبالاضافة لأزمة تراجع نمو القطاعات الإنتاجية الحقيقية ( الزراعة والصناعة)، والحروب الأهلية المستعرة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، و البيئة الإستثمارية غير المواتية، فإنَّ الفساد الهيكلي الذي تعاني منه البلاد يقف سداً منيعاً في وجه الإستفادة القصوى من قرار رفع العقوبات أو سياسات وخطط الإصلاح الإقتصادي.

قد أوضح تقرير منظمة الشفافية العالمية الذي صدر في 25 يناير من هذا العام أنَّ السودان يقع ضمن أكثر عشر دول فساداً في العالم بسبب إنعدام الإستقرار السياسي والحكم الرشيد والنزاعات.

إنَّ أثر رفع العقوبات سيكون محدوداً إذا لم تصحبه تحولات حقيقية تعالج القضايا أعلاه وفي مقدمتها محاربة الفساد، فعلى سبيل المثال فإنَّ 70 % من سكان دولة نيجيريا ( ثامن أكبر مُصدِّر للبترول في العالم و عاشر أكبر إحتياطي بترول ) يعيشون على "دولار واحد" في اليوم، وهى دولة لا تعاني من حصار إقتصادي خارجي، ولكن الفساد المستشري وغياب الحكم الراشد كان هو السبب وراء الأوضاع الإقتصادية البائسة في ذلك البلد، وهى أوضاع شبيهة بالحالة السودانية.

ويُمكننا في هذا الإطار الإشارة للعديد من الدول التي تتمتع بعلاقات جيدة مع أمريكا ومع العالم الغربي، ومع ذلك فإنها لم تستطع الإنتقال من خانة "الدول الفاشلة" بسبب الإستبداد الطويل وغياب الحكم الراشد، وهذا هو الحال الذي يعيشه السودان منذ حوالي ثلاثة عقود، وهو الأمر الذي لا يُمكن أن يُحل بواسطة قرار رفع العقوبات.

ختاماً نقول : يحق لأي مواطن سوداني أن يعرف مصير هذه الأموال الطائلة، ذلك لأنها قد جُلبت من المؤسسات المانحة بإسمه، وكذلك لأنَّ عبء سدادها سيقع عليه وعلى أبنائه في المستقبل، ومن باب أولى أن يتحرك البرلمان ويستدعي الوزير بذات السرعة التي تصرَّف بها مع وزير الإعلام في خصوص تصريحاته حول قناة الجزيرة، وكذلك يتوجب على الجهاز التنفيذي في أعلى مستوياته أن يُجيب على تساؤلات الوزير !


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

لوكا بيونق يرد علي بونا ملوال ..هل أبيي تتبع لجنوب السودان؟ 2017-12-12 19:26:46 ترجمة موياك لنقو أويج إن البيان الأخير بأن أبيي جزء لا لبس فيه من السودان أثار جدلا صحيا مرة أخرى حول وضع أبيي. لقد فوجئت ليس فقط بمستوى الجهل المطلق لبعض الحقائق التاريخية الأساسية ولكن أيضا استهزاء بشهوة السلطة (...)

القرار الخطيئة 2017-12-07 20:50:12 بقلم: الصادق المهدي إنه عطاء من لا يملك لمن لا يستحق. فالرئيس الامريكي في فترة وجيزة صنف نفسه عنصرياً، إثنياً، وعدواً دينياً للمسلمين، وجهولاً بمسؤولية البشر عن سلامة البيئة، وقدم برهاناً ساطعاً بخطر خلو الذهن السياسي (...)

الكارثة والفرصة في اليمن 2017-12-06 19:18:26 بقلم: الإمام الصادق المهدي قُـتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، رحمه الله وأحسن عزاء أسرته وحزبه وأهلنا في اليمن، فقتلى طرفي الحرب الأهلية خسارة للوطن اليمني الجريح. (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ). (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

ورقة د. غازي صلاح الدين العتباني في ورشة عمل الانتخابات ومستقبل الممارسة السياسية بعنوان "آفاق الممارسة السياسية في السودان" 2017-12-08 14:32:35 بسم الله الرحمن الرحيم آفاق الممارسة السياسية في السودان "تحديات الإصلاح السياسي في السودان بتصويب نحو إصلاح الحركة السياسية الحزبية" بسم الله الرحمن الرحيم، نحمده على نعمه التي لا تعد، ونسأله أن يجمعنا على الهدى ويدلنا (...)

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)


المزيد


Copyright © 2003-2017 SudanTribune - All rights reserved.