الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 17 كانون الثاني (يناير) 2015

إعترافات قوش

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم بابكر فيصل بابكر
boulkea@gmail.com

أوردت صحيفة "الجريدة" الأسبوع الماضي خبراً يقول أنَّ القيادي بالمؤتمر الوطني والمدير السابق لجهاز الأمن والمخابرات صلاح عبد الله قوش أقرَّ ( بفشل الحركة الإسلامية في إدارة الدولة السودانية وحملها مسؤولية تنامي النعرات العنصرية والقبلية والجهوية في البلاد ), كما قال في ذات الخبر أنَّ ( البرلمان ليس له دور حقيقي في الحياة السياسية وإنما يستدعى حسب الطلب ).

في البدء نقول – كما ظللنا نقول دائماً – أنَّ الإعتراف بالخطأ يُمثل الخطوة الأولى في سبيل الإصلاح, وهو الأمر الذي ظلت قيادات المؤتمر الوطني تتمنع عن الإقرار به حتى آلت البلاد إلى الأوضاع المتفجرة الحالية التي تهدد وجودها ووحدتها وأمنها واستقرارها.

غير أنَّ السؤال المشروع الذي يردُ على ذهن أي شخص هو لماذا يتأخر كبار المسؤلين الذين شاركوا في صنع القرارات التي أوصلت البلد لهذه الحالة المتردية عن الإعتراف بأخطائهم ولا يفعلون ذلك إلا عند مغادرتهم لمواقع السلطة ؟

كان المهندس قوش قد إعترف من قبل بأنَّ الإنقاذ حملت معها تفكيراً خاطئاً وسالباً منذ يومها الأول مما جعلها تعادي جميع دول الجوار وقال في برنامج "حتى تكتمل الصورة" : ( كان من الممكن أن نأتي ومعنا أصدقاءنا ونحارب أعداءنا ولكننا أتينا من أول يوم وأعداءنا في جيبنا ووحدنا أخرجناهم وبدأنا نحاربهم قبل أن يحاربونا وهذا ما ادخلنا في مشاكل ما تزال مستمرة حى اليوم ) .

نحن هنا بإزاء إعترافات صريحة تُحِّمل الحكومة مسئولية تفشي القبلية والعنصرية, وتدهور العلاقات الخارجية, وتتهم البرلمان بأنه ليس سوى أداة في يد السلطة التنفيذية "الحكومة" تتحرك بأوامرها وتنفذ توجيهاتها, فماذا تبقى إذاً ؟

تتعمَّد الحكومة تجاهل هذه الإتهامات الخطيرة الصادرة عن صلاح قوش لأسباب تعلمها هى, ولكن عندما تصدر هذه الإتهامات عن أحد رموز المعارضة يتم التصدي له بإعتباره "عميلاً" يسعى لخدمة أجندة الدول الاجنبية, وغالباً ما يتعرَّض للمضايقات الأمنية والسجن.

ليس هذا فحسب, بل أنَّ قوائم مرشحي المؤتمر الوطني في الإنتخابات المزمع عقدها في أبريل القادم ضمَّت إسم صلاح قوش كمرشح للحزب عن دائرة "مروي", فكيف يتفِّقُ لحزب ترشيح أحد أعضائه للبرلمان وهو يعلمُ أنَّ هذا المرشح لا يرى في البرلمان سوى "العوبة" في يد الحكومة ؟

و من ناحية أخرى كيف يستقيمُ لشخصٍ مثل صلاح قوش له مثل هذه الآراء الخطيرة في الحكومة أن يستمر كعضو في الحزب الحاكم دعك من أن يقبل الترشح لخوض الإنتخابات والوصول للبرلمان ضمن قوائم ذلك الحزب ؟

تزداد دهشة المرء عندما يعلم أن صلاح قوش ليس مرشحاً مرتقباً للحزب الحاكم في الإنتخابات القادمة فحسب بل هو كذلك عضو في البرلمان الحالي, فكيف إذاَ جاز له الإستمرار في عضوية البرلمان وهو يعلم أنهُ مجرَّد "تابع" للسلطة التنفيذية ؟

السُّلطة التشريعية في الديموقراطيات الحقيقية تكون رقيبة على أداء الجهاز التنفيذي و ليست ذيلاً للحكومة, ولنواب البرلمان سلطات تجعل وزراء الحكومة "يرتعدون" عندما يتم إستدعائهم للمسائلة حول قضية ما, فهؤلاء النواب منتخبون من قبل الشعب مصدر السلطات وبالتالي فإنَّ تفويضهم أقوى بكثير من رجال السلطة التنفيذية.

ولكن كيف يستقيمُ هذا الأمر وأكثر من 90% من أعضاء المجلس الوطني يمثلون الحزب الحاكم ؟ هذا وضع شاذ ليس لهُ مثيل في جميع الأنظمة الديموقراطية, وبالتالي فمن البديهي أن يكون هذا المجلس ظلاً للحكومة لا تتعدى مهمته "البصم" على القوانين والتشريعات التي ترغب في تمريرها.

وبالتالي فإنَّه ليس من المستغرب أن تجد النواب في مثل هذا البرلمان مشغولون بقضايا إنصرافية مثل "ختان الإناث" و "لعب المرأة لكرة القدم" بينما البلاد متفجرة بالحروب والأمراض والأوبئة والفساد, وليس مستغرباً كذلك أن تذهب أصوات بعض النواب الصادقين القليلين أدراج الرياح وسط "جوقة" المطبلين للحكومة وسياساتها.

مثل هذه البرلمانات "الشكلية" لا تمثل إلا عبئاً إضافياً على كاهل المواطنين وعلى خزينة الدولة, كونها تستنزفُ موارد مالية و مخصصات وإمتيازات كان من الأولى توجيهها وتوظيفها في حل مشاكل أخرى كثيرة في قطاعات مثل التعليم والصحة وغيرها.

هذا الإشتباك والترابط الشديد بين السلطات التنفيذية والتشريعية هو سمة أساسية من سمات الأنظمة الشمولية, وقد برعت الإنقاذ في صنع هذا الترابط وفي إحتلال البرلمان عبر التزاوج الذي وقع بين الحزب الحاكم والسلطة وما نتج عنهُ من نفوذ سياسي ومالي وسلطوي كبير لأعضاء الحزب أدى لسيطرته شبه التامة على البرلمان.

صلاح قوش يمثل نموذجاَ واضحاً لأثر النفوذ السلطوي على البرلمان, فقد ترشح في إنتخابات 2010 وكان حينها مديراً لجهاز الأمن والمخابرات, بكل سطوته الأمنية والإقتصادية, فهل يتوقع إنسانٌ يتمتعُ بالسلامة العقلية أن يفوز شخص آخر خلاف قوش في تلك الدائرة ؟ وهل يوجدُ في أية بلد من بلاد الدنيا مديراً للمخابرات يكون نائباً برلمانياً في نفس الوقت ؟

لقد آن الأوان في سوداننا المنكوب هذا لأن يكون هناك تطابقٌ بين "أقوال" الساسة والمسؤلين و "أفعالهم", إذ لا يجوز أن يتهم سياسيٌ حزبهُ أو حركتهُ بالفشل في إدارة الدولة بعد تجربة للحكم ممتدة لأكثر من ربع قرن من الزمان ثم يكون هذا الرجل في مقدمة "المرشحين" عن ذلك الحزب أو الحركة في الإنتخابات.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

سماجة الشر، احتجاب البصيرة.. في تذكّر مساعد البشير 2019-10-17 15:14:11 بقلم : عبدالحميد أحمد حملت صحف الخرطوم الصادرة بالأمس مفارقةً باعثةً على السخرية إذ ترافق على صفحاتها خبران أولهما هو "عزم النيابة العامة على أن تحسم ملفات قضائية عالقة في مواجهة أقطاب النظام الساقط أبرزها تقويض النظام (...)

ثم ماذا عن مؤتمر السلام الشامل في السودان 2019-10-16 11:43:15 الشفيع خضر سعيد تنطلق اليوم في مدينة جوبا، عاصمة جمهورية جنوب السودان، الجولة الأولى من مفاوضات البحث عن السلام بين حكومة السودان والحركات المسلحة، تصاحبها بعض المفارقات والأسئلة التي تفرض نفسها عليها. أولى هذه المفارقات، (...)

أخواني الشهداء: العيون السود في البطانة كتار 2019-10-14 05:41:16 مجدي الجزولي انهضوا لبوا يا شبابنا هموا شهيدنا الطاهر ضحى بدموا أخواني الشهداء الزايد شوقهم مناى يا الله أسير في طريقهم أصبر قلبي وراجي لحوقهم هنالك في الجنة أبقى رفيقهم.. من أخسر ما خاض فيه المرحوم حسن الترابي بعد (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.