الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 22 نيسان (أبريل) 2019

الأزمة السودانية: أبعد من مجرد "إنقاذ"

separation
increase
decrease
separation
separation

فاروق جبريل

لا تتناطح عنزتان على حاجة البلاد الماسة للتغيير، ولكن تكمن الأزمة في تعريف هذا المصطلح النسبي. فبالتأكيد للمجلس العسكري و تجمع المهنيين وحاملي السلاح تصورات مختلفة, ربما كليا, عن التغيير المنشود. عموما، يمكن حصر التغيير في ثلاثة أنواع:

١- تغيير سطحي :
يعمل حزب المؤتمر الوطني على رزق اليوم باليوم، لذلك يعكف على إجراء تحالفات تكتيكية من حين لآخر ( نيفاشا، أبوجا، الدوحة، الحوار الوطني ..الخ) لرتق التصدعات الداخلية. وبما أن المادة هي القاسم المشترك الرئيسي لأعضاءه، تفاقمت حدة الإنشقاقات الداخلية بعد تراجع الإيرادات النفطية نتيجة انفصال الجنوب. باختصار، في هذا النوع من التغيير تنتقل السلطة من قطب لآخر داخل المنظومة الحاكمة نفسها دون إحداث تغيير جذري لأركان النظام السابق فيُبقي على جهاز الأمن والمليشيات الأخرى دون مساس ويُكتفي بإزاحة بعض العناصر المثيرة للجدل و المغضوب عليها من التيار الخاسر في الانقلاب. عموما، تستفيد من هذا التغيير فئة محدودة جدا داخل السلطة القديمة و هذا تغيير لا يمت للمطالب التي انتفص الشارع لأجلها بشئ.

٢- تغيير متوسط :
قد يكون التغيير الأكثر شعبية حاليا إذ يطابق ذلك التغيير النمطي الذي حدث في أكتوبر ١٩٦٤ و أبريل ١٩٨٥، حيث تنتقل السلطة بالكامل من حزب لآخر نقيض لكن داخل الحاضنة الاجتماعية نفسها فتنتج بعضا من الديموقراطية الشكلية والحرية المزيفة كالصراخ في الصحف والبرلمان لكن دون أثر حقيقي على المواطن، ذلك لأن النخب تهرع لبناء ديموقراطية من أعلى تستبق بها تأسيس عقد إجتماعي حقيقي يحدد مهام السلطة و يؤسس للعلاقة بينها وبين المجتمع ولا يتأتى ذلك إلا بعقد مؤتمر دستوري جامع لكل أقاليم السودان. بل على العكس تماما، تبدد الأحزاب في الواقع طاقاتها لتمكين كوادرها الأمنية والعسكرية للإعداد للانقلاب المقبل للانفراد بالسلطة معبرة عن أقصى درجات الإقصاء الذي كانت تشتكي منه بالأمس القريب.

يقتصر هذا التيار أزمة البلاد في العقود الثلاثة الأخيرة وبالتالي لا تتصدر قضايا الحرب وأزمة المركز والهامش التاريخية قمة أولوياته، لذلك لن يُسكت هذا النوع من التغيير الرصاص، وستعود رحى الحرب لتدور لكن على نحو غير مسبوق هذه المرة. ببساطة، هذا التغيير يحرص على إجابة سؤال (من يحكم) و ليس بالضرورة (كيف يحكم) ويتضح هذا جليا في فشل الأحزاب على الاتفاق على برنامج انتقالي واضح قبل سقوط النظام، فكان من الطبيعي ان يزداد الأمر تعقيدا بعد سقوطه. بإختصار، هذا التغيير الذي تنشده غالبية الأحزاب السياسية ،و ربما طيف من الشباب، يفيد فئة إجتماعية محدودة ظلت تتقلب في أحضان السلطة منذ الاستقلال، لكنه لا يخدم السواد الأعظم من الشعب خارج المدن الرئيسية.

٣- تغيير جذري :
هذا هو التغيير الذي ظل مؤجلا منذ الاستقلال، و يهدف لتغيير دولة المستعمر الحديثة الذي سلمها لنخبة مركزية لتديرها بمنطق ترويضي. هذا المنطق وان كان يخدم أهداف المستعمر، لا ينبغي أن يستقيم في دولة مواطنة عادلة، فكان لزاماً على من تولوا الإدارة إبان الإستقلال ان يعيدوا دراسة نظام الحكم في البلاد بطريقة تستوعب إختلاف الأعراق والديانات والقبائل وتمكنهم من المشاركة في اتخاذ القرار. لكن تراكم امتيازات السلطة في يد المركز أغرى هذه النخبة الإجتماعية بالإحتكار فأفرز مقاومة مبكرة من الهامش حيث إنطلقت أول رصاصة حرب أهلية قبيل فجر الاستقلال عام ١٩٥٥ (حركة الأنيانيا) بعد أن نكص المركز عن وعد الحكم الفيدرالي للجنوب ( تطور الأمر حتى وصل للانفصال الكامل في ٢٠١١) . توالت مناهضة الهامش لهيمنة المركز على حق القرار في ربوع البلاد، فنشأت حركة اللهيب الأحمر في دارفور عام ١٩٥٧، ثم مؤتمر البجا في الشرق عام ١٩٥٨، ثم اتحاد جبال النوبة في ١٩٥٩. وبعد إنتفاضة ١٩٦٤ قدمت جبهة نهضة دارفور مذكرة تطالب بتعديل نظام الحكم لإشراك الهامش في القرار ولكن فضلت سلطات العهد "الديموقراطي" الخيار الأمني فاعتقلت جميع "المبتدعين" وشددت قبضتها الأمنية على الجنوب.

رفض المركز نداءات الهامش "السلمية" المتكررة للإشتراك في صنع القرار لم يترك للاخير خيار سوى اللجوء لاستعمال القوة ، فتمرد د. جون قرنق على السلطة وكون الحركة الشعبية لتحرير (السودان) ورفض الاعتراف بانتفاضةالمركز و سماها (مايو ٢، إشارة لاستمرار سيطرة حاضنة نظام النميري الاجتماعية على السلطة)، وتبعه د. خليل إبراهيم بحركة العدل والمساواة (السودانية) و عبد الواحد نور حركة تحرير (السودان). اللافت هذه المرة ان حركات المقاومة أستيقنت أن مشكلة الجنوب هي نفسها مشكلة دارفور و جبال النوبة والشرق، فنبذت الخيار الإقليمي و رفعت الشعار القومي ورددت شعارها المحبب "كل القوة الخرطوم جوة" ويعني ذلك أن حل مشكلة الأطراف يكمن في الخرطوم.

كل هذه الحركات، الإقليمي منها والقومي، كانت محاولة للتعبير عن خلل في الهيكل السياسي لادارة البلاد منذ مؤتمر الخريجين، ورغم ذلك، تصر غالبية الأحزاب السياسية على إختزال أزمة البلاد في عهد الإنقاذ ويظهر ذلك جليا في معظم خطاباتها فتتناسى عمدا ان بعضها تسنم السلطة ولم يوقف الحرب، واستعمل الجنجويد وارتكب المجازر في الضعين في ١٩٨٧، وآخر يدك الجزيرة أبا بمن عليها. لذلك لا عجب أن هذه النخبة صمت في عهر لعين عن حريق دارفور، بل و ضعت يدها في يد المؤتمر الوطني لتشكل حكومة الوحدة الوطنية بعيد نيفاشا في وقت كانت فيه الإبادات والمجازر في ذروتها.

الخلاصة ان البشير ليس بدعاً من النظام القائم منذ الاستقلال و هو نتاج طبيعي لنظام سياسي مشوه قابض يمكن لفئة إجتماعية محدودة على حساب الهامش الغالب. هذه الفئة هي التي وفرت المناخ المناسب ليمتد حكم البشير لثلاث عقود عجاف، هى التي ترفض مصاص الدماء صلاح قوش مطلقا ولكن لا ترى بأساً بمجرمي الحرب حميدتي او البرهان وتأول لهما بتبريرات سمجة رغم مشاركتهما القذرة في الإبادة الجماعية في دارفور. يختلف عهد السفاح البشير في انه مارس انحرفا أشد حدة نتيجة توفر إيرادات نفطية لم تتوفر لسابقيه؛ ولو حدث لناطحوه الشر.

لقد سرقت الثورة يا صديقي، وكل ما يجري الآن يمكن تلخيصه بأن الانقلابيين يساومون بعض النخب على فتات سلطة بمنحهم حكومة تنفيذية فقط لا غير في أحسن الأحوال. بوضوح أكثر، ما يحدث هو محاولة إغراء من قادة التغيير السطحي لنخب التغيير المتوسط لمنع حدوث التغيير الجذري.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

اتفاق الحرية والتغيير والمجلس العسكرى بين عينين !. 2019-07-18 05:07:05 فيصل الباقر faisal.elbagir@gmail.com بعد مُعاناة، ولنقل – بلا تحفُّظ - ولادة متعثّرة، تمّ التوقيع بالأحرف الأولى على وثيقة (( الإتفاق السياسى لإنشاء هياكل ومؤسسات الحكم فى الفترة الإنتقالية )) بين المجلس العسكرى وقوى (...)

الديمقراطية و مكانة الجيش : الحالة السودانية 2019-07-15 07:03:34 عبدالوهاب الأفندي على الرغم من المحاذير المشروعة تجاه الاتفاق الذي يوشك أن يرى النور بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير في السودان، إلا أن وضعه موضع التنفيذ هو الخيار الأفضل للسودان، في وجود حاجة ملحة (...)

الثورة مستمرة: هل تجاوز المحتوى حدود العبارة؟ 2019-07-15 06:34:03 مجدي الجزولي تنعقد وتنفض جلسات التفاوض بين المجلس العسكري وقوى الحرية التغيير وبينهما وسيط عن الحكومة الإثيوبية وآخر عن الاتحاد الافريقي. تناقلت الأخبار أكثر من عقدة تحول دون الوصول إلى اتفاق بين الطرفين، الاتفاق الذي ظل (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.