الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الثلاثاء 24 نيسان (أبريل) 2018

الإثنية في الجزيرة

separation
increase
decrease
separation
separation

د. عبد اللطيف البوني

(1 )
كما هو معلوم أن مشروع الجزيرة، قد قام على العمل المأجور إذ أن مساحة الحواشة (40 فداناً) لا تتيح للمزارع وأسرته القيام بكل الأعمال الفلاحية, خاصة إزالة الحشائش وجني القطن (الحش واللقيط) فكان لابد من عمالة، وبما أن الجزيرة كانت فقيرة السكان يومها تم استجلاب العمالة من خارجها خاصة من غرب السودان وغرب غرب السودان, وكان بعض العمال موسمين وبعضهم أقام بصفة دائمة فأنشأت الإدارة الإنجليزية لهم (الكنابي) وسط الحواشات، وكانت تمنعهم من البناء بالمواد الثابتة ولا تملكهم حتى قطعة الأرض التي تقام عليها الراكوبة, إنما ملكتها للمزارع. فأصبحت هناك قرى المزارعين والكنابي وكانت كلها تجمعات سكانية فقيرة, وبمرور الزمن ومع التطور الذي أحدثه الاستقرار الطويل، تطورت قرى المزارعين وتطورت الكنابي ولكن بدرجة أقل لأنها محرومة من مال الخدمات الاجتماعية الذي خصص لقرى المزارعين فقط. فاليوم العلينا دا مجموع قرى المزارعين بلغ اربعمائة قرية, بينما قرى العمال بلغ عددها أكثر من ألف قرية متفاوتة الحجم ، أما من حيث السكان فيقدر ان هناك ثلاثة ملايين لكل نوع من القرى، ولكن نسبة التكاثر في قرى العمال أكبر ففي خلال العشر سنوات القادمة ستكون المعادلة قد تغيرت . قرى العمال واكتظاظها بالسكان يمكن ان يكون إضافة مقدرة للأوضاع الجديدة المنشودة، ويمكن ان يكون قنبلة موقوتة تفجر كل شيء في حالة ظهور تضارب مصالح بين النوعين من القرى.
(2 )
هؤلاء الذين يقطنون قرى العمال أصبحوا جزءاً أصيلاً من التركيبة السكانية في الجزيرة, فإن اتى أسلافهم من خارجها بيد ان السكان الحاليين هم الجيل الثالث أو الرابع ولا يعرفون لهم وطنا غير الجزيرة فلابد من أن يميزوا تمييزا إيجابيا بان تقدم لتلك القرى كل الخدمات من ماء عذب وتعليم وصحة, وكل ما يقدم لقرى المزارعين حتى اذا دعا الأمر لتجميعهم في تجمعات أكبر، فليس هناك حاجة اليوم لوجودهم وسط الحواشات، ولابد من سياسة تجاه هذه القرى تمنع نشوء أي غبن محتمل. أما علاقتهم بالحواشات فسوف يكونون مثلهم ومثل بقية سكان الجزيرة, فقد قلنا سابقا إن عدد سكان الجزيرة ستة ملايين، والذين يملكون الحواشات لا يزيد عددهم عن المائة وعشرين ألف مزارع، فسكن الجزيرة لم يعد مرتبطاً بامتلاك الحواشة، وإن كان ازدهار المشروع وتطوره سوف ينعكس على كل السكان في الجزيرة إذ سوف يزدهر قطاع الخدمات ولن يقل عن قطاع الإنتاج. فالثراء والرفاهية عند المشتغلين في قطاع الخدمات قد تكون أكبر من تلك عند المزارعين أنفسهم، فالفروقات الشخصية هنا سيكون لها الدور الأكبر.
(3 )
مما يدعو للتفاؤل بمستقبل التركيبة السكانية في الجزيرة ان التداخل في الأتراح والأفراح والرياضة الآن بين قرى العمال وقرى المزارعين على أشده، إذ تقاربت القرى بدرجة كبيرة, وبعض القرى أصبحت مقسومة بين الطرفين والعلاقات يسودها الاحترام, ولكن لن نقول انها وصلت مرحلة التدامج . والذي يدعو للتفاؤل أكثر ان معظم قرى العمال قد أصبحت بها مدارس اساس وبدرجة أقل التعليم الثانوي , كما ان الاتجاه للجامعات ازداد بينهم بصورة لم تكن موجودة من قبل, فأصبح فيهم الطبيب والمهندس والأستاذ والقاضي (هؤلاء اقتنوا سكناً في المدن او قري المزارعبن لكن ظلوا مرتبطين بأهلهم ). كما أصبح بينهم الأثرياء وملاك الحواشات عن طريق الشراء، فهناك مكاتب معظم مزارعيها جاء أسلافهم عمالا للمشروع وتشكلت لديهم روابط للنهوض بقراهم، نذكر منهم رابطة القرى الأقل نمواً في الجزيرة.
(4 )
صديقي الدكتور صديق محمد أحمد مضوي وشخصي قمنا بدراسة قبل عدة سنوات عن التركيبة الإثنية في الجزيرة، اكتشفنا فيها أن هناك علاقة رأسية متطورة بين أثرياء قرى المزارعين وأثرياء قرى العمال، وهذا يبشر بعلاقة جديدة على أساس طبقي, وهذا يعني أنه اذا ما تحول المشروع الى مشروع ربحي وأصبحت الحواشة منشأة تجارية enterprise)), سوف ينتهي الارتباط العاطفي و(شم الواطا دي واطة جدك) مما يتيح التدامج المنشود بين كل المكونات الإثنية في الجزيرة.

ولهذا الحديث بقية اذا امد الله في الاجال


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

في السودان ام في جنيف ؟ 2018-10-15 15:52:40 بقلم : محمد عتيق الصديق ‏والصحفي الكبير الاستاذ محمد لطيف ، صاحب التحليل السياسي الرشيق والمقروء ، كان نجم التغطية الصحفية التحليلية لاجتماعات الدورة 39 لمجلس حقوق الإنسان التابع ‏للأمم المتحدة (جنيف سبتمبر ‏٢٠١٨) ‏عبر (...)

النُّخبة السُّودانية وما تبقَّى من رحيق 2018-10-14 14:46:18 بقلم :عمر الدقير يُنْسَب للمسيح عليه السلام أنه شبّهَ النخبة في أي مجتمع بالملح، لأن الملح إذا فسد ربّما تعذّر وجود ما يمكن أن يُحْفَظ به أي شيء ويصان به من التعفن والخراب .. وسواء صحّت نسبة ذلك التشبيه للسيد المسيح أم (...)

"الخواجة عبدالقادر" بين ألف النداء وياء المد 2018-10-14 14:46:02 بقلم:الجميل الفاضل قبل نحو ست سنوات تقريباً، رفعت الدراما المصرية، ذِكر المهندس النمساوي الأصل، المصري الجنسية، السوداني الروح والقبر والهوية، "جوليوس فاجوجون" أو"الخواجة عبدالقادر" الذي عاش لأكثر من ثلاث عقود بين (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.