الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 19 آذار (مارس) 2018

الإذلال بالجلد، بالقانون وبغيره

separation
increase
decrease
separation
separation

سلمى التجاني

( 1 )

لاحظت المعلمة أثناء تبديل الأطفال ملابسهم، إستعداداً لحصة الرياضة بإحدى مدارس المملكة المتحدة ، أن هناك علامات على جسد إحدى الطفلات من أصولٍ سودانية ، أخذتها بعد نهاية الحصة ، وبعد أن طمأنتها ، قالت الطفلة أن أمها تعاقبها بالضرب . ولأن الأم تعلم أن الضرب في بريطانيا ، للصغار والكبار مجرَّم ، كانت تحرص على أن يكون في أماكن يصعب رؤيتها . إنتهت الحادثة بأن احضرت الطالبة سلاح الجريمة ( كان مفراكة ) بعد أن أخفته داخل ملابسها ، فأُرسِلَت الأم للمحكمة حيث أُجبِرت على الإعتذار لطفلتها وتعهدت كتابياً بعدم تكرارها ، وإلا فإن القانون يقضي بنزع الطفل من والديه وإرساله للعيش في مكانٍ تُحترم فيه كرامته . فبريطانيا ، كشأن الدول الغربية ، جرَّمت الجلد كعقوبة واختفى من قوانينها منذ سبعينات القرن الماضي .

في حادثة أرتالا بوسط دارفور ، الأسبوع الماضي ، وكما ظهر بالفيديو المتداول بالوسائط الإعلامية ، فقد تم جلد رجال القرية ، بلا محاكمة ، وبطريقةٍ مهينة وبها هدر للكرامة الإنسانية ، وترسيخٌ لإذلال المواطن وتجريده من كل حقوقه التي يكفلها له الدستور الإنتقالي وما فسرته من قوانين . حدث ذلك أثناء حملاتٍ لجمع السلاح بالمنطقة بواسطة قوات حكومية . أعاد فيديو أرتالا للأذهان الحديث عن الجلد كعوقبة ، وكيف وجد طريقه لقوانين العقوبات السودانية ، حتى وصلنا اليوم لمرحلة أن يمارس بلا قانون ولا وازعٍ من عاقبة .

( 2 )

( الإسلام لا يقضي بالمسارعة في العقوبة وإنما العمل على إزالتها بإزالة أسبابها )
المفكر الإسلامي راشد الغنوشي معلقاً على عقوبة الجلد

بالنظر للجلد في قوانين العقوبات السودانية ، فقد كان حاضراً في أول قانون ( 1889 ) ، والذي تلاه في العام ( 1925 ) ، ليغيب عن نصوص قانون عقوبات ما بعد الإستقلال الصادر في سنة (1974) ، فأصبح عقوبة بديلة يتم توقيعها على سبيل الجواز .

في كل هذه التشريعات انحصرت عقوبة الجلد على الرجال ، حتى جاءت قوانين سبتمبر في العام 1983م لتعيد العمل بهذه العقوبة للرجال والنساء محددةً أداته بالسوط وعدد الجلدات من 25 - 100 جلدة . ثم أصبح هذا القانون أساساً للقانون الجنائي السوداني للعام 1991م الذي تعدت فيه هذه العقوبة جرائم الحدود الشرعية الثلاث ، فأصبح يوقع الجلد على أكثر من ثلاثين جريمة ، ليصير أسوأ قانون للعقوبات يمر على السودان منذ القرن التاسع عشر . إذ قرر فيه المشرع ، أنه وفي القرن العشرين ( لحظة صدور القانون ) وفي عالمٍ تجاوزت فيه أغلب دول العالم المتحضر عقوبة الجلد ، رأى أن هذا الشعب لا يصلح أن يعيش إلا والسياط على ظهره .
لم تكتفِ الحكومة ، في القانون الجنائي للعام 1991م بإذلال الناس عبر توقيع عقوبة الجلد في المواد من ( 151_ 156 ) الواردة في باب جرائم العرض والآداب العامة والسمعة ، ولم تشبع شهوتها في الحط من كرامة الإنسان السوداني بمعاقبته بالجلد وفق نصوص فضفاضة تُترك فيها التقديرات لمزاج شرطي النظام العام ووكيل النيابة والقاضي ، لكنها وقبل ثلاثة أعوامٍ سلَّطت سيف المادة 67 من القانون ( جريمة الشغب ) لتعاقب بالجلد على الفعل السياسي. فاعتبرت أن أي تجمهر من خمسة أشخاص فأكثر مخلاً بالسلام العام ، ويعاقب عليه بالسجن أو الغرامة أو الجلد عشرين جلدة ، ليتجاوز القاضي ، في المعتاد ، الخيارين الأولين فيحكم بالجلد ، كما حدث في العام 2015 عندما تمت معاقبة أعضاء بحزب سياسي بالجلد ، لعقدهم مخاطبة جماهيرية في أحد الأسواق . ومن هنا قفز القانون الجنائي ليطبق قبضته على النشاط السياسي السلمي وينزل عليه أكر العقوبات إهانةً للإنسان .

( 3 )

في العام 1997 صنَّفت مفوضية الأمم المتحدة العقوبات الجسدية كعقوبات قاسية وغير إنسانية ومهينة وترقى لأن تكون تعذيب ، وبذا أعتبرت عقوبة الجلد تتعارض مع إتفاقية مناهضة التعذيب ( السودان لا زال يمانع في المصادقة عليها ) ، وقبل عامين طالبت لجنة تابعة للأمم المتحدة المملكة العربية السعودية بوقف العقوبات الجسدية كالبتر والجلد .
وهنا يأتي تساؤل : هل عدم مصادقة السودان على اتفاقية مناهضة التعذيب ، يعطيه الحق في السباحة عكس تيار قوانين حقوق الإنسان العالمية ؟ هل نعيش في جزيرة معزولة يحكمها نظام يتمرد على المؤسسات الدولية وقوانينها ليعيث تعذيباً وهدراً لكرامة المواطنين ؟ هل يقف المجتمع الدولي متفرجاً على قوانين لا إنسانية تطبقها حكومة مارقة ؟

هذا فيما يتعلق بالقانون ، أما بخصوص إذلال الناس ( زندية) كما حدث مؤخراً في أرتالا ، فهي ممارسةٌ بدأت هناك ، وكما عودنا النظام في جس النبض ، لن تتوقف ، سنرى الرجال والنساء يمددون على بطونهم في الأرض في الخرطوم ومدني وعطبرة وغيرها ، وسيجلدون في الساحات دون أسباب أو مخالفة لقانون ، ثم يهرولون مخلفين وراءهم إنسانيتهم وكرامتهم .

يقول ارنستو تشي جيفارا ( إذا فُرِضت على الإنسان ظروف غير إنسانية ولم يتمرد ، فسيفقد إنسانيته شيئاً فشيئا ) .


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

إضاءات حول مشروع قانون الانتخابات لعام ٢٠١٨م 2018-06-17 22:28:54 محمد الطيب عابدين المحامي ( ١ ) مقدمة أُعِدْ مشروع قانون الإنتخابات لسنة ٢٠١٨م ( *الجديد* ) من قِبل وزارة العدل و أقيمت حوله ورش على عجل ثم دُفِع به إلى مجلس الوزراء في جلسة كان جندها الرئيس و الوحيد هو هذا القانون في (...)

الرقم الوطني لمرتضى الغالي 2018-06-15 02:50:18 مصطفى عبد العزيز البطل أعرف الصحافي المخضرم مرتضى الغالي وأحسبه في زمرة أصدقائي برغم تطاول عهدي به. كنت أقرأ كتاباته في صحيفة (الأيام) وانا طالب في السنة الأولى من المرحلة الجامعية، وتابعت مسيرته الصحافية عبر العقود (...)

تعذيب المناهضة 2018-06-11 20:34:14 كتبت : سلمى التجاني (1) يوم الاثنين قبل الماضي، أعلنت وزيرة الدولة بوزارة العدل نعمات الحويرص، أمام لجنة التشريع والعدل وحقوق الإنسان بالبرلمان، أن وزارتها رفعت توصية لمجلس الوزراء للمصادقة على اتفاقية مناهضة التعذيب. (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

حركة / جيش تحرير السودان بيان مهم حول الأوضاع الراهنة في البلاد 2018-05-25 21:04:35 إلى جماهير الشعب السوداني الوفية لا يخفى على أحد أن نظام الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومنذ أول يوم إستهل فيه عهده البغيض، كان يستهدف الصدام مع الشعب السوداني، فبدأ بوأد النظام الديمقراطي ثم إعدام الشهيد علي فضل مروراً (...)

ذكرى شهداء الكرامة 2018-05-21 23:22:45 الحرية - العدل - السلام - الديمقراطية حركة / جيش تحرير السودان - المجلس الإنتقالي جماهير شعبنا الكريم في مثل هذا اليوم، و كما درجة العادة، فإننا نحظى بدقيقة من الصمت لتعانق أرواحنا أرواح رفاقنا الذين بسببهم لا نزال على (...)

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.