الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 28 أيار (مايو) 2016

الإسلاميون الإنقاذيون.. يقظات (العقل العنصري) 2-3

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : عبد الحميد أحمد محمد

ظل الموقف العملي للجبهة الإسلامية (1985 -1989) من جنوب السودان ملتبساً غامضاً، مهما تقدمت أطروحات أمينها العام أشواطاً في الدعوة للحكم اللامركزي، منذ مؤتمر المائدة المستديرة، يصفه ترياقاً شافياً لعلل واسقام الإقليم المضطرب بالنزاعات، إلا أن تلك الرؤية المتقدمة ظلت داخل أطر التنظيم خاصة بصاحبها، محصورة في دائرة التنظير لا تخرج إلى فضاء الواقع أو تجد من يعبر عنها مؤمناً بها دون الأمين العام، بل طغت عليها ممارسات كلها سالبة لا تلقي بالاً للجنوب، مما حدا بالسيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة - نحو أواسط عقد الثمانينات - لأن يتهم الجبهة الإسلامية صراحةً بأنها تعتمد سياسات تدفع بإتجاه فصل جنوب السودان: "يعتبرون الجنوب عقبةً في طريق الإسلام ويطرحون إمكانية التخلص منه، وتتميز سياستهم فيه باللامبالاة وتصعيد المواقف دون أدنى اعتبار لخطورة ذلك على الإسلام والوطن على حد سواء.."

سوى حالة الفوضى التي ظلت تنتاب أجهزة الإنقاذ وتظهر عجزها عن صياغة رؤى سياسية خاصة بإدارة الأزمة في الجنوب، فقد مضت وفود التفاوض منذ أول وقوع الإنقلاب العسكري، تتحرك جيئة وذهاباً بغير ما هدف محدد لا تحمل موجهات سياسية متفق عليها وإنما تركن في كامل سعيها لاجتهادات متعازلة سوى أنها غير متجانسة، فقد مضت "في حِندس تتصادم" حتى بلغت اتفاقية الخرطوم للسلام (1997) التي حملت –كذلك- إثارة بالغة لاصطفاف عنصري فاحش داخل الصف الإنقاذي وتمايز بين الشمال والغرب. فقد أحيت ساعة التوقيع على الاتفاقية نزاعاً وجدلاً ثار لوقت طويل صراعاً طلما تمحور في التنافس على قيادة الحركة الإسلامية أو ترقي درج سلطة الإنقاذ نحو رئاسة، لكنها الأن صراعات محتدمة تنزع ملف السلام من وزير يوالي تراتيب الحكم الإتحادي أو عضو في مجلس قيادة الثورة، لكنهما ينتسبان إلى الغرب لتحيله إلى وزير الخارجية –يومئذٍ- ثم النائب الأول ­­­­­­­­المنتسب إلى الشمال والذي مضى حتى لحظة التوقيع على اتفاق نيفاشا تراوده ذات الأوهام القديمة أن يعمّده انجاز اتفاق سلام بطلاً قومياً ما يزال يرفعه حتى يمكنه من تمام إحكام قبضته على مقاليد سلطة الإنقاذ وقيادة الحركة، إذاً فقد أفشت تلك العناصر شبهة أن الأمين العام للحركة الإسلامية يعمل على ضرب العناصر الشمالية في قيادة الدولة والحركة بإحكام تحالفه مع القادة من الغرب ومن ثم مضت ذات العناصر تروّج لما صوّرتها خطة استراتيجية تقدم غالب قادة ملف السلام من غرب السودان تعدهم لتمام القضاء على هيمنة الشماليين الذين يمسكون بتمام مفاصل سلطة الإنقاذ واقتصادها.

نحو خواتيم عقد التسعينات، من بعد تمام التمكن في السلطة، اشتكلت الرؤى حول قضايا السياسة والحكم داخل الصف الإنقاذي وبدت واضحة معالم خلاف عميق بين الأمين العام للحركة الإسلامية ورئيس الجمهورية، وآخرين من دونه يمدونه باللجاج ويستخفّون من وراء حجاب، لكن مهما أشتد السجال حول مسألة أختيار ولاة الولايات، يختارهم شعب الولاية اختياراً حراً مباشراً أم يتم تعيينهم من قِبل المركز، فإن القضية الأساسية كانت حول تمام إنفاذ الحكم الإتحادي طريقاً نحو التخلص من تركة الإدارة الإستعمارية التي ورثتها العهود الوطنية جميعها تقبض كل السلطة لمركز واحد أخفق على الدوام في قسمة عادلة لموارد البلاد وتنمية أقاليمها. إذاً فقد إنهارت رؤية الحركة الإسلامية في الحكم الإتحادي، إذ لم تكن قناعات الشيخ الترابي تشكل قاعدة للتنظيم وهو الذي فكّر وكتب كثيراً عن الحرية والشورى والسياسة والحكم لكن جملة ممارسة الحركة في كل تلك القضايا تقاصرت وتقاعست عن تمام إدراك مقاصده، لا ترق لأن تقارب مستوى ما كتب وانتج من رؤى وأفكار.

وإذ لم تستبن النخبة الإنقاذية أن أزمة الجنوب هي وجه من وجوه أزمة الحكم المركزي، فإنّ الدكتور جون قرنق زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان كان شديد الوعي بهذه المسألة وهو يخاطب مؤتمر سدّ كوكا أواسط التعسينات الذي ضم إلى الحركة الشعبية كذلك التجمع الوطني الديقراطي: "إن مشكلة السودان تتعلق بالسلطة السياسية لا بالتنوع الثقافي، أعتقد أن مسألة المركزية هي المشكلة الأساسية للسودان.. إن الأنظمة المختلفة منذ الإستقلال التي جاءت ورحلت في الخرطوم فشلت في توفير سمات مشتركة ونموذج وأساس للسودان كدولة.." كان خطاب د. جون قرنق تعبيراً عميقاً عن مشاعر الغبن والظلم الذي تستشعره قوى الهامش ليس تلقاء الجنوب فحسب وإنما إلى الغرب من السودان جهة دارفور كذلك.

وجه آخر، من وجوه السياسة العنصرية البغيضة أسفرت عنه الإنقاذ، أظهرته إتفاقية السلام الشامل (2005) تياراً معارضاً لبروتكولاتها جميعاً تشكل لأول مرة كياناً جهوياً ينتسب صراحة إلى الشمال لكنهم تداركوا خطأ التسمية الشنيع بالتحول إلى ما زعموا أنه منبر للضغط ينادي بالسلام العادل وهو يومئذ لا يجد في اتفاقية نيفاشا غير بنود شديد الإجحاف بحق الشمال والشماليين، إلا أن المنبر، بغالب قياداته ذات الإنتماء المشهور للحركة الإسلامية، مضى مدفوعاً بعداء محموم للحركة الشعبية يعمل بجد لفصل الإقليم الجنوبي من السودان بأعتباره إفريقياً زنجياً لا يتسق بدياناته وثقافاته وألسنته العجماوات مع بقية أجزاء السودان لا سيما الإقليم الشمالي الذي يتحدر منه غالب قادة المنبر، وإذ ظلت تلك الدعوة نشازاً مستهجنة من كل القوى السياسية إلا أنها مضت تستمد قوتها، من دوائر خافية، داخل النظام الإنقاذي تتعهدها بالرعاية والحماية وتوظف لها منابر الخطابة والصحافة وتفتحها أمام قادة التيار الإنفصالي قبل أن يؤسسوا صحيفة عنصرية كاملة مردت على الأعراف المهنية الإعلامية جميعها والتراث السياسي السوداني الذي يجد الدعوة إلى فصل جزء من البلاد جريرةً وكبيرة من الكبائر الوطنية، وقد ظلت التهمة السابغة التي تلازم "منبر السلام العادل" منذ يوم التأسيس أنه محض واجهة سياسية للمؤتمر الوطني أو مجموعة تتمحور داخله، أرادت توظيفه، ليتولى أعباء مواجهة الحركة الشعبية لتحرير السودان عوضاً عن المواجهة المباشرة التي تقيدها إتفاقية السلام الشامل وبالتالي الإنطلاق في الدعوة إلى فصل جنوب السودان إلى أبعد مدى دون أعباء سياسية يحملها الحزب الحكومي جراء تلك الدعوة، وهي التهمة التي جاهد أعضاء المنبر لنفيها قبل أن تتفجر الصراعات بلا سقوفات أخلاقية داخل منبرهم لتكشف جزء من الطبيعة التي تشكّل منها والعلائق التي تربطه بالنظام وقادته.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

زمان التحولات 5-5 2017-02-20 22:22:49 نافذة التغيير المنتظرة بقلم : السر سيد أحمد تناولت هذه السلسلة خلال الحلقات الاربع الماضية التحولات الاقليمية والدولية وانعكاساتها على السودان وعلى رأسها بروز أهمية البلاد الجيوسياسية سياسيا وأمنيا واقتصاديا كما أصبح (...)

زمان التحولات 4 - 5 2017-02-19 16:50:07 الفرصة الرابعة بقلم : السر سيد أحمد افتتاح محطة توليد الكهرباء بسدي ستيت وعطبرة في شرق السودان مؤخرا يعتبر أهم اشارة على عودة رؤوس الاموال العربية الاستثمارية الحكومية الى السودان بعد الانفصال وان كانت سبقتها بعض رؤوس (...)

زمان التحولات 3-5 2017-02-18 15:57:48 لآ للمقاطعة، نعم للمشاركة بقلم : السر سيد أحمد شكلت أتفاقية السلام للعام 2005 معلما رئيسيا في علاقة القوى السياسية المعارضة بمختلف توجهاتها بنظام الانقاذ الذي رأت في وصوله الى سدة الحكم اغتصابا للسلطة عبر انقلاب عسكري (...)


المزيد

فيديو


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)

بيان لحركة (الإصلاح الآن) حول تعرفة المياه 2016-02-19 21:41:21 سلطة المؤتمر الوطني، ووجبة اخري من رفع الدعم الذي اصبح لا يري بالعين المجردة بعد ان تخلت الدولة عن دورها الأساس في توفير الحياة الكريمة للمواطن المسحوق فما ان مرر البرلمان زيادة غاز الطبخ جبرا وليس اختيارا ، هاهم الان نواب (...)


المزيد


Copyright © 2003-2017 SudanTribune - All rights reserved.