الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الثلاثاء 21 حزيران (يونيو) 2016

الإسلاميون في السودان.. النكوص إلى الطائفية والاستبداد السياسي

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : عبدالحميد أحمد محمد

في مقاله "الرابع من رمضان: الطريق الى حل البرلمان" أورد المحبوب عبدالسلام واقعة شديدة الأهمية إذ تشير بوضوح لطرائق متواضعة في التفكير لدى قيادات عليا في الحركة الإسلامية السودانية، مهما حصلوا من شهادات ودرجات علمية عالية، بل إنّ الواقعة تكاد تعبر عن "العقل الجمعي" لعضوية ومنسوبي الحركة الإسلامية السودانية. إذ جاء في تلك الليلة، الرابع من رمضان، إلى الاجتماع بالشيخ الترابي من أشار إليهم المحبوب على سبيل السخرية بـ" أعمدة الحكمة السبعة" و"الرواد" و"السابقين" و"أصحاب المصلحة" الذين أصبحوا فيما بعد (لجنة رأب الصدع) وظهروا وشيكاً وزراء في أول تعديل وزاري، كانت اطروحتهم شديدة الغرابة بأكثر مما هي بالغة الوهن، وحدة الحركة الاسلامية فوق خرق الدستور، وفى عبارة أخرى أوضح تعبيراً: "أخوتنا أهم من تقديس الأوراق". ما أحسنوا الموقف وقد اعاد الاستفزاز للشيخ كل قوته :" ليست ورقة يا متعلمين يا دكاترة بل هي عهد الشعب الأعلى، نحن لم نجئ من رحمٍ واحدةٍ ولكن أخوتنا التي تعنون هي الفكرة التي تجسدها هذه الأوراق، الحركة الاسلامية لم تقم لتعلم الناس الصلاة والصيام وحسن الخلق، فمجتمعنا أصلاً كذلك، ولكن قامت ليستقيم العهد العام الذى تصورنه اليوم أنه ورقة".

مثلت هذه الأطروحة "أخوتنا أهم من تقديس الأوراق" حالة "التوالي الطائفي" التي انتهى إليها الإسلاميون السودانيون فيما ظلت ذات هذه الفكرة تسيطر على عقولهم بالتمام وتوجه علاقاتهم لا سيما الاجتماعية بـ(إخوانهم) في معسكر السلطة المستبدة، حيث ظلت رابطة العمل التنظيمي وزمالة المكاتب التنظيمية المشتركة هي الأعلى على كل فكرة أو عهد، تتكسر عند حدها كل المبادئ والقيم التي تمثلتها الحركة الإسلامية.

وإذ ظلّت أعداداً من الإسلاميين تحتفظ بعلاقات دافئة مع أشد أنصار النظام الديكتاتوري عتواً وغلواً في الاعتداء على الحياة العامة في السودان، سوى أولئك الذين انحصرت انحرافاتهم في الفساد المالي والأخلاقي الضارب بأطنابه بينهم، فإن مناسبات عديدة لا سيما مناسبات الأحزان حين تصيبهم مصيبة الموت، تذكي العواطف الساذجة، توقظ حميّة الطائفية بينهم على أشدها وربما تزيّد بعضهم أحياناً فجعل (هامان) الذي أفرغ وسعه في خدمة طغيان سلطة الإنقاذ، في عداد المصطفين الأخيار كأن لم يكن بالأمس القريب يوقد على الطين يبني صرحاً لفرعون قمئ لعله ليبلغ الأسباب، أسباب السماء، فيطلع إلى إله الحرية والعدالة والمساواة والحق. وإنهم جميعاً يظنونه كاذباً.

تأسس المؤتمر الشعبي بقيادة الشيخ حسن الترابي في العام 2000 على فكرة "المفاصلة" وعلى مدى عقد ونصف ظلت قيادة المؤتمر الشعبي تحرص على أن تكون هناك مساحة لإظهار التباين بين المؤتمر الشعبي والوطني، باعتبارهما كانا كيانا واحداً، وأنّ الهدف الحقيقي لقيام الشعبي كان التأكيد على أن المفاصلة قامت على مبادئ وأصول تتعلق بالحريات العامة، حرية كاملة لسائر وجوه الحياة العامة عبر كل السُودان، وقضية الالتزام بالدستور والاتفاقيات ثم الالتزام بالحكم الاتحادي وقياساً لذات هذه القضايا صرّح الشيخ الترابي بـ"أن الحزب الشيوعي الأن أصبح الحزب الأقرب إلينا" في تعبير واضح عن الوصول لذروة المجانبة مع النظام الديكتاتوري وحزبه الحاكم. كان ذلك هو عهد المؤتمر الشعبي حتى ساعة الرحيل المفاجئ للشيخ الترابي الذي خلّف غيابه فراغاً واسعاً وإحساساً بالعجز والخواء في ساحة المؤتمر الشعبي تبدّت مظاهره في حالة "النكوص" التي انتظمت عدداً من قيادات التنظيم، كاستجابة فورية للإحباط، والشعور بالعجز فأرتدت تتوهم الخلاص في موالاة النظام الديكتاتوري أو الاصطفاف معه في معسكر يقابل، ما توهمته، معسكراً آخر لتجمع العلمانيين الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، على نحو ما عبّر الأمين العام المكلف للمؤتمر الشعبي.

إذاً سرعان ما اجترح خليفة الشيخ الترابي في قيادة التنظيم خطاً جديداً يجانب كامل سيرة الشعبي وتراثه فقطع "إبراهيم السنوسي": "أنه لا فوارق بين الحزبين- يقصد المؤتمر الشعبي وحزب المؤتمر الوطني الحاكم- وليس هناك فرق بالنسبة لي بين (شعبي) و(وطني) وهي فوارق وهمية.." قبل أن يحض شباب الإسلاميين "بأن لا يسمحوا بزوال دولة الإنقاذ الحاكمة في السودان والتصدي لمحاولات إسقاطها وإبعادها وإبعاد الإسلام وهو يقول: "هم يريدون في الأصل إبعاد الإسلام وإدخال العلمانية في الدولة" وإذ بدت الكلمات مليئة بالتعصب ضد الآخر فإنها –كذلك- تمثل نزوعاً طائفياً صارخاً، يرفض الآخر فيتعصب ضده ويتعالى عليه وصولاً إلى سلبه حقوقه وإلغاء وجوده، وهو السلوك الأوثق في سيرة القائد الخالف للشيخ الترابي وإذ بدا جلياً، غيابُ الوعي لدى الشريحة القياديَّة، منذ مبتدأ الخلاف الفكري حول أصول القضايا في السياسة والحكم داخل ساحة الحركة الإسلامية فإن الصراع داخل سلطة الإنقاذ حول إقرار مبدأ "حرية التوالي السياسي" وضع ابراهيم السنوسي في قلب معسكر السلطويين الذين اقترحوا أن ينص دستور السودان على أنه لا يعرف إلا حزباً واحداً هو "المؤتمر الوطني الحاكم" لولا أن دفعته الحميّة ساعة اشتد البأس والصراع عائداً إلى جانب الشيخ الترابي لكن دون أن يعلن عن مراجعات واضحة لموقفه الأول. لكنه اليوم إذ يتقدم لقيادة التنظيم فإنّ هذا يصبح هو ذات التحدي الذي ينتظر المؤتمر الشعبي بين أن يرتد به وفق قاعدة: "وحدة الحركة الاسلامية فوق خرق الدستور" وفوق قدسية المبادئ فينخرط في معركة الحفاظ على دولة الإنقاذ الظالمة وبين أن تنهض فيه جماعة تعيده إلى أصول فكره السياسي وتعمل لديمقراطيَّة كاملة لسائر وجوه الحياة العامة في كل السُودان


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

(الإسلام هو الحل) 2016-12-09 07:14:04 بابكرفيصل بابكر boulkea@gmail.com درجت جماعات الإسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الأخوان المسلمين على ترديد شعار "الإسلام هو الحل" وجعلت منه الأساس الذي تستند إليه في إستمالة عواطف البسطاء من الناس وكسبهم لصِّفها بإعتبار (...)

موت فيدل كاسترو وانفضاح عورة الشيوعيين 2016-12-07 18:35:46 عادل عبد العاطي رحل قبل أيام الطاغية فيدل كاسترو فأتضحت عورة الشيوعيين في مهرجانات الرثاء والتعزية التي اقاموها له في مشارق الأرض ومغاربها وعلى صفحات مواقع التواصل الإجتماعي؛ مرددين الأكاذيب والأساطير عن واحدا من اكثر (...)

إضاءات عابرة حول العلاقة بين فيديل كاسترو والحركة الشعبية 2016-12-05 22:04:04 المحاربون القدامي لا يموتون ياسر عرمان أما أن تحب فيديل كاسترو أو تكرهه، في الغالب لا حياد حينما يتعلق الأمر بفيديل كاسترو، في حياته أو عند مماته، يقف الناس منه على ضفتي نهر، ولكن النهر يمضي، أما عن نفسي فإني من المحبين (...)


المزيد

فيديو


أخر التحاليل

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)

تفكُّك الدَّولة السُّودانية: السِّيناريو الأكثر تَرجيحاً

2013-02-10 19:52:47 بقلم د. الواثق كمير kameir@yahoo.com مقدمة 1. تظل الأزمات السياسية المتلاحقة هي السمة الرئيس والمميِّزة للفترة الانتقالية منذ انطلاقها في يوليو 2005، في أعقاب إبرام اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان ممثلة في حزب (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)

بيان لحركة (الإصلاح الآن) حول تعرفة المياه 2016-02-19 21:41:21 سلطة المؤتمر الوطني، ووجبة اخري من رفع الدعم الذي اصبح لا يري بالعين المجردة بعد ان تخلت الدولة عن دورها الأساس في توفير الحياة الكريمة للمواطن المسحوق فما ان مرر البرلمان زيادة غاز الطبخ جبرا وليس اختيارا ، هاهم الان نواب (...)


المزيد


Copyright © 2003-2016 SudanTribune - All rights reserved.