الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2017

الإمبريالية في مرحلة تنظيف الشوارع من الجثث

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : سلمى التجاني

يوم الأربعاء الماضي أطلق بوريس جونسون وزير خارجية المملكة المتحدة تعليقاً خلط فيه بين الجدية والطرفة ، لكنه لم يكن كذلك ، بل كان حديثاً يخلو من الحساسية الانسانية والروح الدبلوماسية التي يقتضيها منصبه ، وعرضه لإنتقادات لاذعة من الإعلام والسياسيين البريطانيين . قال جونسون معلقاً على الأوضاع الإنسانية في مدينة سرت الليبية وعن خطط بريطانيا المستقبلية هناك ، أنه بإمكان المستثمرين البريطانيين أن يخلقوا من سرت دبي أخرى ( فقط على الليبين تنظيفها من الجثث الملقاة على الطرق ) .

تعليق جونسون كشف عن عقلية إمبريالية لا ترى في سرت ، المدينة التي احتلتها داعش بعد سقوط ليبيا ، إلا موقعاً مناسباً للإستثمار ، استثمارٌ في فجيعة الليبين بعد تدمير بلادهم . كارولين لوكاس زعيمة حزب الخضر وصفت جونسون ب ( كرة الهدم ) ، الكرة الحديدية الضخمة التي تستخدم في هدم المباني ، وأنه لا يصلح للوزارة لأنه يجلب السمعة السيئة لبريطانيا . في الحقيقة إنه لم يفعل شيئ سوى الحديث بصراحةٍ شديدة خارج الأبواب المغلقة.

رمزية مدينة سرت الليبية في المخيلة الإمبريالية العالمية تأتي من كونها رمز من رموز الدول القومية ، حيث بدأ القذافي مشروعه لإقامة دولة قومية متأثراً بالفكر الناصري ثم توجه لإفريقيا ، فسرت هي مسقط رأس الراحل معمر القذافي وآخر معاقل مقاومته حيث قُتل هناك ، وبسقوطها سقطت ليبيا في أيدي قوات حلف شمال الأطلسي والمقاتلين الليبيين.

كذلك تأتي اهميتها السياسية من كونها شهدت إعلان الاتحاد الإفريقي في التاسع من سبتمبر ١٩٩٩ ، وانعقدت بها القمة العربية الثانية والعشرين ، وكانت مقراً لمركز واغادوغو للمؤتمرات وبها اعتاد القذافي على استقبال زعماء العالم . وتكمن اهميتها الإقتصادية كمدينة ساحلية تقع على البحر الأبيض المتوسط ، يلتقي عندها أنبوبي النهر الصناعي كأطول شبكة مصنوعة لنقل المياه في العالم ، وكذلك تعتبر أحد أهم مشاريع تطور استخراج النفط البحري في المنطقة والعالم.

في العام ٢٠١٥ صدر كتاب ( الامبريالية في القرن الحادي والعشرين : تحديث لنظرية لينين بعد قرن ) باللغة الإنجليزية في مدينة سان فرانسيسكو الامريكية عن حزب الاشتراكية والتحرير ونشر الدكتور مسعد عربيد قراءة للكتاب بصحيفة الأخبار.

يذهب مؤلفي الكتاب ، وفقاً لمسعد ، إلى ان الامبرياليين الامريكيين قد نظَّروا منذ تسعينات القرن الماضي ل ( القرن الامريكي الجديد ) لتحقيق مشروع الهيمنة الامريكية المطلقة عبر إختلاق ذرائع للحروب تبدو اكثر وطنية وانسانية ونبلاً ، مثل الامن القومي الامريكي والسلام العالمي والتدخل الانساني والاطاحة بالدكتاتوريات الشريرة والحرب على الإرهاب وغيرها ، وأن مفهوم الحرب الدائمة يحظى بموافقة الحزبين الامريكيين ، الجمهوري والديموقراطي.

وفي سعي امريكا للقضاء على الدولة القومية في العالم العربي دمرت العراق وسوريا .
في حالة السودان فإنه يُصنف ضمن رعاة الإرهاب والديكتاتوريات الشريرة ، لذلك بدأ التعامل معه منذ العام ١٩٩٣ تاريخ وضعه في قائمة الدول الراعية للإرهاب وفق معايير الخارجية الأمريكية ، تلى ذلك عدة قرارات من المؤسسات الدولية والأمريكية فرضت عليه عقوبات اقتصادية وتجارية وأخرى تتعلق بجرائم ضد الإنسانية . وفي بيان الخارجية الامريكية الذي صدر أول أمس معلناً الغاء العقوبات الإقتصادية ، كان تعاون السودان مع الولايات المتحدة الامريكية في معالجة الصراعات الاقليمية ومهددات الارهاب أحد أسباب امريكا لإلغاء العقوبات.

في الدراسة التي قدمها مجلس الاطلسي في يوليو الماضي ( مؤسسة بحثية امريكية مرموقة في مجال العلاقات الخارجية ، تجد الاحترام من صانعي القرار الامريكي ) قدم المجلس تقييم للعلاقات الامريكية السودانية ، ونصائح يُلاحظ الآن أن الادارة الامريكية تستهدي بها في تعاملها مع السودان كدولة ذات موقع استراتيجي في المنطقتين الافريقية والعربية . أكدت الدراسة أن المقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية لم تكن في صالح امريكا ، وأن لدى الادارة الامريكية الفرصة الآن للبناء على الانفتاح الوليد مع السودان بطريقة تخدم المصالح الامريكية . ونصحت الدراسة بتعيين سفير امريكي بالسودان ( لكن على امريكا ان توضح للسودان ان تعيين سفير لا يعني القبول بسياساتها ، لكنه لتسهيل حوار ثنائي مستمر ونشط لصالح أمريكا ) .

خلاصات الدراسة تدور حول المكاسب التي ستحققها أمريكا من هذه العلاقة ، وتظهر قضايا السلام المستدام في السودان وحقوق الإنسان كأدوات لترفيع الحالة السودانية كحكومة تليق بالمعايير الأمريكية.

السودان لدى الإدارة الأمريكية بمثابة ( سرت) في نظر بوريس جونسون ، منطقة استراتيجية للاستثمارات ، فقط على الحكومة تنظيف الشوارع من الجثث.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

إضاءات حول مشروع قانون الانتخابات لعام ٢٠١٨م 2018-06-17 22:28:54 محمد الطيب عابدين المحامي ( ١ ) مقدمة أُعِدْ مشروع قانون الإنتخابات لسنة ٢٠١٨م ( *الجديد* ) من قِبل وزارة العدل و أقيمت حوله ورش على عجل ثم دُفِع به إلى مجلس الوزراء في جلسة كان جندها الرئيس و الوحيد هو هذا القانون في (...)

الرقم الوطني لمرتضى الغالي 2018-06-15 02:50:18 مصطفى عبد العزيز البطل أعرف الصحافي المخضرم مرتضى الغالي وأحسبه في زمرة أصدقائي برغم تطاول عهدي به. كنت أقرأ كتاباته في صحيفة (الأيام) وانا طالب في السنة الأولى من المرحلة الجامعية، وتابعت مسيرته الصحافية عبر العقود (...)

تعذيب المناهضة 2018-06-11 20:34:14 كتبت : سلمى التجاني (1) يوم الاثنين قبل الماضي، أعلنت وزيرة الدولة بوزارة العدل نعمات الحويرص، أمام لجنة التشريع والعدل وحقوق الإنسان بالبرلمان، أن وزارتها رفعت توصية لمجلس الوزراء للمصادقة على اتفاقية مناهضة التعذيب. (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

حركة / جيش تحرير السودان بيان مهم حول الأوضاع الراهنة في البلاد 2018-05-25 21:04:35 إلى جماهير الشعب السوداني الوفية لا يخفى على أحد أن نظام الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومنذ أول يوم إستهل فيه عهده البغيض، كان يستهدف الصدام مع الشعب السوداني، فبدأ بوأد النظام الديمقراطي ثم إعدام الشهيد علي فضل مروراً (...)

ذكرى شهداء الكرامة 2018-05-21 23:22:45 الحرية - العدل - السلام - الديمقراطية حركة / جيش تحرير السودان - المجلس الإنتقالي جماهير شعبنا الكريم في مثل هذا اليوم، و كما درجة العادة، فإننا نحظى بدقيقة من الصمت لتعانق أرواحنا أرواح رفاقنا الذين بسببهم لا نزال على (...)

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.