الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 4 شباط (فبراير) 2019

الإنحياز والإنزلاق

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

هبت نسمات النصر وبانت ملامحه الأولى:

‏ سرت روح الثورة تماماً في كل الشرايين: ‏شريان الشعب بمختلف أجياله ، والمرأة في المقدمة، فنانين، إعلاميين ورياضيين، الأطفال (يتأتئون ‏ليتعلموا الكلام فينطقون اول ما ينطقون ‏بأهازيج الثورة: تثقت بث - الطلكة ما بتكتل - وعايز امشي المزاهرة....)..

وفي شرايين الوطن ، عمت المدن بأحيائها والأقاليم بقراها وأريافها ؛ جغرافية الوطن كلها تنبض بالثورة ومطالب التغيير والحرية والكرامة..

ومن علاماته (النصر) ، هذا الإبداع المائز في ابتكار الشعارات والهتافات التي يتردد صداها حول العالم، حناجر السودانيات والسودانيين في مختلف مدن الدنيا ترددها خلف الثوار في الداخل، نشرات التلفزيون في الشرق والغرب، كبريات الصحف، وفي ألسنة البشر: تسقط بس، حرية سلام وعدالة، كل البلد دارفور، والتي رفعت مناسيب الوحدة الوطنية الي أعلى درجاتها..

ومن علاماته أيضاً، هذه التراجعات التي يتقدم بها أركان النظام يوماً بعد يوم: يتحدثون عن أهمية الحوار مع الشباب والاهتمام بقضاياهم، وتوفير الوظائف للخريجين، وفي تهافت لاهث عن السماح بتدخين الشيشة في المقاهي وفتح شارع النيل للشباب وستات الشاي.... الى آخر التنازلات الراجفة لتعليب أهداف الثورة في حدود تافهة..

وهذه الشراسة العمياء التي تمارسها القوي الأمنية ضد المتظاهرين واعتماد النظام التام عليها تقف دليلاً شامخاً علي ذعر النظام وعلي قوة الثورة وأضوائها الباهرة...

لن يعود الثوار الي منازلهم قبل النصر الناجز المكتمل، انها مواجهة طويلة الأمد، صاحب النفس الأطول والهدف الأسمي فيها هو المنتصر، والثورة حتي الآن تمثل كل ذلك..

‏بقي أن الثورة ، ولكي تحرز الهدف الحاسم ، ترنو الى القوات المسلحة ‏أن تنحاز لصفها، أن تمتثل ضمير الشعب، أن تتعمم بالتوق الذي يلهبه لحياة العزة والكرامة.. ولكن ؛ من نقصد بالقوات المسلحة التي تنتظر الثورة انحيازها ؟؟ هل نقصد قياداتها العليا أيضاً ؟ تلك التي احتلت مواقعها بحكم الانتماء والتمكين ؟.. باستعراض موجز لتجاربنا المعاصرة مع الانقلابات العسكرية فالانتفاضات الشعبية في وجهها وانحياز القوات المسلحة لها، نجد ان الانقلاب الأول (عبود: ١٩٥٨-١٩٦٤) كان انقلاباً لقيادة الجيش ومنها تشكلت الحكومة في المركز والأقاليم، وبالتالي جاء الإنحياز لثورة الشعب في ٢١ اكتوبر ١٩٦٤ بقيادة الرتب الوسيطة والدنيا من خلال تنظيم (الضباط الأحرار).. كذلك قادت الرتب الوسيطة والدنيا بجنودهم انحياز القوات المسلحة للشعب في انتفاضة ابريل ١٩٨٥ ضد نظام نميري (١٩٦٩-١٩٨٥) الا أن القيادة العليا (سوار الذهب، تاج الدين..) اختطفت ثمرة ذلك الإنحياز في اللحظة الاخيرة لمصلحة الحركة الاسلامية.. ولذلك، فإننا عندما نتطلع لانحياز القوات المسلحة لثورة الشعب المشتعلة الآن فإننا لا نقصد قيادتها في هيئة الأركان ورئيسها وإلا فإن الثورة ستكون قد انحرفت وتمت سرقتها ونكون بالفعل قد (انزلقنا الي المجهول) او كما قال (سيادته)، بل نحن نقصد القوات المسلحة في قياداتها الوسيطة والدنيا وجنودها لأنها هي الأقرب لنبض الشارع وتشارك الشعب همومه الحياتية والوطنية وتشاطره الأحزان في محن الوطن.. القيادات العليا للجيش - مثل القيادات العليا في بقية مؤسسات الدولة - مشغولة بالجمعيات والمزارع ومنتجاتها، وفي رعاية مصالحها وامتيازاتها المتشابكة مع السلطة الحاكمة، ولذلك فإن الإنحياز للشعب عندها يعني: (الإنزلاق الي المجهول)..


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

على المجلس العسكري ان يكون اداة في يد الحركة الجماهيرية لا اداة في يد الحركة الاسلامية 2019-04-22 20:45:05 ياسر عرمان جماهير الشعب السوداني هي مصدر الشرعية، ولولا التضحيات التي قدمها الشعب السوداني طوال الثلاثين عاما والتي وصلت الي حدة الابادة الجماعية وجرائم الحرب ولولا شجاعة النساء و الشباب ونهر الشهداء والجرحى لما وصلنا الي (...)

الأزمة السودانية: أبعد من مجرد "إنقاذ" 2019-04-22 20:43:25 فاروق جبريل لا تتناطح عنزتان على حاجة البلاد الماسة للتغيير، ولكن تكمن الأزمة في تعريف هذا المصطلح النسبي. فبالتأكيد للمجلس العسكري و تجمع المهنيين وحاملي السلاح تصورات مختلفة, ربما كليا, عن التغيير المنشود. عموما، يمكن (...)

حول جدل المجلس العسكري: كتابة للحق وللوطن وللتاريخ 2019-04-22 09:41:29 بقلم : د. أمجد فريد الطيب ماذا فعل المجلس العسكري منذ اعتصام ٦ ابريل الباسل أمام مباني القيادة العامة. هل انحاز لمطالب الجماهير ؟ نعم انحاز لمطالب الجماهير وانقلب مرتين تحت ضغط الشعب الثائر على البشير وعلى نائبه ابن (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.