الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 31 كانون الأول (ديسمبر) 2018

الانتفاضة ، البديل والأحزاب

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

‏عبارتان ترددتا كثيراً ، بدوافع مختلفة ، منها المشفق ومنها الماكر الخبيث وكذلك منها ‏الببغائي ؛ تقولان :

- وين الأحزاب ، الأحزاب ضعيفة ..

- البديل شنو ، البديل منو ؟ (وهذا التساؤل بالتحديد تردده أيضاً بعض الأنظمة والدول) ..

- الأحزاب ‏انعكاس لحال المجتمع ، تعبر عنه ، و تأتي استجابةً لأسئلته وصياغةً لتطلعاته ، ‏وبالتالي تقوى وتضعف بقوة و ضعف المجتمع المعين .. والعنصر ‏الأهم في قياس قوة المجتمع هو مستوى التعليم والوعي العام ، فإذا كان هذا العنصر جيداً في مجتمع معين فإن الأحزاب السياسية فيه تكون قوية ‏ومؤثرة ووجودها ملموس .. ‏هذا في تقديري هو الحكم العام على الأمر .. ‏اما تجربة السودان في ظل (الإنقاذ) فهي تجربة شاذة ‏لها قوانينها الخاصة..

كانت الجبهة الإسلامية من الأحزاب العقائدية وضمن ‏المنظومة التي عرفت بالقوي الحديثة ، وبالتالي كانت تعرف من أين تنبع الانتفاضة والإضرابات ، فاتجهت في صبيحة استلامها للسلطة بانقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩ ‏اتجهت الى منابع الانتفاضة ؛ إلى النقابات والاتحادات المهنية والعمالية وعملت على حلها وحظرها وصناعة بدائل لها من مؤيديها ، ثم ‏أعدت قوائم الفصل من الخدمة العامة وتنفيذها في حق الآلاف من العاملين في القطاعين المدني و النظامي/ العسكري .. وفي نفس الوقت إلى ساحة ‏التعليم فأجرت تعديلات جذرية في السلم والمناهج بما يتوافق مع منهجها (الإسلامي) و خطتها في القعود بوعي الاجيال الجديدة في عهدها ، فكان ‏التدمير المقصود والمدروس للوعي العام الذي توجوه بـ (ثورة التعليم العالي) لتمتلئ البلاد بجامعات خاوية ..

المهم ان منهج (الإنقاذ) ‏كان ترياقاً مناهضاً للوعي والمعرفة في عقول الجيل الذي يسود الساحة الشبابية في سودان اليوم .. ولكن ، ولحسن الحظ ، أن عهد الإنقاذ ، ولسوء حظ الاسلامويين ، ‏جاء في زمان الثورة العظمي ، ثورة المعلومات والاتصالات بما حملته من رياح المعرفة العاصفة والتنوير والتواصل ليسود العالم مفهوم وحيد ‏عنوانه : سيادة الديمقراطية وحقوق الإنسان ، فرأينا شباب السودان في مختلف البقاع ولمختلف الأسباب يتقدم في سوح المواجهة بوعي وشجاعة ، ‏وبهم تنتعش الأحزاب والتنظيمات المدنية المختلفة لتتقدم بعزم نحو تحقيق التحول الديمقراطي في البلاد ..

- ‏أما حديث (البديل شنو) فإن إزاحته عن الطريق ‏يكون بتحديد صفة النظام .. النظام دكتاتوري إذن البديل هو نقيضه : البديل الديمقراطي ، وهو الفصل بين السلطات ، هو استقلال ‏القضاء وسيادة حكم القانون ، هو صيانة حقوق الإنسان ، والبديل هو التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع .. أي أنه ليس شخصاً واحداً ولا أفرادا محددين ..

‏وبانفجار انتفاضة ديسمبر ٢٠١٨ ، ‏تختفي العبارتان اللئيمتان ‏وينهض تنظيم مدني مارد باسم (تجمع المهنيين) ، ومنابر المعارضة الحزبية (نداء السودان والإجماع الوطني) ‏تقترب من بعضها وتوحد مركزاً للانتفاضة مع تجمع المهنيين ، وتمضي المسيرة ..

‏ولكي تتقدم أكثر و تنتصر ، من المهم أن نشعر ونؤمن بأن هذه هي المعركة النهائية ، لا تراجع بل تقدم مستمر ، الانتصار لن يكون بموكب واحد او موكبين فقط ، ‏فالنظام يتكون من مجموعة متشابكة من المصالح والمليشيات ، إصرارنا وثباتنا يزيد الخلافات و الانشقاقات بينهم ، تمتين الوحدة بيننا وتجويد التنسيق ، ‏التوازن وعدم الإندفاع لا في الشعارات ولا في المطالب ، الحرص الشديد على استقلالية (تجمع المهنيين) فهي من علامات نجاحها وجاذبيتها الجماهيرية ، ثم ‏أن نتخلص من بعض شوائب تجاربنا السابقة ، ومن أهمها :

- ‏إلغاء ما كنا نسميه تمثيل (الشخصيات الوطنية) ، فهي صيغة لا مقاييس لها وينتج عنها استهبال سياسي وبمراجعة التجارب السابقة ، حتى في صيغ تحالفات المعارضة ، ‏نجد أنها كانت مطية حزبية .. ‏حتى إذا اضطررنا لحكومة تكنوقراط ان يكون مفهومنا للتكنوقراطي انه مهني متخصص في مجاله ولكنه حزبي يرشحه حزبه لحكومة التكنوقراط ، لان المساءلة في الاداء تكون لاحزاب وكيانات وليس لافراد ..

- ‏ إلغاء تمثيل القوات النظامية في الحكومة الانتقالية وغير الانتقالية ، فلكي نؤسس لديمقراطية مستدامة يجب أن نحافظ على استقلالية ومهنية القوات النظامية ، كل قوة منها تؤدي واجباتها المحددة في مجالها المحدد ، اما العمل السياسي فهو عمل مدني وخدمي في كافة المجالات للوطن ولكل المواطنين ..

- ‏هنالك مجموعات تصيغ بيانات تأييد للانتفاضة وتقدم نصائح ثم تذيلها بتوقيعاتها ، ومهما حسنت نوايا البعض التي نثق فيها ، ولكنها تمثل نوعاً من انواع اللهث وراء سلطة قادمة ، فمن الأفضل ان يتقدم المثقفون ، المفكرون ، والخبراء بآرائهم ووصاياهم مباشرةً للأحزاب والناشطين.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

حروب "الكيزان" ضد شعب السودان 2019-01-19 21:55:46 بقلم : د. عائشة البصري لكل حراك أو انتفاضة أو ثورة مُحركها. فإن كان رفع سعر الخبز وغلاء المعيشة قد أشعلا حقا فتيل الانتفاضة في السودان، فإن ما أبقى الشعلة حية هو إجماع جل الشعب على أنه حان وقت رحيل الجنرال عمر البشير (...)

أين القناع ؟! 2019-01-18 20:28:00 بقلم : سلمى التجاني ننهزم عندما يحدد لنا العدو ساحة المعركة ، هو يعلم أن ميدانه العنف، يجيده ويعلم أدواته وظل يمارسه لثلاثة عقود. بسلميتنا سبقنا النظام بخطواتٍ كبيرة، وعندما يستخدم القوة المفرطة يعني أنه فقد السيطرة (...)

طريق الإغتسال والغفران 2019-01-18 18:30:22 بقلم : محمد عتيق حكمت البلاد عقوداً من السنين ، ساد الدين ‏خلالها شعاراً ونشيدا ، أزياءً ومظاهر .. تحولت المؤسسات الحكومية إلى شركات خاصة وقطع غيار للأعوان والمنسوبين ، والدولة كلها مالاً سائباً ‏يرتع فيه الأقارب وأركان (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.