الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 22 نيسان (أبريل) 2019

البرهان بين الانحياز والانقلاب

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

القوات المسلحة هي النصف الآخر للدولة والمجتمع الذي يتكون من قسميه المدني والعسكري ، ولكل واجباته ؛ المدني يعمل وينتج ، يمارس العمل السياسي والاقتصادي ، يسدد الضرائب المباشرة وغير المباشرة للإنفاق علي خطط الدولة ونشاطاتها في الموازنة العامة ومن بينها بنود الصرف علي القوات المسلحة لكي تقوم بواجباتها المحددة دستورياً في المحافظة علي سلامة الدولة وحماية حدودها البرية والبحرية والجوية من أي إعتداء خارجي ومساعدة الأهالي في ظروف الكوارث الطبيعية وحمايتهم في كل الأحوال :
- من هنا يأتي التأكيد علي أن وجود القوات المسلحة في مقاعد الحكم هو الوضع الشاذ وغير الطبيعي ..

ومن هنا كان إختيار الشباب الثائر لأبواب القيادة العامة وأسوارها مكاناً للاعتصام ..
فإذا انحازت القوات المسلحة للشعب الثائر ضد الطاغية فإنها تقوم بواجب من واجباتها الهامة ، ونقدر ظروف الانضباط والقوانين الصارمة التي تحكم حياة القوات المسلحة إضافةً الي سياسات التمكين والتمييز التي مارستها السلطة الاسلاموية والتي عملت جميعها علي تعطيل انحياز القوات المسلحة طويلاً ..

والانحياز هنا يكون علي خطوتين ، الأولي هي عزل الرئيس وانتزاع السلطة منه ، وهي الخطوة التي تحققت في الحادي عشر من ابريل ٢٠١٩ ، أما الخطوة الثانية فهي تسليم السلطة لقيادة الانتفاضة ، وهي هنا "قوي الحرية والتغيير" ، وبدون هذه الخطوة يكون الذي جري هو انقلاب عسكري سواء لمصلحة من قادوه وآلت اليهم السلطة السياسية أو لإعادة إنتاج النظام البائد بوجوه ورموز جديدة.

استمرار قيادة القوات النظامية في الحكم تحت اسم "المجلس العسكري الانتقالي" يعني أن إنقلاباً عسكرياً يحكم البلاد ، يعني سرقةً واضحةً لتضحيات شعب السودان وطلائعه الشابة .. ومهما قيل انه لفترة انتقالية قصيرة فهو انقلاب عسكري وليس انحيازاً ، فالانحياز للشعب وحمايته أتي ويأتي اصلاً من الجنود والرتب الوسيطة فيقع ضغطهم علي الرتب العليا التي تجد نفسها مضطرةً لإزاحة الطاغية واستلام السلطة ، هذا ما حدث في انتفاضة ابريل ١٩٨٥ وما يجري الآن في ابريل ٢٠١٩ .. استلام الرتب العليا للسلطة فيه حماية لأنفسهم لأنهم - وفي ظل نظام كنظام البشير البائد - أتوا إلي مواقعهم هذه بحكم ارتباطات وثيقة بالنظام اما عقائدياً بالانتماء للتنظيم الاسلاموي أو بشبكة المصالح والمفاسد المنسوجة حوله.

الشباب الجبار المعتصم بأبواب القيادة العامة هم أبناء الأعوام الثلاثين الماضية ، فإذا كان آباؤهم وإخوتهم الكبار قد واجهوا عهد "الإنقاذ" منذ مهده ، فصلاً وتشريداً ، سجناً وتعذيباً ولهيب منافي ، فإنهم جاءوا معجونةً أعوادهم ، متوقدةً قرائحهم ومفتوحةً عيونهم علي الوطن وعلي العصر ، وكان مجيئهم إعصاراً منضبطاً يتأبط برنامج وطنهم للفترة الانتقالية بتفاصيلها وليقودوها بأنفسهم ، فإذا منحوا فرداً أو فردين من القوات النظامية مواقع أمنية في المجلس الرئاسي الانتقالي فإنه من باب إحسان النوايا وتكامل الأدوار والاختصاصات فليقبلوها وليتعاونوا معهم بصدق وإخلاص ..

لا لاستمرار "مجلس عسكري" في قيادة الفترة الانتقالية ولو لشهر واحد فلا حق له في ذلك من كافة الجوانب ، وهو خطر ماحق علي الثورة وأهدافها ، ولا يغرنهم التأييد الذي يجدونه من بعض دول الجوار والمحيط الإقليمي ، فالأنظمة العسكرية والوراثية دائماً ترحب بحكم الجنرالات ، انهم يتهيبون الديمقراطية في بلادنا فلها عدوي تسري في الشعوب .. هذا مع التأكيد الجازم علي ان السودان "الجديد" سيكون بعيداً عن المحاور ، يبني علاقاته علي قواعد الاحترام والمصالح المتبادلة.

فلتمض "قوي الحرية والتغيير" بثورة الشعب إلي الأمام ؛ تعلن مجلساً رئاسياً انتقالياً من بين صفوفه بوجود رمزي للقوات النظامية ، ثم تعلن برلماناً انتقالياً مناسباً وحكومة انتقالية كذلك .. وليكن مجلس الوزراء - كما قال الكثيرون - مجلساً رشيقاً من كفاءات وطنية ، ونقترح لكل وزير أن يشكل مجلساً استشارياً له في مجاله من علماء السودان وموهوبيه المنتشرين داخل القطر وفي المنافي والمغتربات المختلفة ، مجالس استشارية تجتمع وتتشاور مع الوزير عبر الوسائط الحديثة ، تقدم له الرأي والدعم ، مجالس لا تكلف الدولة شيئاً ، فقد انتهي عهد "الحوافز" الملوثة وأظلنا عهد العطاء المتجرد للوطن حباً وسداد دين بل ديون ..


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

يوميات الثورة المضادة: ما برضى شيتا يقلبو! 2019-06-17 13:31:28 مجدي الجزولي شعت التلفزيونات ووسائل التواصل الاجتماعي يوم الأحد ١٦ يونيو بصور عمر البشير في أحسن هندامه يحيط به الجند في رفقة آمنة من سجن كوبر إلى نيابة مكافحة الفساد في العمارات حيث وجهت له النيابة تهما بموجب مواد (...)

مضى كشهاب.. إلى الأبد 2019-06-16 09:14:24 مجدي الجزولي كتب شينوا أشيبي في نعيه الطويل لمقاتلى الحرية في حرب بيافرا "كانت هنالك بلاد" عن مقتل صديقه الشهيد كريستوفر أوكيغبو عبارة عن الموت تلهب الضمير بجزالتها. قال شينوا أشيبي عن كريستوفر الذي فاز منه بنظرة أخيرة، (...)

العودة الي الخرطوم قضايا الثورة والثورة المضادة 2019-06-15 05:28:27 ياسر عرمان الفترة التي امضيتها وزملائي في الخرطوم، فترة عاصفة وربما هي الأدق في تأريخ الثورة والدولة السودانية منذ عام ١٩٥٦م، والسودان لن يكون هو السودان فقد تغيرت الوقائع بشكل استثنائي. وصلت في ٢٦ مايو وابعدنا في ١٠ (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.