الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 16 أيلول (سبتمبر) 2018

الجنائية الدولية: هذا زمانك يا جون بولتون

separation
increase
decrease
separation
separation

مصطفى عبد العزيز البطل
mustrafabatal@msn.com

في ذات هذه الزاوية وقبل أشهر قلائل كتبت مقالاً بعنوان: (خطوط الجنائية الدولية: حمراء في أمريكا وخضراء في السودان)، أشرت فيه إلى قرار الحكومة الأمريكية، الذي عبَّر عنه بيان صادر عن وزارة خارجيتها، بمقاطعة اجتماع مجلس الأمن الدولي المخصص للتداول حول دور الجنائية الدولية. ثم التصريح الآخر الصادر عن مسئول بالبيت الأبيض وفحواه بأن حكومة الرئيس ترامب تقوم حالياً بإخضاع موقفها وعلاقتها بالمحكمة الجنائية للمراجعة.

المسئول الذي أدلى بالتصريح المتقدم لم يُخفِ حقيقة أن واشنطن غاضبة من تجروء بعض موظفي المحكمة الجنائية على مجرد إثارة بعض الأسئلة حول تجاوزات حقوق الإنسان في أفغانستان وفلسطين المحتلة، وتورُّط الجيش الأمريكي في غارات وعمليات عسكرية راح ضحية لها أعداد كبيرة من المدنيين الأبرياء!

وقَعَت المحكمة الجنائية الدولية في شر أعمالها، إذ أن سدنتها فيما يبدو لم يسمعوا ببيت عمر بن الوردي (جانِب السلطان واحذر بأسه / لا تعاند من إذا قال فعل). ولأن الولايات المتحدة كما هو في علم الكافة تؤمن بالمثل الخالد (لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد)، فقد خرج مستشار الرئيس ترامب لشئون الأمن القومي المستر جون بولتون الأسبوع الماضي بسلسلة تصريحات أذهلت العالم في شأن تلك المحكمة.

قال جون بولتون بعد أن لبس لامّة الحرب وامتشق سيفه، واستعد لمبارزة المحكمة الجنائية، في أول خطاب له منذ تعيينه مستشاراً للأمن القومي، وذلك أمام الجمعية الاتحادية، وهي جماعة محافظة في واشنطن، إن الولايات المتحدة لا تعترف بتلك المحكمة المنبوذة. وتلك مجرد شتيمة عادية لا بأس بها، ولكن تأمل - أعزك الله - هذه الجزئية في خطاب الحبيب بولتون: (ستستخدم الولايات المتحدة أي وسيلة ضرورية لحماية مواطنينا ومواطني حلفائنا من المقاضاة الجائرة من جانب هذه المحكمة غير الشرعية). يا ألطاف الله! أخيراً اكتشفت الولايات المتحدة أن المحكمة الجنائية (منبوذة) و(جائرة) و(غير شرعية)!

ثم وفي كلمات بيّنات وبلغة إنجليزية رصينة مضى مستشار الأمن القومي الأمريكي ليقول: (إن الولايات المتحدة سترد بقوة على الجنائية الدولية في حال فكرت هذه المحكمة في فتح تحقيق حول أية تجاوزات يمكن أن يكون أفراد من القوات المسلحة الأمريكية قد ارتكبوها. وإذا فتح مثل هذا التحقيق فإن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات على قضاة المحكمة وستلاحقهم أمام نظام المحاكم الأمريكي). هكذا قولاً واحداً، وفي حكمة السوادنة "الواضح ما فاضح". وفي تعبير لافت للنظر جاءت في الخطبة البولتونية البتراء الجملة التالية: (سنترك المحكمة الجنائية تموت من تلقاء نفسها)!

بصرف النظر عما جاء في ملحمة جون بولتون، فإنه في علم الكل أن الولايات المتحدة لم تكن لديها أصلاً أية علاقات بالمحكمة الجنائية الدولية، ولم توقع ابتداءً على البروتوكول والاتفاقية المُنشِئة لتلك المحكمة. الموقف الأمريكي منذ البداية كان واضحاً وهو ينطلق من مبدأ السيادة كما تراه واشنطن وجوهره أن الولايات المتحدة لا تسمح لأي جهة غير أمريكية بإخضاع أي مواطن أمريكي لأي نوع من التحقيق أو المحاكمة أو المحاسبة، ويتعلق الأمر أساساً بالعمليات العسكرية.

الولايات المتحدة يمكن لها أن تهبط بخيلها ورجلها في أي مكان في العالم وتتسبب في قتل مليوني إنسان، كما هو الحال في العراق، ونصف مليون إنسان كما هو الحال في أفغانستان، غير أن المتسببين في مثل هذه المقاتل الجماعية يتمتعون بحصانة كاملة!

وراء الكواليس في المحافل الدولية لم يكن هناك من يجهل حقيقة الكراهية المطلقة التي تكنها الولايات المتحدة للمحكمة الجنائية. قبل سنوات وفي جلسات مغلقة للكونغرس الأمريكي تُبُودِلت خطب قال فيها ممثلو الشعب الأمريكي ما لم يقله مالك في الخمر عن تلك المحكمة، وتبارى هؤلاء في إظهار الازدراء لها بغير تحفظ. وفي ذلك السياق أجاز الكونغرس القانون الشهير الذي عرف باسم Servicemen Protection Act وترجمته الحرفية (قانون حماية أفراد الجيش الأمريكي). ولك أن تصدق أو لا تصدق، يا رعاك الله، أن هذا القانون يخوِّل لرئيس الولايات المتحدة صلاحيات استخدام القوة، بما في ذلك شن الحرب، لتحرير أي جندي أو مواطن أمريكي ومنع مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية. ويعرف هذا القانون في مصطلحات الصحافة والإعلام الأمريكي باسم (قانون غزو لاهاي)!

من حق الولايات المتحدة أن تتخذ من المواقف والإجراءات ما يحفظ ويصون سيادتها، فالأمر كله وفقاً لمنطقها المعلن يستند إلى مفهوم السيادة كما سبقت الإشارة. وفي عالم اليوم، عالم المعايير المزدوجة، فإن السيادة خشم بيوت!


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

"احزاب الأمة" بين مطرقة التسريح، وسندان التقليص 2018-09-19 17:31:47 هل أطلق عليها الإسلاميون رصاص الرحمة؟ "احزاب الأمة" بين مطرقة التسريح، وسندان التقليص كتب: الجميل الفاضل • أنحسرت ظلال شجرة "الإنقاذ" بشكل متدرج عن معظم الأحزاب التي إنشقّ فرعها الرئيس "الإصلاح و التجديد" عن حزبها الأم (...)

هل سقط النِّظام ؟ 2018-09-16 23:05:12 كتبت : سلمى التجاني الهزَّة التي أصابت النِّظام طيلة أيام التشكيل الوزاري في الأيام الفائتة، أَظهَرت وعكست صورة حقيقية لما آل إليه من تآكل داخليّ، وفقدان ثقة بين قادته، وهشاشة حلفائه. فمشروع أسلمة الدولة والمجتمع الذي (...)

سؤال الشباب .. ( ٧ ) 2018-09-16 23:02:20 كتب : محمد عنيق للتدليل علي ما ذكرناه بان وسائلنا ومناهجنا في العمل العام كانت خاطئة نكتفي هنا بواحدة من المنظمات التي قامت في الخارج ( المنظمة السودانية لمناهضة التعذيب ) ، وذلك بإيراد مختصر لما كتبته في فترة سابقة عن (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.