الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الجمعة 19 شباط (فبراير) 2016

الجنرال ومغامرات قصر غردون!

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : احمد عبد الشافع توبا
bassey88@gmail.com

عندما تتكرر أحداث التاريخ السياسي الاستعلائي في بلادي باستمرار وعلي نحو متعمد فهو بلا شك بمثابة اجترار الحنظل لمعظم شعوب السودان التي ظلت تدفع فواتير إخفاقات المركز ونخبه السياسية ومنظوماته المتعددة بشقيها العسكري والمدني والتي تفننت في ابتكار الوسائل لقهره طوال ستون عاماً ويزيد ... الا أن هذه الأحداث هذه المرة ستكون نعمة مستترة أكثر من كونها نقمة لأنها برهنت في الأساس بطلان دعاوي القومية و بهتان المشاعر الوطنية المصطنعة وروابط الدين التي لم تبرئ دم سخلة (بفتح السين الذَّكر والأنثى من ولد الضأن والمعز ساعة يولد) وثقة الحر وتواضع أهل الهامش السوداني التاريخي بان المركز حريص عليهم وعلي بلادهم و مصالحهم وأنهم شركاء متساوين في الحقوق والواجبات وإن كل ما يقوم به المركز هو تعبير عن إرادة شعوبه علي أساس من الوطنية وخلق دينهم الحنيف!

فعلي سبيل المثال لا الحصر هذا الحوار المزعوم الذي تعقد فعالياته بقاعة الصداقة في الخرطوم حالياً في الواقع هو تعبير واضح عن عنجهية المركز الذي لا يبالي في المضي بكلياته نحو سياسة تعزيز مفارقات التراتبية السياسية والاقتصادية (اي المركز والهامش) بين شعوب واقاليم السودان التي عمقت الهوة وهي في الأساس سبب هذه الحروب المستمرة في بلادنا والتي كانت نتيجتها المباشرة هي قتل الملايين وتشريد الآلاف وتدمير مقدرات بلادنا وطمس تاريخنا المشترك وفقدان جزء عزيز من تراب هذا الوطن وتشويه لصورة السودان اقليميا ودولياً!

ففي هذا الواقع الحوار هو مجرد إعادة لسياسات الخداع الآفلة علي المشهد السوداني في سيناريوهات برع فيها المركز من قبل، لمواصلة التضليل المتعمد لجماهير شعوب السودان بغرض نسف أجندة قوي المعارضة الوطنية وخلق تحالفات سياسية جديدة لمواصلة مده بعد أن تكسرت أوهامهم و انكشف زيف مشروعهم الحضاري المزعوم تحت اضواء منطق اتفاقية السلام الشامل الذي أعاد صياغة الكثير من التعريفات للواقع السوداني التاريخي منه والمعاصر وكذلك تنامي الوعي الجماهيري المتزمجر في طول وعرض البلاد!

فلا غرابة ولا تضجر من اصرار المؤتمر الوطني وبلسان رئيسه الجنرال البشير في رفض مقتضيات الحوار الشامل والشفاف وبرعاية دولية كما جاء في ورقة المعارضة لضمان مخاطبة أزمات البلاد المزمنة ، يعيد في الذاكرة مؤامرة ١٩٥٢ أواخر أيام الحكم الانجليزي المصري علي السودان أي المؤتمر الذي عقد في القاهرة برعاية الحكومة المصرية لمناقشة مستقبل وحدة السودان آنذاك، ومع سبق الإصرار والترصد لملم مافيا المركز وقتها باسم تنظيماتهم الهلامية وبنفس ذهنية الإنقاذ هذه فتسللوا لواذاً الي مصر و من دون مشاركة ممثلي قوي الهامش السوداني فأهدرت الفرصة التاريخية لوضع لبنة دولة علي أسس تعبر عن ارادة اأهلها! فكانت نتيجة ذلك العمي والتجني السياسي بحق السودانين هو هذا الواقع السوداني المرير المعايش!

فها هو اليوم، وبعد مضي ستين عاماً نفس المركز وبعض منظوماته والمدافعين عنه زوراً يقدمون مشروع حوار "المركز مع المركز" في سياق متصل بتلكم المؤامرات التاريخية التي أسس قواعد التحيز المؤسسي الصريح في الدولة السودانية علي أساس الدين والعرق والجهة لخدمة مافيا ظلت تقوم بتقسيم الأدوار للانقضاض على السلطة والاستحواذ على الموارد والأرض بدواعي شرعية السيادة والحلول الوطنية المشروخة.

فحينما تتزرع قيادة المؤتمر الوطني بالحوار في الخرطوم وبرعاية سودانية صرفة دون وجود أطراف دولية لتسهيل ومراقبة الحوار فهو محض افتراء ونفاق في تقديري مُرده الي أمر واحد لا ثاني له: محاولة مستميتة من النظام لبنا طوق دفاعي حول ذاته أي المركز ومزاعمه حتى لا تنكشف وتتعري ممارساته والادلة المادية الناتجة عن التواطؤ والمقاربات التاريخية بين المنظومات المكونة لها تحت اضواء الحوار الحر والشفاف الذي يضمن المشاركة المتساوية وتحقق تطلعات ورغبات شعوب السودان التي ظلت مصادرة لعدة عقود.

ولكن يقيني هو أن هذه ما هي إلا محاولات يائسة لا تشتري بها أسطوانة غاز طحي، في الواقع قصد بها الهروب الي الامام كي يتخطي بها الأسئلة الشرعية التي ظل يطرحها شعوب الهامش ومنظماته حول حقوقهم، أوضاعهم ومصائرهم السياسية والاقتصادية والثقافية، وفيما إذا كان السودان اليوم وطن لكل القوميات أم مجرد ادعاء من قبيل السذاجة التي لا تنطلي علي إي ذي بصر وبصيرة. والا كيف يفسر تراجع الجنرال البشير من الإيفاء باستحقاقات السلام الشامل للمنطقتين التي جاءت بموجب CPA Comprehensive Peace Agreement وإعلانه الحرب مجدداً علي الحركة الشعبية لتحرير السودان في نوفمبر من العام ٢٠١١ ليعود بالمنطقتين الي أتون الحرب مجددا بعد ستة سنوات من اجواء السلام وطموحات الاستقرار والنماء لشعبي جنوب كردفان والنيل الأزرق. وذلك في مؤامرة جديدة فحشدت مليشيات الدعم السريع مستهدفة المدنيين العزل في قراهم وقتل اكثر من نصف مليون مواطن و وتشريد أكثر من مليونين لينتهي بهم الحال في معسكرات النزوح واللجوء البائسة تماماً كما فعلت من قبلها حكومة الصادق المهدي الغابرة والتي هي بدورها قامت بتكليف الجنرال بابو نمر رئيس هيئة أركان جيشه بتسليح بعض القبائل بعينها وإطلاق يدها لتقوم بقتل واسترقاق ونهب المواطنين في جنوب السودان وقتها بدعاوي حماية القطار التجاري المتجه الي مديرية واو غرب بحر الغزال ولم تكتفِ حكومته بذلك، فامتدت ممارساتها شمالا لترتكب اكبر محرقة في الضعين بمحطة القطار وأمام أنظار الشرطة والمناط بها حماية ارواح وممتلكات مواطنيها اي كانت انتماءاتهم الاثنية والدينية والثقافية كما أرخ لها الدكتور سليمان بلدو والدكتور عمر عشاري في كتابهما المشهور "مجزرة الضعين."

ما حدث بالجنينة وبعض قري غرب دارفور من انتهاكات جسيمة وما يدور حاليا في منطقة جبل مرة من قتل وترويع وانتهاكات بهذه البشاعة بحق المدنيين الذين احتموا بالكهوف من جراء غارات الطيران الحربي وقصفه المتواصل غير المبرر مهما كانت الدوافع فهو وبكل تأكيد يجي في سياق مواصلة لحرب المركز الشعواء ضد شعوب الهامش التي رفضت الذل والهوان وطمس هويتها وعاداتها وتقاليدها وثقافتها، بل اختارت خوض معركة حريتها و كرامتها وحقوقها وأرضها ضد عدوان المركز الجائر المغتصَب الساعي لخلق معادلة جديدة بالإقليم . فحينما تستهدف اجهزة الجنرال البشير الأمنية طلاب العلم من أبناء وبنات دارفور بالجامعات والمعاهد العليا بذات العنفوان والصرامة مثلما كانت بالأمس القريب تقوم باستهداف طلاب وطالبات جنوب السودان هي في الواقع تجسد طبيعة العلاقة التاريخية بين المركز البربري المتسلط وبقية شعوب السودان خلال الستة عقود الماضية الامر الذي يتطلب من قوي التغيير التواضع علي اتفاق مشروع حد ادني في هذه المرحلة الدقيقة من مراحل كفاحها من اجل التحرر لتكاتف وتنسيق الجهود علي كافة الجبهات المحلية والإقليمية لإنجاح مشروع خلاص الوطن من هذا المستعمر البغيض.

لقد أضحي جلياً نوايا ومخططات نظام الجنرال البشير وحلفائه في الداخل ومن وراء البحر؛النوايا التي ظلت تتمظهر في غاياتها الرامية لإفراغ السودان من بعض شعوبه وإعادة امجاد دولة يثرب العشائرية الغابرة على ارض السودان في عهد الاستنارة. كل ذلك يقودنا بالضرورة لمراجعة هذا النسق السياسي الاجتماعي وتقيمه بشكل جاد يفضي الي حلول مستدامة وعلى أسس جديدة تقينا شر هذه البلاوى المتعمدة المتلاحقة والي الأبد.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

إضاءات حول مشروع قانون الانتخابات لعام ٢٠١٨م 2018-06-17 22:28:54 محمد الطيب عابدين المحامي ( ١ ) مقدمة أُعِدْ مشروع قانون الإنتخابات لسنة ٢٠١٨م ( *الجديد* ) من قِبل وزارة العدل و أقيمت حوله ورش على عجل ثم دُفِع به إلى مجلس الوزراء في جلسة كان جندها الرئيس و الوحيد هو هذا القانون في (...)

الرقم الوطني لمرتضى الغالي 2018-06-15 02:50:18 مصطفى عبد العزيز البطل أعرف الصحافي المخضرم مرتضى الغالي وأحسبه في زمرة أصدقائي برغم تطاول عهدي به. كنت أقرأ كتاباته في صحيفة (الأيام) وانا طالب في السنة الأولى من المرحلة الجامعية، وتابعت مسيرته الصحافية عبر العقود (...)

تعذيب المناهضة 2018-06-11 20:34:14 كتبت : سلمى التجاني (1) يوم الاثنين قبل الماضي، أعلنت وزيرة الدولة بوزارة العدل نعمات الحويرص، أمام لجنة التشريع والعدل وحقوق الإنسان بالبرلمان، أن وزارتها رفعت توصية لمجلس الوزراء للمصادقة على اتفاقية مناهضة التعذيب. (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

حركة / جيش تحرير السودان بيان مهم حول الأوضاع الراهنة في البلاد 2018-05-25 21:04:35 إلى جماهير الشعب السوداني الوفية لا يخفى على أحد أن نظام الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومنذ أول يوم إستهل فيه عهده البغيض، كان يستهدف الصدام مع الشعب السوداني، فبدأ بوأد النظام الديمقراطي ثم إعدام الشهيد علي فضل مروراً (...)

ذكرى شهداء الكرامة 2018-05-21 23:22:45 الحرية - العدل - السلام - الديمقراطية حركة / جيش تحرير السودان - المجلس الإنتقالي جماهير شعبنا الكريم في مثل هذا اليوم، و كما درجة العادة، فإننا نحظى بدقيقة من الصمت لتعانق أرواحنا أرواح رفاقنا الذين بسببهم لا نزال على (...)

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.