الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 5 تشرين الأول (أكتوبر) 2019

الحياة معركة عظيمة

separation
increase
decrease
separation
separation

ياسر عرمان

حينما ولدت فى هذا اليوم الخامس من اكتوبر عام ١٩٦٢، أمى وابي تمنيا لى ان أعيش حياة مريحة وان اجوب الاراضي الباردة، كانت امى (فاطمة عالم حمد) امرأة عادية تماما مثل الماء والأرض ومن اديم الأرض جئنا.

حينما بلغت ١٦ عاما تمردت على امي واخترت طريقا لا يمر بالاراضى الباردة وانضممت للحزب الشيوعي السودانى، لم يكن قبولى الى صفوف الحزب ممكننا فى ذلك العمر بنصوص اللائحة ولكن (عبدالحميد على) (عبدالحميد الدنقلاوي) (عثمان جزيرة) المحترف الثورى العظيم وأحد اهم بناة الحركة التقدمية السودانية أعطى الضوء الأخضر لانضمامى لأسباب جديرة بالحكى فى مناسبة اخرى وسوف اتطرق لها فى مقالة انوى كتابتها بعنوان (الطيب الدابي الشجرة التى كانت وحيدة) وانتهى بي المطاف الى سجن كوبر مرتين، إحداهما لحوالي عام - مارس ١٩٨٤ - فبراير ١٩٨٥ وخرجت عشية الإنتفاضة، أصاب ذلك امي وأبي بخيبة امل واحباط مؤقت لأن (المناضل) فى ذمة أسرته مثلما السكران فى ذمة الواعي.

عندما بلغت (٢٤) عاما خالفت امي مرة اخرى وكان العام عاما من أعوام (موسم الهجرة الى الجنوب) ولحسن حظى لم يفوتنى ذلك الموسم.

كان جيلنا على موعد مع الدكتور جون قرنق دي مابيور وحبه الذى لا ينقضي، وذهبت الي أديس أبابا الموجود بها اليوم وانضممت الي الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان، كان ذلك خارج السياق والمألوف، وخارج حسابات امي وأبي وما هو يومي ومعتاد! وحينما اخبرت امي بنيتى وكنت أختار الكلمات المناسبة قدر المستطاع حتى لا ينكسر قلبها مرة اخرى ادركت امي بوضوح ما قلته وكانت تتابع اهتمامى اليومى باذاعة الحركة الشعبية لتحرير السودان، سقطت الدموع على خدود امى الجميلة ولا زلت أذكر ما قالته لي حينها (أحسن الشيوعيين بودوك السجن لكن الجنوبيين بكتلوك) فامي كانت تفاضل بين افضل خياراتي والتى هى فى كل الأحوال كارثية بالنسبة لها، كانت صورة الجنوبي فى ذهن امي التى رسمتها دوائر الدولة واعلامها تساوي كذبا وبهتانا بين الجنوبى والقتل ولا تفرق بينهما وذهب الجنوب وبقى القتل ولا يزال يسجل ضد مجهول!

لاحقا بعد سنوات عديدة حكيت ذلك للدكتور جون قرنق والذي تحدث مع امي تلفونيا فى إحدى المرات، تعرفت امي لاحقا على الجنوبيين بداخل السودان وخارجه وتبدلت صورة الجنوبى لديها بل حظيت بأحفاد يتحدثون إحدى اللغات الرئيسية في جنوب السودان. ان العلاقات الإنسانية قابلة للتغيير إلي الافضل بفعل مجهودات البشر أنفسهم هكذا يعلمنا التاريخ الإنسانى.

امي وأبي لم يتخليا عنى مطلقا طوال رحلتي فى الحياة العامة خلال ال(٤١) عاما الماضية، حبهما لى غير مشروط وغير مدفوع الثمن وان حزنت على شئ وواجب لم اؤديه فسيكون ذلك غيابى لمدة(٣٣) عاما منذ انضمامي للحركة الشعبية ونحن نمر معا فى رحلة لا يمكن استعادتها مرة اخرى ولكن خياراتنا كانت مثل جذبة الدرويش لا فكاك منها، وأشعر اليوم بالرضا عن تلك الخيارات.

لم نكف عن التمرد ولم يكف أهلنا عن حبنا ورغم ان العالم ملئ بالوجبات السريعة والبورصات وبطاقات الائتمان والتداول المالي السريع ورغم ان الحياة قد أضحت سلعية ومعلبة فى كثير من جوانبها وغالبية الأنظمة السياسية متوحشة ولكن حب الأمهات والاباء لا زال يقاوم وحشة الحياة ويرويها بدفء المشاعر فى وجه التطور المذهل لوسائل التواصل الاجتماعي التي تهدم جدران الخصوصية وتدخل العلاقات الاجتماعية فى فضاء افتراضى يجعل أقوى علاقاتك حبيسة اجهزة ذكية تحملها أينما حللت وتستهلك جل الوقت وتعيد إنتاج مشاعرك وتوجهاتك على نسق جديد.

لأن الحياة معركة عظيمة فإنني أشعر بالامتنان لكل الناس الجميلين الذين التقيتهم فى هذا العالم الفسيح و ربما لأنني ولدت فى الستينات من القرن الماضي فلا أزال مولعا بسحرها واناقة حركاتها الاجتماعية والفكرية وأحلامها الباحثة عن عالم جديد لازال بعيد المنال.
ذات مرة قال الرسول حمزاتوف لكم تمنيت لو كانت حياتي مسودة كتاب لاصححها من جديد، وحينما اصحح معه نسختى من كتابى الخاص لن أصحح تلك الخيارات الآنفة الذكر ولو عاد جون قرنق مرة اخرى للحياة لما تورعت ان أخذ مقعدى فى نفس الرحلة معه وتظل الحياة معركة عظيمة.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

سماجة الشر، احتجاب البصيرة.. في تذكّر مساعد البشير 2019-10-17 15:14:11 بقلم : عبدالحميد أحمد حملت صحف الخرطوم الصادرة بالأمس مفارقةً باعثةً على السخرية إذ ترافق على صفحاتها خبران أولهما هو "عزم النيابة العامة على أن تحسم ملفات قضائية عالقة في مواجهة أقطاب النظام الساقط أبرزها تقويض النظام (...)

ثم ماذا عن مؤتمر السلام الشامل في السودان 2019-10-16 11:43:15 الشفيع خضر سعيد تنطلق اليوم في مدينة جوبا، عاصمة جمهورية جنوب السودان، الجولة الأولى من مفاوضات البحث عن السلام بين حكومة السودان والحركات المسلحة، تصاحبها بعض المفارقات والأسئلة التي تفرض نفسها عليها. أولى هذه المفارقات، (...)

أخواني الشهداء: العيون السود في البطانة كتار 2019-10-14 05:41:16 مجدي الجزولي انهضوا لبوا يا شبابنا هموا شهيدنا الطاهر ضحى بدموا أخواني الشهداء الزايد شوقهم مناى يا الله أسير في طريقهم أصبر قلبي وراجي لحوقهم هنالك في الجنة أبقى رفيقهم.. من أخسر ما خاض فيه المرحوم حسن الترابي بعد (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.