الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الخميس 7 أيلول (سبتمبر) 2017

الخرطوم تل أبيب وبالعكس

separation
increase
decrease
separation
separation

مصطفى عبد العزيز البطل
mustafabatal@msn.com

(1)
لا فرق بين ان تكون دعوة السيد مبارك المهدي، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الاستثمار، الى إعادة النظر في أمر علاقات السودان بدولة اسرائيل قد صدرت عن سابق تقدير وتصميم، كبالونة اختبار، كما ذهب حبيبنا الاستاذ كمال الجزولي في مقاله بعنوان (مبارك الفاضل والترابي والتطبيع مع اسرائيل)، والذي اضافت اليه صحيفة (العربي الجديد) اللندنية الناشرة، والتي يديرها عضو الكنيست السابق عزمي بشارة، العنوان الجانبي (ليس من عادة مبارك ان يطلق دعوات مجانية مثل دعوته الاخيرة للتطبيع مع اسرائيل)؛ نقول لا فرق بين ذلك الاحتمال وبين الفرضية المضادة، وهي ان يكون الحديث الذي أدلى به السيد مبارك المهدي قد جاء متداعياً، عابراً عفو الخاطر، بغير إرادة او خطه مسبقة، خلال حواره التلفازي مع الاعلامي الاستاذ الطاهر حسن التوم، كما ذهب آخرون. المهم عندنا هو ان التصريحات المباركية المهدوية قد فرضت واقعاً جديدا على المشهدين السياسي والاعلامي وخلقت مشروعية مباغتة لحوار قومي مفتوح حول المستوجبات أو المحاذير في أمر تجسير الهوة التاريخية والنفسية بين السودان واسرائيل وتطبيع العلائق بين البلدين.

وهو واقع ومشروعية عجزت عن فرضها تصريحات اعلامية مشابهة كان قد أدلى بها رجل الاعمال الكبير الراحل فتح الرحمن البشير عام 1994، ذكر فيها ان اعتراف السودان وتعامله مع اسرائيل وارد وغير مستبعد أبدا. الأمر الذي يعضد مقولة "لكل زمان رجال ولكل تصريحات أوان)!

(2)
عُرفت اسرائيل عبر سني حقبة ما بعد الاستعمار بأنها العدو التقليدي للعرب والمسلمين، وظل السودان رابضاً بعزيمة ورباطة جأش ضمن منظومة هذا الواقع العدائي. لذا ظلت حكوماته المتعاقبة تمنح مواطنيها من منطلق ذلك الانتماء جوازات سفر مدموغة بعبارة (يُسمح له بالسفر لكل الأقطار ما عدا اسرائيل)، قبل ان تتوكل وزارة الداخلية على الله فتزيل العبارة عن جوازتها الالكترونية الجديدة.

وربما لا يذكر البعض ان هناك قانون في السودان يحمل اسم (قانون مقاطعة اسرائيل لسنة 1958)، ولا يزال هذا القانون سارياً. وقد جاء منطوق المادة السادسة في هذا القانون على النحو التالي: (كل مخالفة لأحكام هذا القانون يعاقب عليها بالسجن مدة قد تمتد الى عشر سنوات أو بالغرامة التي تحددها المحكمة، أو بالعقوبتين معا). الأمر الذي يعني ضمناً ان السيد مبارك المهدي وجميع الذين ساندوا مقولاته يقفون اليوم في مواجهة نذارات السجن والغرامة في حالة وجود محتسبين يرغبون في فتح البلاغات وتحريك الدعاوى القضائية!

(3)
في مسعانا لتحديد موقفنا في السودان من القضية الفلسطينية وكيفية إدارة علاقاتنا مستقبليا مع الدولة اليهودية لا مناص أمامنا من تمحيص ومدارسة البدائل المتاحة وطرح الاسئلة الهادية، وفي مقدمتها: هل اسرائيل عدو حقيقي ويجب علينا بالتالي الاستمرار في حربه؟ هل هي عدو ولكن بإمكاننا تجميد حالة الحرب معه، بل وتجاوزها مع الاستمرار في عدم التعامل مع الدولة الاسرائيلية كصديق؟ هل يمكن التعامل مع اسرائيل على اساس انه ليست هناك مسألة إشكالية بيننا كدولة مستقلة وبينها، على أساس ان لنا رأينا في القضية الفسلطينية التي نساندها شأن آخرين، مثل دولة جنوب افريقيا على سبيل المثال وغيرها من الدول التي تساند الحق الفلسطيني، ولكنها تقيم او لا تقيم علاقات مع اسرائيل وفقا لتقديرات كل دولة؟

ثم هل بإمكاننا تجاوز القضية الفلسطينية تماما على أساس ان حكومة السلطة الفلسطينية في رام الله، الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني تعترف وتتعامل مع اسرائيل، وبالتالي ليس هناك ما يلزمنا بمقاطعة اسرائيل وسجن المتعاملين معها من السوادنة لمدة عشر سنوات؟

وسيتعين علينا بالضرورة اذا تجاوزنا كل تلك العقبات ان نقف أمام أسئلة جديدة اكثر جذرية وصلابة منها: ماذا ستضيف اسرائيل لنا اذا تم التطبيع معها؟ ما الذي جنته وحصدته الدول التي طبّعت معها في الفضائين العربي والافريقي: مصر ويوغندة واثيوبيا مثالا؟

(4)
كل هذه التساؤلات قد يثبت خطلها عند عرضها على متغيرات الواقع الدولي والاقليمي الذي تلعب اسرائيل نفسها، بالتنسيق مع الولايات المتحدة واوربا، في ظل تعاون وثيق مع دول عربية واقليمية مركزية دورا قياديا في الاعداد له وترتيبه. وفي طليعة هذه المتغيرات (صفقة القرن)، بحسب مصطلح الصحافة الامريكية والاوربية بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو لحل قضية الدولة الفلسطينية بتجاوز خطة الدولتين القديمة. وهو الحل الذي تشارك وتلعب الدور المحوري فيه مصر والاردن والسلطة الفلسطينية نفسها، وتباركه السعودية ودولة الأمارات.

المراكز البحثية والصحافة الامريكية مطمئنة الى قيام الحلف الجديد الذي يجرى تشكيله لاعادة ترتيب المنطقة، والذي يضم اسرائيل والأمارات العربية والمملكة السعودية، والذي ربما تشكل بإزائه وفي مواجهته حلف تركيا وايران ومن لف لفهما في حال انهيار اتفاق طهران مع دول الخمسة زائد واحد الخاص بالبرنامج النووي الايراني.

(5)
يقودنا كل ذلك الى حقيقة ساطعة وهي ان حالة العداء بين السودان واسرائيل حالة افتراضية نظرية وليست حقيقية وواقعية. ليست هناك دولة عربية واحدة في يومنا هذا تبادر اسرائيل او تباشرها بالعداء، او تلبس لها لامّة الحرب. كل دولة من دول المواجهة لها ترتيبات معلومة ومتفق عليها مع تل أبيب. كما ان دول النفط العربي عن بكرة أبيها غارقة حتى أذنيها في خطة التسوية الدولية التي تستوعب اسرائيل وتؤمنها مأمنها، وتنزلها منزلها في الفضاء الشرق أوسطي الجديد.

هذا هو الواقع، شاء من شاء وأبى من أبى، ومن الخير لنا ألا نكون كاثوليك أكثر من البابا، أو ملكيين اكثر من الملك. مع الاحترام الواجب لبابوات وملوك الزمان العربي الجديد!


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

شائعة موت 2018-06-22 17:15:55 بقلم : سلمى التجاني أثارت شائعة مرض الرئيس البشير ، والتي تحولت لاحقاً إلى خبر موتٍ كاذب ، أسئلةً ملحَّة كانت مؤجلة دوماً أو حتى منسية ؛ فالرجل الذي يحكم لثلاثة عقود بقبضة السلاح والأمن ، قد دفع بأكثر من عشرة ملايين (...)

إضاءات حول مشروع قانون الانتخابات لعام ٢٠١٨م* ( ٣ ) والأخيرة* 2018-06-20 13:07:45 محمد الطيب عابدين المحامي ( ١٤ ) *المادة (٥٩ / ١ )* تحذف عبارة *( في الجريدة الرسمية )* كما تحذف أيضاً أينما وردت في مشروع القانون ليكون *أعلان و نشر* المفوضية لكل أعمالها التي تستوجب الأعلان أو النشر في *الجرائد اليومية (...)

إضاءات حول مشروع قانون الانتخابات لعام ٢٠١٨م ( ٢ ) 2018-06-19 15:04:19 محمد الطيب عابدين المحامي ( ٣ ) *تكوين مفوضية الإنتخابات وعضويتها* أ / نص مشروع القانون الجديد - كسابقه - تعيين رئيس المفوضية و أعضائها بوساطة رئيس الجمهورية ( فقط ) * وفي هذا نرى أن يقوم رئيس الجمهورية بترشيح عدد ثلاثة (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

حركة / جيش تحرير السودان بيان مهم حول الأوضاع الراهنة في البلاد 2018-05-25 21:04:35 إلى جماهير الشعب السوداني الوفية لا يخفى على أحد أن نظام الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومنذ أول يوم إستهل فيه عهده البغيض، كان يستهدف الصدام مع الشعب السوداني، فبدأ بوأد النظام الديمقراطي ثم إعدام الشهيد علي فضل مروراً (...)

ذكرى شهداء الكرامة 2018-05-21 23:22:45 الحرية - العدل - السلام - الديمقراطية حركة / جيش تحرير السودان - المجلس الإنتقالي جماهير شعبنا الكريم في مثل هذا اليوم، و كما درجة العادة، فإننا نحظى بدقيقة من الصمت لتعانق أرواحنا أرواح رفاقنا الذين بسببهم لا نزال على (...)

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.