الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 9 تموز (يوليو) 2018

الدكتاتوريات وسلاح الخوف

separation
increase
decrease
separation
separation

كتبت : سلمى التجاني

يستوقفني كثيراً نموذج الراحل العقيد معمر القذافي في الحكم ، كان ديكتاتور على طريقته ، تبنى أسلوباً يتوافق مع مجتمعٍ قبلي في غالبه الأعم ، يعلو فيه رمز الأب والأخ الأكبر ، فكان الاخ العقيد هو اسم القذافي . أخٌ أكبر وأبٌ لكل الليبيين ، يسجن مدى الحياة ويصفي معارضيه ويشيطنهم ،بذات الأبوية التي يغرق بها الأسواق بالبضائع الإيطالية وآخر موديلات السيارات ، مع افخم ما انتجته التكنولوجيا من أجهزة . كل ذلك بأسعارٍ مدعومةٍ منه مباشرةً ، وفي متناول أكثر الليبين فقراً . لا يمكن أن يجرب مواطن ليبي حياة التشرد أو الجوع ، فهناك السكن الشعبي والجمعيات التعاونية المدعومة ، بل إن كرم الأخ العقيد يفيض ليحدد جُعلاً لكل مواطن من عائدات البترول الليبي.

ظل الليبيون آمنون في عهد القذافي ، سوى أنه أمان الخائف الذي يحجم عن اقتراف الجريمة، ليس لأنه لا يريد ، لكن لخوفه من العقاب.

حكم القذافي ليبيا بسلاح الخوف ، وفي ذلك يقول الكاتب الأورغوايي إدواردو غاليانو، في مؤلفه كتاب المعانقات ، أن الدكتاتورية العسكرية تفرض الخوف ، الخوف من الإصغاء والكلام ، وتجعل الناس صماً وبكماً . تتبدَّى ملامح الخوف عند الليبيين من عدم قدرتهم على مناقشة الشأن السياسي بالبلاد ، أو تقديم انتقاد لأصغر مسئولٍ بالحكومة أو اللجان الثورية ، فلا يتبادلون النكات الساخرة من العقيد وأبنائه إلا في المناطق النائية في أقصى البلاد ، حيث تجد مواطن الكفرة قادر على السخرية الهامسة.

تكاثرت في ليبيا أعداد الجامعات التي لا يؤتى فيها على ذكر الديموقراطية ولا الحرية والحقوق . ولماذا يحتاجون لقيم ( أجنبية ) وبين ظهرانيهم العقيد وكتابه الأخضر. لذا كان لديهم كل شيئ ، إلا مصادر المعرفة التي تضعهم في الطريق الصحيح نحو ذواتهم ، وتشكل مشاعل تنوير تضيئ لهم ظلامات امتدت لقرابة النصف قرن ، اختلطت فيها لدى الناس مفاهيم الحرية والحقوق ، وتقاطعت فيها المصالح ، بين خنوعٍ مع الرخاء ، أو تمردٍ ينتهي برصاصةٍ في أحد أقبية سجن الزاوية.

امتلك الليبيون كل شيئ مادي، عاشوا في سجنٍ من الرخاء ، وسلام إجتماعي ظاهري ، يقبع خلفه مجتمع متمرد ، على قمعٍ طويل الأمد ، فالفطرة البشرية ترفض الإذلال والظلم الممنهجان مهما طال عهدهما ، وتظل تتربص باللحظة التي تتحرر فيها ، لتعبر لمستقبلٍ أفضل . سوى أنه في حالة ليبيا لم يكن هناك نموذجٌ حديثٌ في عمر الدولة الليبية ليُحتذى . عندما ذهب القذافي وجد الليبيون أنفسهم شعبٌ عاش في حالة رعبٍ لأربعة عقود ، حتى ظنت الأجيال التي وُلِدت ونشأت خلال تلك الفترة أن ما يعيشونه هو الوضع الطبيعي وإن السلام الخادع هو الأصل ، والديموقراطية التي ينتهي سقفها عند أمين اللجنة الشعبية بالحي هي الأنموذج في كل العالم.

ولما اختفى القذافي ذهبت معه الجماهيرية العربية الليبية ، عاد من استطاع لنظام القبيلة عله يمسك الدولة من الإنزلاق في الفوضى ، لكن الكثيرين لم يتمكنوا من الإنضواء تحت منظومات بدائية ، وقد عاشوا حياة القرن الواحد والعشرين ، في الحقيقة هم عاشوا قشور الحياة في هذا القرن . لكن مد الفوضى كان بقدر سنوات حكم القذافي ، وتساوى مع ممارسات البطش تحت القبضة الأمنية.

في الأسبوع الماضي وقعت جريمة قتل وتقطيع لأجساد ثلاثة شبان سودانيين ، بمدينة شمبات بالخرطوم بحري ، لأجل السرقة ، وجَّهت الشرطة أصابع الإتهام لأجانب يُرجَّح أنهم يحملون الجنسية الليبية ، بعدها أصدرت السفارة الليبية بالخرطوم ، السبت الماضي بياناً أدانت فيه الحادثة ، وأكدت أنها منفردة ولا تشبه الشعب الليبي . ظل الليبيون لعقود بعيدون عن مثل هذه الجرائم ، قد نجد بعضهم في الجماعات الإسلامية المتشددة ، لكن أن ينتظموا في عملٍ للعصابات بغرض القتل والسرقة فهذه لم تُعهد عنهم . هي إذن من آثار الدكتاتوريات المدمرة لشعوبها ، طيلة فترة بقائها ، وبعد سقوطها . تحتاج ليبيا لسنواتٍ حتى تتعافى من حكم ( الأخ القائد ) ، وتعيد بناء مجتمعها ودولتها على أسسٍ من ديموقراطية وعدالةٍ وأمان.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

"احزاب الأمة" بين مطرقة التسريح، وسندان التقليص 2018-09-19 17:31:47 هل أطلق عليها الإسلاميون رصاص الرحمة؟ "احزاب الأمة" بين مطرقة التسريح، وسندان التقليص كتب: الجميل الفاضل • أنحسرت ظلال شجرة "الإنقاذ" بشكل متدرج عن معظم الأحزاب التي إنشقّ فرعها الرئيس "الإصلاح و التجديد" عن حزبها الأم (...)

هل سقط النِّظام ؟ 2018-09-16 23:05:12 كتبت : سلمى التجاني الهزَّة التي أصابت النِّظام طيلة أيام التشكيل الوزاري في الأيام الفائتة، أَظهَرت وعكست صورة حقيقية لما آل إليه من تآكل داخليّ، وفقدان ثقة بين قادته، وهشاشة حلفائه. فمشروع أسلمة الدولة والمجتمع الذي (...)

سؤال الشباب .. ( ٧ ) 2018-09-16 23:02:20 كتب : محمد عنيق للتدليل علي ما ذكرناه بان وسائلنا ومناهجنا في العمل العام كانت خاطئة نكتفي هنا بواحدة من المنظمات التي قامت في الخارج ( المنظمة السودانية لمناهضة التعذيب ) ، وذلك بإيراد مختصر لما كتبته في فترة سابقة عن (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.