الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الجمعة 29 آب (أغسطس) 2014

الدولة الإنسانيَّة

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم بابكر فيصل بابكر
boulkea@gmail.com

أوردت صحيفة "الدايلى ميل" البريطانية خبراً في فبراير الماضي يقول أنَّ المعلِّم البريطاني "راي كو" أنقذ حياة تلميذته، "علياء أحمد علي"، المريضة في ستراتفورد، غرب لندن، وتبرع لها بكليته بعد أن علم أنها في حاجة ماسة لكُلية إثر إصابتها بالفشل الكُلَوي.

وفي وقت سابق كانت الصُحف المصرية قد أوردت خبراً يقول أنَّ مواطناً مصرياً مُسلماً يُدعى "عدلي حسن الزناتي" يقطنُ بإحدى قرى الصعيد قد عرض التبرع بإحدى كليتيه للبابا الراحل شنودة الثالث قبل وفاته وحرَّر تعهدًا مكتوبًا بتوقيعه فى هذا الشأن.

من المؤكد أنَّ دافع المعلم البريطاني والمواطن المصري "لقطع" جزء من جسديهما والتبرع به لأناسٍ لا يشاركونهما "المعتقد الديني" في الحالتين، مُضافاً إليه اللغة واللون والجنس والأصل العرقي في حالة المُعلم البريطاني يُعزى فقط للإشتراك في الأصل "الإنساني"، الذي علا عند كليهما على أية رابطة أخرى.

هذا السمو في الفهم والإدراك لرفع قيمة "الإنسان" و الأخوة "الإنسانيَّة" إلى أعلى المراتب إذا إنسحب على العلاقات في إطار "الدولة" إرتقى بها إلى ذرى عالية تتخطى العصبيات الدينية والعرقية والجنسية وغيرها.

الشرائع السماوية نزلت في الأصل لخدمة الانسان، و لهدايته و تحقيق وحفظ مصالحه المعتبرة على هذه الأرض، ولم يُخلق الإنسان من أجل خدمة "الشرائع السماوية"، فالانسان خلق أولاً، ثم جاء الدين ليُرشدهُ ويهديه إن أراد وإلا فعليه أن يتقبل مصيره يوم القيامة.

لقد كان الإنسان على الدوام هو محور الأديان والرسالات و الخطاب الإلهي.

إنَّ ما يُعرف بالدولة "المدنيَّة" في عالم اليوم قد قطعت أشواطاً كبيرة في سبيل تحقيق حلم دولة الإنسان، وهى ( أي الدولة المدنية ) وإن إعترتها جوانب كثيرة من النقص تظلُّ أفضل الخيارات المُتاحة في وقتنا الحاضر للوصول لذلك الحُلم.

قد أورثت محاولات بناء الدولة على أساس تفوُّق "العرق" البشرية مآسٍ وفظائع كبيرة ( أمريكا وجنوب إفريقيا في السابق مثلاً)، وكذلك فعلت محاولات تحديد سقوف الدولة على أساس "الدين" أو "المذهب" نفس الشىء ( إسرائيل، إيران، البحرين)، وليس بعيداً عن ذلك مساعي تمجيد "الطبقة" ( الإتحاد السوفيتي).

مفهوم "الدولة الإنسانية" يعني تحقيق مقصد الإرادة الإلهية بتكريم الإنسان - ( ولقد كرَّمنا بني آدم ) من حيث هو إنسانٌ وفقط، هى دولة تستبعدُ من هويتها الدستورية والقانونية أية أوصاف أخرى مُلحقة بالانسان من عرق وطائفة ودين ومذهب وحزب وطبقة وغيرها.

وهى دولةٌ غايتها تحقيق "العدل" بين جميع أفرادها ومكوناتها بغض النظر عن إنتماءاتهم العرقية أو المذهبية أو الجنسية، والعدلُ قيمة إنسانية مطلقة لا ترتبطُ بهذه الإنتماءات، و كما قال إبن القيم : إذا ظهرت أمارات العدل فثم شرع الله ودينه.

وفي التراث الإسلامي ما يفيد بذلك فقد إمتدح الرسول الكريم حكم العدل من "غير المسلمين" ووجَّه أصحابه بالإحتماء به ، وقال لهم في الهجرة الأولى ( لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنَّ بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهى أرضُ صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه ).

الدولة الإنسانية بالضرورة لا تُعارض "الدين" ولكنها تناقض "الدولة الدينية" التي تميِّز بين أفرادها على أساس إنتماءهم الديني والمذهبي، وهذا التمييز لا بُدَّ أن يقع في ظل الدولة الدينية مهما إدعى المنادون بها من دعاوى تقول بإنها تحفظ حقوق أصحاب الإنتماءات المختلفة، وأمامنا أسطع نموذج لطبيعة هذه الدولة وهو ما تمارسه "الدولة الإسلامية في العراق والشام" وما مارسته قبلها "دولة طالبان" في أفغانستان.

أسَّطرُ هذا المقال وفي ذهني الجدل المُستمر حول طبيعة الدولة التي نأمل في إقامتها في السودان، هل هى دولة مدنيَّة ؟ أم دينية ؟ أم مدنية ذات مرجعية إسلامية ؟ أم علمانية ؟ والعبرة عندي بالمحتوى وليس بالتسمية، فالدولة التي ننشدها تقوم فيها كافة الحقوق والواجبات على أساس المواطنة دونما تمييز و التشريع فيها يكون بالإرادة الحرة للشعب، وهذه مبادىء لا تعارض الدين.

وحتى لا ينحرف الناسُ بالجدال حول "المصطلحات" المُفخخة عن التعريف الحقيقي بماهية الدولة التي نرغب في قيامها فإنَّ تسمية "الدولة الإنسانية" تمثل الخيار الأمثل الذي يجب أن نركز عليه في اطروحاتنا.

وكان الدكتور سعد الدين هلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، قد دعا لصياغة "الدستور الإنساني" الذي يحقق مبادىء الإسلام وقيمه النبيلة، فينصُّ على أنَّ العدل أساس الحكم، وأنَّ الحرية والكرامة والمساواة من القيم الإنسانية التي "لا يجوز تفسيرها بما يعطلها".

عودٌ على بدء : إذا إستفتى "عدلي حسن الزناتي" أحد شيوخ هذا الزمان العجيب حول نيته التبرع بكليته للبابا الراحل شنودة فالغالب أنَّ الجواب سيأتيه : حرام ، لا يجوز إدخال كلية "مسلمة" في جسد "كافر"، ولو لجأ "راى كو" لإستشارة رجل دين مسيحي في موضوع تبرعه للطالبة المسلمة ربما أجابه : حسناً، ولكن من الأفضل أن تتبرع بها لأحد أتباع الرَّب يسوع.

حسناً فعل الرجلان حين إستفتيا قلبيهما، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل ( إستفت قلبك، إستفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك).


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

”كل منزل بالكنيسة يقيم عزاء“ 2018-08-16 06:56:58 مجدي الجزولي أتسبح أجساد الأطفال ال(٢٢) في طريقها إلى المدرسة؟ أفرادى هذه الأجساد أم اجتمعت في عطش الحياة وسط ماء النيل؟ أي وحي نزل على هؤلاء الرسل الصغار في برهة الحياة الأخيرة؟ قال خبر الدولة: ”وقع الحادث نتيجة توقف (...)

رفض ترشيح البشير قضية تهم النازحين واللاجئين 2018-08-15 22:15:19 كتب : ياسر عرمان في خرق صارخ للدستور قامت جماعة المصالح الحاكمة في المؤتمر الوطني وهي صاغرة بتقديم البشير كمرشح لها في ٢٠٢٠م، وهذه القضية تهم كل من لا قطة له من السودانيين، فهي تهم حوالي ستة ملايين من النازحين واللاجئين (...)

سؤال الشباب .... (٢) 2018-08-13 16:39:33 كتب : محمد عتيق في مقال سابق كتبنا تحت عنوان (سؤال الشباب) واستعرضنا فيه كيف ان كل القوي السياسية في بلادنا - في الحكومة كانت ام في المعارضة - تمضي في سعيها نحو المستقبل ، كل حسب مصالحه ورؤاه ، دونما اي التفات للشباب (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)

بيان مهم - بمناسبة اليوم العالمى للشباب - (12 أغسطس/ آب) 2018-08-12 16:28:41 الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال – SPLM-N الشباب يقودون التغيير .. " كان حتماً أن نثور .. مثلما يمضى القطار .. فى دروب الأرض مُفتعلاً الغبار .. " شباب وطلاب السودان الشُرفاء : لقد ظل السودان يُعاني من أزمات عميقة (...)

حركة / جيش تحرير السودان بيان مهم حول الأوضاع الراهنة في البلاد 2018-05-25 21:04:35 إلى جماهير الشعب السوداني الوفية لا يخفى على أحد أن نظام الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومنذ أول يوم إستهل فيه عهده البغيض، كان يستهدف الصدام مع الشعب السوداني، فبدأ بوأد النظام الديمقراطي ثم إعدام الشهيد علي فضل مروراً (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.