الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 17 أيلول (سبتمبر) 2017

الفاتح عروة مناضلاً

separation
increase
decrease
separation
separation

مصطفى عبد العزيز البطل
mustafabatal@msn.com

(1)

قبل أيام عرضت قناة اس 24 على شاشتها حوارا اجراه مديرها الاستاذ الطاهر حسن التوم مع العميد عبد العزيز خالد قائد تنظيم قوات التحالف السوداني الذي كان قد اعتمد نهج الكفاح العسكري والزحف المسلح لاسقاط النظام، ثم عاد الى الخرطوم بعد اتفاقية القاهرة عام 2005 فغاصت قدماه في رمال الانقاذ المتحركة، ثم تاه في بحار السياسة الانقاذوية، وداخ (السبعة دوخات) في محيطاتها حيث لا مراسي ولا جزر. وانتهى الحال بحبيبنا العميد عبد العزيز خالد بأن شيّد لنفسه قصرا منيفاً في ضاحية كافوري على مبعدة أمتار من دار الرئيس المشير عمر البشير، ثم استقر فيه، جاراً كريماً، هو واسرته الصغيرة، وذلك عملا بحكمة سودانية سرية تقول: (الرئيس إن غلبك تسقطه بالسلاح أبني بيتك جنبو واسكن وارتاح). ما علينا!

(2)

أدهشتني احدى افادات العميد عبد العزيز، في حوار اس 24 وهو يتداول ذكرياته عن حياة الجيش والسياسة مع الاعلامي الطاهر حسن التوم، ووجدت تلك الإفادة لافتة للنظر بصورة ملحة.

قال العميد حول واقعة نقل يهود الفلاشا الاثيوبيين الى اسرائيل عن طريق الخرطوم بين عامي 1982 و 1984 ان ابن اخته العقيد، آنذاك، الفاتح عروة، أحد ألمع ضباط جهاز أمن الدولة المايوي والمكلف بإدارة عمليات الفلاشا بالتنسيق مع جون ميلتون المندوب الرسمي لوكالة المخابرات الامريكية وجيري ويفر مسئول شئون اللاجئين بالسفارة الامريكية، أتى اليه، اي العقيد الفاتح، وابلغه بما يجري ويدور وراء الظهور، من أمر قضية الفلاشا وتفصيلاتها. ثم أضاف العميد وهو يتداعى بالحديث في مؤانسة تلقائية، وهنا مربط الفرس، أنه شرع على الفور في الاتصال بضباط القوات المسلحة وتمليكهم المعلومات السرية، بالغة الحساسية، التي أحالها اليه عقيد الأمن!

(3)
قضية الفلاشا الاثيوبيين تظل من أهم وأخطر القضايا الماسة بالأمن القومي في تاريخ السودان واكثرها تعقيدا. وقد تضاربت حولها الرؤى وتكاثرت الروايات. غير أنني وجدت اكثر المطبوعات دقة في التحقيق ومتانة في التوثيق لوقائع هذه القضية كتاب الاستاذ مصعب أحمد مضوي، الصادر عن دار هايل للطباعة والنشر عام 1990، بعنوان (أسرار عملية تهجير اليهود الاثيوبيين من السودان الى اسرائيل).

ويغطي هذا الكتاب الصغير الحجم جميع وقائع ما عرف في الادبيات الاستخبارية ب (عملية موسى) من ألفها الى يائها. ومن بين المعلومات التي وقفت عندها كثيرا عند مطالعته ما أورده المؤلف من ان ملف عمليات تهجير يهود الفلاشا الاثيوبيين عبر السودان الى اسرائيل جرى فتحه للمرة الاولى عام 1900، عندما التقى اليهودي الاوكراني الأصل بافل رابورت، الحاصل على الجنسية البريطانية، وكان يقيم بالقاهرة، اللورد كرومر وطلب منه بأن تسمح بريطانيا وتساعد بنقل الفلاشا عبر السودان الى أرض الميعاد، ولكن كرومر رفض الفكرة.

(4)
ما ذكره العميد عبد العزيز خالد من أن العقيد بإدارة الأمن الخارجي بجهاز أمن الدولة الفاتح عروة زوده بحقائق وتفصيلات العملية السرية، وان العميد سعى بتلك المعلومات بين ضباط الجيش بغرض اضعاف النظام، واتخذ منها مادة لنشاطه السياسي داخل القوات المسلحة، يستحق وقفة تساؤل، بل قل جملة تساؤلات، في مقدمتها: ما هي دوافع العقيد عروة، وقبل ذلك ما هو منطقه ومسوغاته في النهوض الى تحمل مسئوليات مهمة أمنية في غاية الجسامة مثل تلك، يعلم مقدما انها قد تضعه مستقبلا في موضع التجريم، وتعتبر السرية مرتكزا اساسيا من مرتكزات نجاحها، ثم ينطلق في ذات الوقت الى تسريب ذات الأسرار ونقلها الى جهات معادية للنظام الذي يلعب هو نفسه دورا حاسما في خدمة جهازه الأمني والاستخباري؟!

طيب يا سيدي، ها هو ذلك النظام قد سقط، وها هي المعلومات التي سعى صاحبنا لتسريبها قد بلغ ذكرها الآفاق، فما الذي حدث؟ الذي حدث انه تم اعتقال الرجل وايداعه غيابات السجن المركزي قيد المحاكمة، فلم يجد من وسيلة للنجاة بنفسه والفكاك من المصير المظلم سوى القبول بعرض النيابة بأن يكون شاهد ملك ضد رؤسائه السابقين. سبحان الله، ما الذي كان يتوقعه العقيد عروة؟ ما الذي يمكن ان يحصده المرء إذن في مثل هكذا سيناريو؟

(5)
عموما إذا لم يجب على تساؤلاتنا العقيد السابق، الفريق الفاتح عروة، فربما كان هناك شخص آخر هو الأقدر من غيره على الاجابة، وهو المشير عمر حسن احمد البشير رئيس الجمهورية. وربما لم يكن الكثير من السوادنة يعلمون ان العقيد آنذاك عمر حسن البشير كان هو المحقق الذي استجوب اللواء عثمان السيد مدير المخابرات والعقيد الفاتح عروة المسئول عن عملية موسى، استجوابا تفصيليا حصل من خلاله على أدق تفاصيل مجريات أحداث مسلسل الفلاشا. والذين عاصروا محاكمات الفلاشا الشهيرة عام 1986، برئاسة القاضى عبد الرحمن عبده يذكرون التسجيلات التي أمرت المحكمة بتشغيلها اثناء الجلسات وفيها كان المحقق يسأل والمتهمون يجيبون. بيد ان أقل القليل هم الذين تعرفوا وقتها على صوت المحقق، العقيد عمر حسن احمد البشير، الذي كان يوجه الاسئلة للمتهمين!

(6)
عملية الفلاشا كلها، من أولها الى آخرها، تبدو لي عملية عبثية. وما سمعته يجري على لسان العميد عبد العزيز خالد يجعلها اكثر هزلاً وخبالاً ومُجانة!

فوجئ السوادنة عند اجراء محاكمات قضية الفلاشا عام 1986 ببعض كبار معاوني المتهم الاول اللواء عمر محمد الطيب يشهدون ضده، بل ويسدرون في الإساءة اليه في همة وحماسة، فيتهمونه بما فيه وما ليس فيه، ويثيرون حوله شبهات الفساد. لا اعني بذلك شهود الملك، الذين كانت الشهادة ضد رئيسهم السابق مهرا لتبرئتهم واطلاقهم، بل كان منهم من لم يكن متهما في الاساس. وخطر لي ان اتوجه بالسؤال، طلبا للتفسير، الى واحد من ابرز الشخصيات القانونية في فريق الإتهام الذي مارس دور الإدعاء اثناء المحاكمة. أجابني الرجل، ويالها من إجابة!

الذي حدث هو ان أحد الدهاة من اعضاء فريق الاتهام قام بالتحقيق مع المتهم الاول اللواء عمر محمد الطيب. وأثناء التحقيق ذكر اللواء كلمات تشكيكية جارحة بحق بعض معاونيه السابقين، واثار الشبهات حول احتمالات عمالتهم وموالاتهم لأجهزة استخبارات اجنبية. ولم يكن اللواء عمر يعلم ان المحقق قد اخفى تحت المنضدة جهاز تسجيل يرصد ويسجل كل كلمة صدرت منه!

بعدها قام ممثل الاتهام، الداهية، باستدعاء اكبر وأهم الشهود، وهو أحد أبرز معاوني اللواء عمر محمد الطيب، وكان متوقعا ان يستبسل في الدفاع عن رئيسه السابق، ثم فتح في حضرته جهاز التسجيل ليستمع الى ما أثير في حقه من اتهامات وشبهات. هنا انقلب الرجل في موقفه 180 درجة، وقلب ظهر المجن لمن كان يرجو عونه!

ما زلنا عند البدايات. لم يكتمل حديثنا، وسنعود بمشيئة الله.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

في السودان ام في جنيف ؟ 2018-10-15 15:52:40 بقلم : محمد عتيق الصديق ‏والصحفي الكبير الاستاذ محمد لطيف ، صاحب التحليل السياسي الرشيق والمقروء ، كان نجم التغطية الصحفية التحليلية لاجتماعات الدورة 39 لمجلس حقوق الإنسان التابع ‏للأمم المتحدة (جنيف سبتمبر ‏٢٠١٨) ‏عبر (...)

النُّخبة السُّودانية وما تبقَّى من رحيق 2018-10-14 14:46:18 بقلم :عمر الدقير يُنْسَب للمسيح عليه السلام أنه شبّهَ النخبة في أي مجتمع بالملح، لأن الملح إذا فسد ربّما تعذّر وجود ما يمكن أن يُحْفَظ به أي شيء ويصان به من التعفن والخراب .. وسواء صحّت نسبة ذلك التشبيه للسيد المسيح أم (...)

"الخواجة عبدالقادر" بين ألف النداء وياء المد 2018-10-14 14:46:02 بقلم:الجميل الفاضل قبل نحو ست سنوات تقريباً، رفعت الدراما المصرية، ذِكر المهندس النمساوي الأصل، المصري الجنسية، السوداني الروح والقبر والهوية، "جوليوس فاجوجون" أو"الخواجة عبدالقادر" الذي عاش لأكثر من ثلاث عقود بين (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.