الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 30 تموز (يوليو) 2018

الفساد والتسوية السياسية

separation
increase
decrease
separation
separation

كتب : المحبوب عبد السلام

لا يصحو السياسيون من نومهم وقد استيقظت ضمائرهم فجأةً، فيشرعون في الحديث عن الفساد ويقومون من فورهم يحاربونه ويوظفون أجهزة الدولة كافة لملاحقته ويتيحون الحرية للإعلام لتناوله وكشفه، ثم يعمدون الى الكبار فيرفعون عنهم الحصانات ويبيحون جنابهم لأجهزة العدالة فتوالى تحقيقاتها واستقصاءاتها. ذلك أن الفساد في ظرف الدولة الطبيعي مسؤولية النظام المحاسبي والعدلي، يراقبه ويراجعه ويكتشفه ويسجل بلاغاته ويواصل إجراءاته الى أن يبلغ به المحاكم.

في سؤال مباشرة من الإعلامية بقناة الجزيرة غادة عويس قبل أعوام للرئيس عمر البشير عن الفساد، جاءت إجابة الرئيس واضحة: الفساد نوعان، فساد محدود تكفي القوانين الجنائية لملاحقاته وحسمه، ثم الفساد الهيكلي الذي تحميه الدولة نفسها، وهذا لا يعالج إلا بزوال النظام الذي يحميه، ونحن في السودان بحمد الله لم نبلغ مرحلة الفساد الهيكلي، ما عندنا هو خروج محدد تعالجه القوانين.

لكن ما الذي دعا الرئيس هذه المرة ليتحدث عن الفساد ويعلن قيادة الحملة لمحاربته بنفسه؟

في أُخريات العام ستةٍ وألفين، دون قصد ولا تدبير سابق، انخرطت في حوار مطول مع الشيخ على عثمان محمد طه عن الفساد، ربما المناخ العام يومها ساق الحديث الى ذلك الموضوع. اللقاء كان بعد الفراقين فراق المفاصلة العميق وفراق الزمن الذي امتد لسبع سنوات ولكن تلك قصص أخرى، فقد كانت تلك أعوام النفط حيث ُأغيث غالب الناس وعصروا من كل النعم، ولكن الرجل الذي كان يتولى منذ زمن منصب الرجل الثاني في إدارة شؤون البلاد كان مهموماً مغموماً لا يكاد يستقيم ظهره مما حمل. كان كأنه ينتظر أن أورد موضوع الفساد في إجابتي على سؤاله عن كيف ترى الأحوال بعد الغيبة والإياب؟ أذكر أن الشيخ على عثمان حدثني بحسرة عن انحسار دور المراجع العام، بل عن انحسار صورته وسطوته، قال: لم تكن فكرة اختلاس المال العام والتغول عليه ترد أبداً في خواطر الموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة، ولكنهم متى زارهم مندوب الديوان أواخر العام المالي تمتلئ قلوبهم خوفاً وهيبة أن يكون ثمة خطأ قد وقع هنا أو هنالك، وكان المراجع نفسه يحيط نفسه بكامل حصانته، حتى كوب الشاي الذي يتناوله يحمله في حافظة يجلبها من داره حتى لا يخالط الموظفين أو يخالطوه أثناء مهمته بينهم. ثم واصل حديثه: كنت قبل دخولك أفكر في رؤية الاستاذ أحمد إبراهيم الطاهر -وزير العدل يومئذٍ -لنفكر معاً في كيف نؤسس سلطة مشتركة بين النائب العام والمراجع العام، لقد اتسعت الدولة وتعقدت معاملات المواطنين وربما نحتاج أن نعيد تعريف الفساد قانوناً ونذكر الناس بذلك.

أذكر أنى حدثته بحكم عملي الطويل في المجالات المرتبطة بالإعلام، أن الفساد يمثل بالنسبة الى القانونيين قضية تقتضى التحري والبينة ثم القضاء والعدل، لكن في الإعلام متى صار المجتمع يكثر الحديث عن الفساد، فهو قصة تقتضى قصّ آثار، فمنذ عشرينات القرن العشرين اشترعت الصحافة الأمريكية ذلك النمط من التحقيقات حتى تأسس فرع خاص يحمل اسم الصحافة الاستقصائية ( investigative journalism)، ما زالت تخوض معاركها بالظفر والناب، مرة مع الرأسمالية المتوحشة ومرات مع السياسيين المؤتفكين، حتى شقت طريقها ورسخت تقاليدها في بيئة صالحة بطبيعتها الديمقراطية. فالأنظمة حتى الديمقراطية منها تتحدى المواطن الذى يشعر بالفساد ويراه ويشمه، أن يأتي بالدليل أو ليصمت وهى تعلم أنه لا يستطيع، فالبينات التي تصلح لفتح البلاغات والوقوف أمام المحاكم، لا يقدر عليها إلا من لهم سلطة ومن هم داخل المؤسسات المتهومة بالفساد، وهو أمر بعيد أن يحدث من أصحاب المصلحة في الفساد أو المتواطئون معهم، بل وحتى من المطهرين الراغبين في كشفه لأنه لا يجدون الحماية الكافية اذا تجرأوا على مثل تلك الخطوات، هنا ملأت الصحافة الاستقصائية الفراغ ودفع الصحفيون ثمناً باهظاً خاصة في الحصون الديكتاتورية على نحو ما صور المخرج الأميركي البارع استيفن سيلبرغ في فيلمه (ذا بوست) وقد كان حديثنا يدور في نفس العام الذى اغتيلت فيه الصحفية الروسية الباسلة آنا بوليتوكوفيسكى.

أذكر كذلك فور خلوصنا الى بعض خلاصات حول موضوع الفساد، وقف بنا الحديث الى ما عرف تلك الأيام في الصحافة السودانية باسم (مبادرة المشير سوار الذهب)، وهي في الأصل مبادرة وطنية حملتها شخصيات قومية وحزبية وأكاديميون ورجال أعمال ونساء ومتصوفة ظهر فيهم بهمة وحرث أكبر العميد عثمان عبد الله. في تعليقه على تلك المبادرة ومبادرات أخرى حولها قبلها وبعدها، تطرق الشيخ على عثمان الى نقد موضوعي لتجربة التعددية الحزبية التي تنسب في تجاربنا الى وست منيستر البريطانية، واسترسل في مقترح للحل يؤسس لتجربة تستلهم ظرفنا الاجتماعي التاريخي وتعتبر بتجاربنا في الانتقال والتأسيس، وبالطبع لنكساتنا على أعقابنا مرةً بعد مرةً ، ثم استفاض في شرح رؤيته التي تستهدف الشمول فلا تقصى صوتنا أو تستبعد مدرسة فكرية قد لا يؤهلها وزنها الانتخابي الى الفوز بمقاعد في مجلس تأسيسي أو مجلس تشريعي، ولكن ذات تجربة وصوت يستحق أن يسمع وهو مفيد يثرى تجربة الوطن، ربما فاجأت محاوري بأنه يقصد ( الديمقراطية التوافقية ) وربما فاجأني بأنه لم يسمع بذلك المصطلح من قبل ولكنه يعنى ما يقول. ورغم أن تلك الأيام كما أسلفت هي أيام النفط والسقيا وتبدل مظاهر الحياة في الخرطوم خاصة وفى عامة مدن السودان وقد لامس التغيير ولو طفيفاً وجوه للحياة في الريف وبعض البوادي البعيدة، كما أن ذلك العام - وهذا هو الأهم - عام اتفاقية السلام الشامل الأول، وقد بدى السودان موحداً متعافياً الى حد كبير، وجوه الحركة الشعبية ظاهرين في ميادين السياسة وأجهزة الاعلام ومناسبات المجتمع، وغالب الأحزاب تشارك في البرلمان والأحوال تبدو طيبة وقد عادت الطيور المهاجرة كافة بعد مهجر طويل الى وكنات الوطن ولامست بعد عجاف السنوات دفء الحياة في العشيرة. لكن حدس ما كان يدق بإلحاح على كثير من ذوي الحس أن الوطن مهما بدت على سطحه ملامح السعادة فإنه مقبل على خطرٍ كامن غير بعيد، فما تزال جراح دافور دامية تتوالى بشأنها قرارات مجلس الامن تحمل النذر العظائم وقد لاح شبح مرعب أسمه المحكمة الجنائية الدولية، ثم بدأ لأول مرة يعلو الصوت في المجتمع عن الفساد وقد تعالت أمام أبصارهم العمائر والبنايات واصطفت في أحياء بعينها القصور الشواهق مبسوطة أمامها أرتال السيارات.

لا يصحو السياسيون فجأةً من نومهم وقد استيقظت ضمائرهم فقاموا من فورهم يذكرون الفساد ويحاربونه، ولكنهم إن فعلوا فذلك يعنى أن الفساد أضحى مهدداً لذات سلطانهم أو لذات كيان الدولة أو أنهم يحتاجون الى ذلك الحديث لأنه الأقرب لأن تصيخ اليه آذان الشعب وتصغى له قلوبهم، ذلك قبل أن يبلغ الفساد المرحلة التي وصفها الرئيس البشير وفق تعريف صحيح بالهيكلي وهو لا ينتهي إلا بنهاية النظام. إلا أن الفساد مرتبط كذلك بعد السياسة بالاقتصاد، ففي تسجيل رجب طيب أردوغان لمسيرته الشاقة في بناء الدولة التركية يقول: لم نبدأ الإصلاح الاقتصادي بالبحث عن موارد جديدة، ولكن بدأنا بمحاربة الفساد، أوقفنا الفساد فانضافت على الفور موارد جديدة، ومن هنا بدأت مسيرة تركيا الجديدة.

إلا أن للفساد كذلك آلياته للمقاومة، فرغم أنه لا يقوم عصابة متسقة فإنه متى أستهدف بالحرب قامت بينه وحدة معنوية بغريزة المدافعة والبقاء، فقد يحيط البلاد بالأزمات من كل وجوهها حتى يوشك أن يكتم أنفاسها، خاصة وأن غالب عناصر الفساد المستشري راسخون في عمق بنية الدولة بحكم قوتهم المادية وربما بسبب تطاول العهد بهم، فهم يحسنون بغير تدبير متكامل أساليب الحرب من الداخل التي تجلب أعتى الأنظمة جاثية على الأرض متى أرخت الحبل أو ترددت من خوف في حربهم، كما حدث في الاتحاد السوفيتي إذ كان أول غيث انهياره هو تمرد لتوانيا على الروبل الروسي ثم كرت مسبحة التداعي الى القرار، وكما حدث في ايران الشاه وكما حدث في البرازيل إذ صرح رئيسها السابق لويس انا سيولا المتهوم نفسه بالفساد: ( إن مكافحة هذه الآفة تقع في صلب زلزال سياسي قد تضر بالاقتصاد بسبب الشركات المتهمة ) وكما حدث قريباً في تركيا عندما وصف اردوغان هجمة المفسدين المرتدة بأنها ( بقعة سوداء في تاريخ الديمقراطية التركية وخيانة أكبر من الانقلاب العسكري )، فحرب الفساد في عمقها موصولة بالاقتصاد السياسي، الموصول تماما بالسياسة والسياسيين، فهي حرب لا يتيسر لجهاز الأمن وحده أن يسبر عمقها ويستأصل شأفتها دون مناصرة الشرطة والتحري والبرلمان والقضاء المجتمع المدني كما عبر عنه إجازة قانون مفوضية الفساد مؤخراً بعد تعسر ومقاومة كذلك.

لكن ما الذي يصل الفساد بالاقتصاد ثم بالسياسة في الحالة السودانية خاصة؟
وما الذي جعل حديث النائب الأول القديم يصل الفساد بأطروحة سياسية في أعوام الرخاء؟

لقد تكاملت فلسفة الدولة السياسية مع تطور تجارب الدول نفسها في التاريخ حتى اعتبرها هيجل تجلي العقل الكامل في مساق الانسانية، كما قدم فلاديمير لينين تفسيره الخاص للماركسية عندما جعل صراع الطبقات وزوال البرجوازية لصالح ديكتاتورية البرولتيريا في عمق نظريته للثورة والدولة، أو كما نظر لها ماكس فيبر واصلاً الرأسمالية بقيم الزهد المسيحية وواصلاً جهاز الدولة البيروقراطي بضرورة إشراك العدد الاكبر من المجتمع في مصادر القوة وصناعة الحياة، تحتاج الحالة السودانية لرؤية تحارب الفساد ضمن رؤية أشمل هي بالضرورة سياسية، عندئذٍ يتاح لعقول عظيمة من الاقتصاديين السودانيين وسواعد حاشدة من المجتمع الشاب الغالب أن يفجروا طاقات الأرض السودانية في نهضة شاملة، دون حاجة لحرب المجتمع وزوال الدولة.

في الجدل المتصل حول استحالة التسوية السياسية وأن يثوب السودانيون يرضون بكلمة سواء منذ أعوام، كانت كلمة الفساد تبرز كمعضلة تستعصى على المجابهة والحل في نظر غالب المعارضين، كما تنتصب اليوم اعتراضات التزوير اذا دعت الحكومة الى الانتخابات وكما انتصبت مسألة غياب شروط الحرية من أمام الحوار ليكون شاملاً، وفى إحدى تجلياته العبقرية الساخرة داعب الشيخ الترابي عليه الرحمة والرضوان مجادلاً يحتج بالفساد معوقاً للحوار، قال الشيخ ( الناس الشالوا القروش خليهم يجيبوها بالليل مافى زول بشوفهم )، فكلمة الفساد كانت وما تزال تجلب الفزع للمتورطين وفى ظل ثورة الاتصالات الكثيفة يبلغ الفزع والفضح كل من حول المتورطين من الأبناء والأقارب والأصدقاء دون أن يكون للأخرين جناية وإثم فيما فعل السفهاء منهم، وقبل أن تكتمل التحريات وتصدر المحاكم أحكامها. التسوية السياسية التي تحمل رؤية تستصحب كامل أحوالنا تعيد الثقة وتستر العروض وتمنع الأذى المتعدي لا تأخذ الامن وجدنا متاعنا عنده، كما حدث ويحدث في سنن العفو والصفح وفى تجارب الحقيقة والمصالحة.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

"احزاب الأمة" بين مطرقة التسريح، وسندان التقليص 2018-09-19 17:31:47 هل أطلق عليها الإسلاميون رصاص الرحمة؟ "احزاب الأمة" بين مطرقة التسريح، وسندان التقليص كتب: الجميل الفاضل • أنحسرت ظلال شجرة "الإنقاذ" بشكل متدرج عن معظم الأحزاب التي إنشقّ فرعها الرئيس "الإصلاح و التجديد" عن حزبها الأم (...)

هل سقط النِّظام ؟ 2018-09-16 23:05:12 كتبت : سلمى التجاني الهزَّة التي أصابت النِّظام طيلة أيام التشكيل الوزاري في الأيام الفائتة، أَظهَرت وعكست صورة حقيقية لما آل إليه من تآكل داخليّ، وفقدان ثقة بين قادته، وهشاشة حلفائه. فمشروع أسلمة الدولة والمجتمع الذي (...)

سؤال الشباب .. ( ٧ ) 2018-09-16 23:02:20 كتب : محمد عنيق للتدليل علي ما ذكرناه بان وسائلنا ومناهجنا في العمل العام كانت خاطئة نكتفي هنا بواحدة من المنظمات التي قامت في الخارج ( المنظمة السودانية لمناهضة التعذيب ) ، وذلك بإيراد مختصر لما كتبته في فترة سابقة عن (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.