الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 30 نيسان (أبريل) 2016

القتل المجاني

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم: د.خالد التيجاني النور

أفاق السودانيون بالأمس على مشهد دموي آخر باغتيال طالب جامعي في سلسلة حوادث تكررت معها ظاهرة القتل المجاني حتى كادت تصبح طابعاً لحياتنا، فهل بلغ الحال حد أن يتحول العنف إلى ثقافة متجذّرة تستمر معها الحياة وكأن شيئاً لم يكن، لا تستثير استنكاراً ولا وقفة لمراجعة لهذا الواقع المخيف، ولا استعداداً لإيقاف عجلة ثقافة العنف المستشرية التي تحصد الأرواح بلا خشية من تبعة ولا خوف من عواقب.

ولا شئ أخطر عاقبة من أن يقف العقلاء متفرجين وهم يشاهدون مُثل وقيم السودانيين يتم تجريفها بتطبيع غير مسبوق مع ظاهرة استسهال إزهاق الأرواح بدم بارد، واستباحة الأنفس على نحو لا يمكن تبريره على الإطلاق. ثم أوليس غريباً أن تتعدد حوادث الاغتيالات هذه وسط الطلاب حتى تحولت إلى طقس متجدد، ثم لا جهة مسؤولة لا في السلطة التنفيذية ولا في الأجهزة السياسية ولا التشريعية من يقف ليتصدي بمسؤولية لإيقاف نزيف الدماء.

ولا شئ أدلّ على الاستهانة بهذه التطورات الخطيرة من التعامل معها باستخفاف وكأنها تجري في بلد آخر، وليس في هذا البلد المنكوب بصراع عبثي لا نهاية له، كيف لا تتسابق أرفع الجهات المسؤولة لتدارك هذا الانزلاق المتسارع نحو فوضى العنف، ولا تجد سوى بيانات باهتة لا تقنع حتى كاتبيها دعك من أن تكون صالحة لمخاطبة هذا الخظر المحاق مشغولة بالبحث عن مشجب لتعليق الجريمة عليه بأكثر من الاهتمام من القيام بواجب مسؤولية وقف هذا الانفراط في السلم.

ليست القضية هي إثارة الجدل حول من تكون الأيدي الآثمة التي امتدت لتغدر بهذا الشاب في مقتبل العمر وبمن سبقه، وبغض النظر عمن تكون تلك الجهة، وليضع أي منا نفسه في مكان أسرته المكلومة وهي تعد الأيام والشهور لترى حصاد ثمرتها إبناً متسلحاً بالعلم فإذا بها تحصد اغتيال أحلامها، ماذا يفيدها إن كان الجاني هذا أو ذاك. ولا انحدار أخلاقي أكثر من الانشغال بالتبرير والبحث عن الأعذار في غياب الاستقامة عن معنى التشديد على حرمة الدم التي يهون أمامها هدم الكعبة.

وليست المسألة هي مسارعة تلك الجهة المسؤولة أو غيرها لتبرئة نفسها، أو محاولة تلك الجهة أو غيرها لاستغلال هذه الحادثة المأساوية لأغراض الكسب السياسي العارض على جسد الضحية، فكلنا في مركب واحد مسؤولون بالفعل أو الصمت عن تحول بلادنا إلى هذا المستنقع الآسن من الصراع العبثي، سيكون لهذا الحادث الأليم ولاستشهاد هذه الطالب البرئ ومن سبقه هلى هذا الدرب، معنى إن جعلنا من رحيله المفجع، وقفة مع النفس نراجع فيها جميعاً مواقفنا حاكمين ومعارضين ومواطنين ولنجعل القصاص الحقيقي من قاتله طريقاً للخلاص من بيئة الكراهية والعنف غير المبرر الذي غزا حياتنا وأصبح علامة مميزة لبلدنا.

فهذا جزء من كل وليس معزولاً فالعقلية المنتجة لثقافة العنف والكراهية وممارسته واحدة، وما وصول العنف إلى قلب الخرطوم إلا نتاج الصمت الطويل هنا على ما يحدث في غيرها في الأطراف، الذي ظل يشكو لسنين عدداً وما تداعينا له بالسهر والحمى، وعندما تدور عجلة العنف الأعمى فلا يظنن أحد أنه منها ناج. لننهض جميعاً إلى مهمة استعادة الوعي بأن الظلم لا يتجزأ، والعنف كذلك، وليقف الجميع موقفاً واحداً ضد الحرب وثقافة العنف والاستبداد.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

إبراهيم أحمد محمد عثمان 2017-05-25 14:44:07 بابكر فيصل بابكر boulkea@gmail.com خطَّ الأستاذ إبراهيم الميرغني الأسبوع الماضي كلمةً مكتوبة يرُّدُ فيها على ناقديه الذين تبادلوا صوراً له في رحلة صيدٍ بإحدى بوادي السودان، ولم نستسغ في نقدهم التطرُّق لشؤون شخصية (...)

لماذا السنوسي.. ؟ 2017-05-22 21:43:10 بقلم : عبدالحميد أحمد على مدى شهور ومنذ وفاة الشيخ الترابي ظل الجدل دائراً حول إمكانية حدوث انشقاق داخل المؤتمر الشعبي لكن ذلك لم يحدث بعد وإذ تباهت قيادة التنظيم في أوقات عديدة بصلابة وحدتهم واتفاق كلمتهم وعبورهم (...)

ترامب والبشير في الرياض.. متى مزاري أوفي نزاري.؟ 2017-05-18 14:10:36 بقلم :عبد الحميد أحمد على غير ميعاد أعلن البيت الأبيض، منتصف يناير- كانون الثاني رفعاً جزئياً للعقوبات الإقتصادية المفروضة على السودان وكان الرئيس باراك أوباما، في آخر أيامه بالبيت الأبيض قد بعث رسالة إلى الكونغرس أوضحت (...)


المزيد

فيديو


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)


المزيد


Copyright © 2003-2017 SudanTribune - All rights reserved.