الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الخميس 1 حزيران (يونيو) 2017

المتصوفة والوهابيون وبينهما الدولة

separation
increase
decrease
separation
separation

بابكر فيصل بابكر

boulkea@gmail.com
إستضافني الأستاذ الطاهر التوم في أول أيام شهر رمضان الكريم في برنامج "حواريات" على قناة سودانية 24 مع ثلاثة شيوخ كرام من المتصوفة لمناقشة تداعيات الأزمة الأخيرة بين الطرق الصوفية والحكومة على إثر منع السلطات للأوائل إقامة ندوة بقاعة الصداقة.

إشتكى الشيوخ من إنحياز الحكومة للجماعات الوهابية السلفية على حساب الصوفية، وذكروا أمثلة كثيرة تعكس ذلك، يتعلق معظمها بتمرير أجندة الأوائل في القوانين والقرارات التي تنبني على توجهات آيديلوجية مخالفة لمعتقدات و أفكار وتصورات الجماعات الصوفية، وكذلك إمتدت شكواهم للتجاهل الذي لحق بهم في القضايا السياسية العامة مثل الحوار الوطني وغيره.

لكل هذه الأسباب قرَّر أهل التصوف "رفع الدعم" عن الحكومة و توحيد صفوفهم من أجل إنتزاع حقوقهم المالية والمادية والمعنوية عبر خيارات متعددة كان من ضمنها إمكانية إنشاء "حزب سياسي" للمتصوفة.

في البداية لا بد من التأكيد على أمرين في غاية الأهمية، أولهما هو ما درجنا على ترديده على الدوام من أن التصوف يشكل "العمود الفقري" لما نسميه "إسلام أهل السودان"، فالصوفية هم الذين أدخلوا الإسلام للسودان، وحول نيران "تقابتهم" و "قبابهم" نشأت القرى والمدن في مختلف أنحاء البلاد،و كذلك هم الذين حافظوا على تماسك النسيج الإجتماعي، وكانوا أصحاب الأثر الأكبر في تكوين "الشخصية السودانية" بما بثوه من قيم التسامح والتكافل وغيرها.

الأمر الآخر وهو الذي ظللنا نطرق عليه منذ عدة سنوات والمتمثل في تنامي المد الوهابي بأشكاله المختلفة في المجتمع، وهو نمطٌ من التديُّن الصحراوي المُتشدِّد يُخالف ذلك الذي ترسَّخ في وجدان الشعب السوداني عبر مئات السنين بفضل الطرق الصوفية، وهو فوق ذلك يُمثل الأرضية والمنصة العقائدية و الفكرية التي إنطلقت منها الجماعات العنيفة والمتطرفة التي تسببت في تدمير بلاد بأكملها.

إزدهار التيار الوهابي في السودان تسببت فيه عدة عوامل كان من أولها موجات الإغتراب الكبيرة للسودانيين للسعودية ودول الخليج من بداية السبعينيات من القرن الماضي، إضافة للطفرة النفطية التي أعقبت حرب أكتوبر ضد إسرائيل وما ترتب عليها من فوائض مالية ضخمة تم توظيف جزء منها لبث الآيديلوجيا الوهابية في المنطقة العربية وبعض مناطق آسيا وافريقيا.

ولكن الموجة الأكبر لتنامي ذلك التيار في السودان بدأت مع "إنقلاب الإنقاذ" الذي قام به فرع حركة الأخوان المسلمين في السودان، وهى حركة سلفية في الأساس، وعندما تم رفع شعار "المشروع الحضاري" وتطبيق قوانين الشريعة، وجد التيار الوهابي ساحة مفتوحة للتبشير بأفكاره، وتيسَّرت له سبل العمل والحركة مع الدفع المالي الكبير الوارد من السعودية والخليج، فانطلق في مجالات العمل الخيري و الإجتماعي والثقافي، واقتحم ساحات الجامعات، وتوسع في بث خطابه عبر منابر المساجد وأجهزة الإعلام المختلفة.

غير أنَّ هناك سبباً آخر في غاية الأهميَّة ساعد في التمدُّد الكبير للتيار الوهابي، وهو الضعف الشديد الذي إعترى الخطاب الصوفي مما خلق فراغاً واسعاً في ساحة الدعوة الدينية إستطاع السلفيون أن يملئونه بكفاءة.

لم تستطع الطرق الصوفية مواكبة التحولات الكبيرة التي شهدها السودان، من حيث ظهور الأجيال الجديدة من الشباب الذي توسعت مداركه بتوسع فرص التعليم وبالتأثر بما يدور حوله في العالم بفضل ما أتاحته ثورة الإتصالات والتقنية، ومن حيث مواجهة التحدي الذي فرضه الوجود الوهابي الذي طرح على عقول الشباب أسئلة أساسية حول ما يسميه السلفيون "بدع" الصوفية.

ما زالت أدوات الإستقطاب لدى أهل التصوُّف محصورة في الليليَّة والحوليَّة، حيث الذكر الجماعي والإطعام، ومع أهمية ذلك، إلا أنه ما عاد يكفي للإجابة على الأسئلة الكبرى حول حقائق الدين، حيث ظهر عجز الطرق الصوفية البائن في مجال تأهيل الدعاة المُسلحين بالعلم والمعرفة الدينية، وحتى شيوخ تلك الطرق ما عادوا مثل أسلافهم من حيث الإلمام بمناهج أهل التصوف والعرفان.

ومن ناحيةٍ أخرى فقد آثر كثيرٌ من شيوخ الصوفية السير في موكب "السلطان" والإرتماء في أحضان السلطة بشكل كامل، والشاهد في هذا الأمر أنَّ أكبر "البيعات" التي تلقاها الحاكم في ظل الإنقاذ كانت هى تلك التي نظمتها الطرق الصوفية، وفي المقابل أغدقت السُّلطة على الكثير من هؤلاء الشيوخ بالأموال والسيارات الفارهة والتسهيلات البنكية وغير ذلك من الإغراءات.

صحيحٌ أنَّ هناك بعض الشيوخ تمسكوا بالموقف الأصلي لأهل التصوف والقاضي بالإحتفاظ بمسافة بينهم وبين الحكام، وهو الموقف الذي وسم معظم تاريخ التصوف السوداني، إلا أنَّ هؤلاء يشكلون أقلية محدودة.

لهذا السبب تركز حديثي في الحلقة حول ضرورة إصلاح الخلل "الداخلي" في البيت الصوفي في المقام الأول، ومن ثم يُمكن النظر في المهددات الخارجية، وهذا لا يتم بالسعي لتكوين "حزب سياسي" يمثل مصالح الصوفية، فهذه مغامرة كبيرة تهدد بوقوع المزيد من الخلافات بين الجماعات الصوفية، فالسياسة شأنٌ يقوم على القوة والصراع، وهى عالمٌ تحركه المصالح وليس الأخلاق، وهذه أمورٌ ستصرفُ أهل التصوف عن رسالتهم الحقيقية في التربية وتطهير القلوب وغرس القيم الفاضلة.

كما أنّني أشرتُ كذلك إلى تجربة إنغماس بعض الطرق الصوفية في العمل السياسي، وضربتُ مثلاً بالطريقة الختمية والحزب الإتحادي الديموقراطي، حيث أوضحتْ تلك التجربة المستمرة منذ أكثر من ستين عاماً أنَّ دخول تلك الجماعات في العمل السياسي المباشر يُلحق ضرراً بالغاً بالحزب وبالطريقة معاً.

فأسلوب إدارة الحزب يقوم على الديموقراطية وحرية الرأي، والترَّقي فيه يكون بالعطاء والكفاءة، بينما الطريقة تُدار من أعلى بواسطة الشيخ، وليس للأتباع إلا أن يكونوا بين يديه مثل "الميت" بين يدي غاسله، والترقي فيها لا يخضع إلا لمعيار "الوراثة" أو "الإصطفاء" الذي تتحكم فيه تجليات باطنية و إلهامية.

وبالتالي فإنه ونتيجة لهذه الإختلافات الجذرية في طبيعة تكوين الحزب والطريقة الصوفية، فإنّ التداخل بينهما سيؤدي في خاتمة المطاف لإعاقة نمو الأحزاب بصورة سليمة، وكذلك تكون نتيجته تراجع الطريقة الصوفية وتدهور شعبيتها بسبب تركيزها وانشغالها بالجانب السياسي وإهمالها الشأن الديني الذي يُمثل مصدر قوتها الأساسية.

ومن ناحيةٍ أخرى فقد أوضحت تجربة مساندة غالبية الطرق الصوفية لحكومة الإنقاذ أنه لا يتوجب على تلك الطرق التعويل على السلطة في تحقيق رسالتها أو تأمين حقوقها المالية والمادية، ذلك لأنَّ تحالفات أهل السلطة تتغير بتغيُّر المصالح، وهو الأمر الذي وقع مؤخراً مما جعل الصوفية يشتكون من تفضيل الحكومة للسلفيين، وتجاهلها للدعم الذي قدمته الطرق الصوفية للحكومة طوال فترة الإنقاذ الممتدة لحوالى ثلاثة عقود.
ومن يستعنْ فى أمره غير نفسه يخنهُ الرفيقُ العونُ فى المسلك الوعر

من المُهم كذلك الا تتدخل "الدولة" لمساندة طرف على الأطراف الأخرى في أمور الدعوة الدينية، ومن هنا تتبيَّن أهمية القاعدة التي تقول بأنَّ الدولة يجب أن تحتفظ بمسافة متساوية من الأديان والفرق والمذاهب المُختلفة والا تسعى للتلاعب بعلاقتها مع هذه الأطراف من أجل تحقيق مكاسب سياسية راهنة يكون لها أثراً سلبياً خطيراً في المستقبل.

مرَّة أخرى نقول أنَّ التصوُّف يمثلُ الأساس الذي تشكل عليه إسلام أهل السودان، وأنَّه من مصلحة البلد – خصوصاً في هذا الوقت - إستمرار الطرق الصوفية في لعب الدور الذي ظلت تقوم به منذ مئات السنين في تذكية النفوس وتقويم الأخلاق ، ذلك لأنَّ هذا المضمار "الأخلاق" قد وقعت فيه تحولات خطيرة في العقود الثلاثة الأخيرة بسبب القيم السالبة التي أفرزها الحكم الأوتوقراطي المتلبس بلبوس الدين.

ومن جانبٍ آخر فإنَّ أهمية التمسُّك بالنهج الصوفي تتضاعف مع النمو المتسارع للفكر الوهابي، وهو فكر متشدِّد و أحادي الإتجاه، لا يقبل الآخر المُختلف ولا يتعايش معه، بعكس الرؤية الصوفية المتسامحة، ولكن ذلك التمسك لن يكون مفيداً إذا لم يركز أهل التصوف في علاج المشاكل "الداخلية" التي تعتري كيانهم، وإذا لم يطوروا خطابهم و مناهجهم عبر الأطروحات التي تخاطب عقول الأجيال الجديدة دون الإكتفاء بالأساليب المتوارثة التي تجاوزها الزمن.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

القرار الخطيئة 2017-12-07 20:50:12 بقلم: الصادق المهدي إنه عطاء من لا يملك لمن لا يستحق. فالرئيس الامريكي في فترة وجيزة صنف نفسه عنصرياً، إثنياً، وعدواً دينياً للمسلمين، وجهولاً بمسؤولية البشر عن سلامة البيئة، وقدم برهاناً ساطعاً بخطر خلو الذهن السياسي (...)

الكارثة والفرصة في اليمن 2017-12-06 19:18:26 بقلم: الإمام الصادق المهدي قُـتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، رحمه الله وأحسن عزاء أسرته وحزبه وأهلنا في اليمن، فقتلى طرفي الحرب الأهلية خسارة للوطن اليمني الجريح. (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ). (...)

صباح الخير.... الانتخابات 2017-12-06 06:23:07 مبارك أردول لا مجال للتخبي خلف الإجابات الكسولة والجاهزة (مقاطعين وحردانين )، النظام معروف هو نظام مستبد وشمولي، والمعارضة ماعندها حاليا برنامج مشترك بأنشطة يومية تصب في مصلحة التغيير، فالتغيير لن يأتي من السماء بل يجب أن (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

ورقة د. غازي صلاح الدين العتباني في ورشة عمل الانتخابات ومستقبل الممارسة السياسية بعنوان "آفاق الممارسة السياسية في السودان" 2017-12-08 14:32:35 بسم الله الرحمن الرحيم آفاق الممارسة السياسية في السودان "تحديات الإصلاح السياسي في السودان بتصويب نحو إصلاح الحركة السياسية الحزبية" بسم الله الرحمن الرحيم، نحمده على نعمه التي لا تعد، ونسأله أن يجمعنا على الهدى ويدلنا (...)

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)


المزيد


Copyright © 2003-2017 SudanTribune - All rights reserved.