الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الخميس 21 أيلول (سبتمبر) 2017

المعاني في المباني

separation
increase
decrease
separation
separation

بابكر فيصل بابكر
boulkea@gmail.com

أعيد نشر هذا المقال بمناسبة إنهيار فصل بمدرسة "شادية سالا" بالكاملين الأسبوع الماضي بعد أن تم ترميم مبانيها بمبلغ 1.7 مليون جنيه ( وقع الانهيار قبيل دخول الطالبات للفصل بحوالي ساعة فقط ) وقد شاهدتُ حلقة تناقش القضية في قناة الشروق ضيفاها إثنان من أعضاء المؤتمر الوطني، أحدهما معتمد المحلية المعنية والثاني عضو بالمجلس التشريعي، وقد تبادل الإثنان الإتهامات وكأنهما لا ينتميان سوياً للحزب "القائد للوطن الرائد" !

***********

قبل ثمانية أعوام إنهار مبنىً مُكوَّن من أربعة طوابق يتبعُ لجامعة الرِّباط قبل إفتتاحهِ، وقد شغل ذلك الحادث الرأي العام لفترة طويلة لأنهُ للمرَّة الأولى في تاريخ السودان الحديث ينهارُ مبنىً حكوميٍ لأسباب تداخل فيها الغش مع التلاعب والإهمال.

لم يقع ذلك الحادث فجأة، ولكنهُ كان مُحصِّلة منطقية لسياساتٍ حُكوميِّة قصديِّة إستهدفت تحطيم بنية الخدمة المدنيَّة وبيروقراطية الدولة بإعتبارها موروثٌ "إستعماريٌ" يتناقضُ مع أهداف وغايات البرنامج الرِّسالي الهادف "للتمكين" الإسلامي على مستوى الأفراد "إعادة صياغة الإنسان"، والدولة "المشروع الحضاري".

رهانُ ذلك البرنامج الرِّسالي على تغيير الخدمة المدنية سار على محورين، أولهما إحلال الكادر "الزاهد التقي والورع" الموالي للنظام محل الموَّظف الحكومي المهني "الخبير الكفء المؤهل"، وثانيهما إزالة جميع الكوابح الخارجية المُتمثلة في القوانين واللوائح والنظم والقواعد التي تحكم عمل تلك البيروقراطيَّة والتي رسخت عبر خبرة متراكمة إمتدَّت لعشرات وربما مئات السنين من تاريخ الدولة الحديثة.

إنتهى حادث مبنى جامعة الرِّباط بالكيفية التي إنتهى بها، ولكن نتائج تلك السياسات التي ظلت تعمل لأكثر من عقدين من الزمان ما زالت مُستمرَّة تؤتي أكلها حتى يومنا هذا، ذلك لأنها – أى السياسات - فشلت في إيجاد كادر "ملائكي" يسُدُّ فراغ القوانين الموؤدة، حيث تبدى جلياً أنَّ البشر هُم البشر في كل زمانٍ و مكان، تفسدهم السُّلطة، وتصيبهم أدواء المحسوبية والرِّشوة والفساد وشراء الذمم، ولا يكفي في ردعهم التعويلُ فقط على الصفات "الذاتية" مثل الورع و الزهد و الضمير، بل يتوَّجبُ أن تفرض عليهم كوابحَ خارجيَّة موضوعية (نظم ولوائح وقوانين) تعملُ على ضبط إنحرافاتهم.

ذات الحادث المأساوي الذي وقع لمبنى جامعة الرِّباط تكرَّر – للأسف الشديد - الشهر الماضي في مبنى "مستشفى السرطان" بمدينة ودمدني، وهو مبنى حديث التشييد، حيث صدر قرارٌ بإخلاء أجزاء كبيرة منهُ بعد تصدُّعها. وقد كشف مصدرٌ طبيٌ لهذه الصحيفة عن ( إختفاء الخرائط التي نفذ المقاول بموجبها المبنى).
حوادث إنهيار المباني الحُكومية تكشفُ بوضوح عن فوضى ضاربة الجذور في أعمال التصميم الهندسى، والكيفية التي تمنح بها العطاءات، والتعامُل المالى مع المقاولين، وفاعلية أجهزة الإشراف وكفاءتها المهنية.

لتوضيح التحوُّل الكبير الذي طرأ على نظم وقواعد وأساليب عمل الخدمة المدنيَّة، سنعرضُ في هذا المقال لمثالين أحدهما يُبيِّن الطريقة التي كانت تعملُ بها البيروقراطية الحُكومية التي وضعت أسسها الإدارة البريطانيَّة و حافظت عليها كل الحُكومات الوطنية التي سبقت الإنقاذ، والمثال الثاني يوضِّح النهج البديل الذي إستحدثتهُ الحكومة الحالية والذي نتج عنه تكرار حوادث إنهيار المباني.

صدر كتاب في عام 2004 بعنوان ( كل شىء ممكن : سنوات في السودان ) لمؤلفه المهندس المعماري البريطاني "أليك بوتر" وبترجمة "الزبير علي".

جاء البروفيسور بوتر للسودان في أغسطس 1958 لإنشاء قسم للعمارة بكلية الهندسة جامعة الخرطوم، وأقام ثمانية أعوام أنجز فيها مهمته ومن ثم عاد إلى بريطانيا.

من أهمَّ القِّصص التي تناولها البروفيسور بوتر عن تجربته في السودان قصِّة تشييده لقاعة الإمتحانات الكبرى بجامعة الخرطوم، والتي نفذها بنهج حديث مُستخدماً مواداً محليَّة : الطوب الأحمر، وخشب المهوقني.
كشف الكتاب مدى الجهد والعناء العظيمين اللذين بُذلا في تصميم وإقامة القاعة ،( فالإستعدادات والخطوات التمهيدية التي سبقت قيام القاعة ، تسجِّل ملحمة رائعة من ملاحم الإخلاص والتفاني والمثابرة وتقدير المسؤولية وأبطالها هم : البروفيسور ( بوتر ) والإداريون السودانيون الذين كانوا معه بالجامعة آنذاك).

قال المؤلِّف أنَّ مُهمِّتهم الأولى تمثلت في طرح العمل في "عطاءات" بحسب الطرق المُتبَّعة في السودان. وقد فاز بالعطاء السيِّد "جابر أبو العز" على مُنافسيهِ الخمسة بفارق كبير في السِّعر، وكان منافسوه ثلاث شركات سودانيَّة، وشركة واحدة بريطانيَّة، وأخرى مصريَّة. و قد وصف البروفيسور بوتر المُقاول "جابر أبو العز" بأنهُ ( رجلٌ حاد الذكاء وذا حاسَّة مهنيَّة خارقة).

يعكسُ هذا المثال حالة نموذجيَّة من حالات العمل الإداري الذي تحكمهُ القوانين، ويتم فيه طرح المشروع بشفافية عالية في عطاءات "بحسب الطرق المُتبَّعة". فالمقاول الذي فاز بالعطاء كان "سودانياً" صاحب حاسة "مهنيَّة" خارقة تفوَّق بها على شركات بريطانية ومصريَّة، وقد تم إختياره لأنهُ صاحب السعِّر الأقل دون مُحاباة أو تمييز بسبب صداقة أو صلة قرابة أو توجه سياسي أو إنتماء جهوي.

وقد كانت نتيجة إتباع تلك الإجراءات السليمة هى نجاح العمل وإكتمال تحفة معمارية متمثلة في قاعة إمتحانات الجامعة ظلت صامدة حتى يومنا هذا ( أكثر من نصف قرن) دون "شق أو طق" رغم أنها مُشيَّدة بالطوب الأحمر وخشب المهوقني !

أمَّا المثال الثاني فيرويهِ المهندس "عبد الله الشقليني" الذي كان يعملُ باالمكتب الهندسي بجامعة الخرطوم في بدايات عهد الإنقاذ، والذي يقول أنَّ مُدير الجامعة في ذلك الوقت أبلغهم أنه تلقى أمراً لإنجاز تأهيل مطاعم الجامعة في مُجمَّعات الوسط والطب وشمبات خلال عشرين يوماً، وأنهُ إستفتى من أشار إليه بأنَّ تأهيل المطاعم سيكلف مائة ألف جنيه ( كان ذلك قبل عام 1990). وفي مُخالفة للنظم والأعراف الراسخة في كيفية طرح العطاءات قام مدير الجامعة بإختيار ثلاثة مقاولين وزَّع عليهم قائمة الوحدات.

يقول الشقليني أنَّ مدير الجامعة ( حدَّد ميعاداً للمُقاولين لتسليم عروضهم جميعاً في اجتماع مفتوح ترأسهُ هو، و تمَّ إستدعاء السيد كبير المهندسين ، ومساعدوه ، وهم : الراحل المهندس حسن سيد إمام و شخصي والمهندس قاسم ، والمراقب المالي للجامعة و وكيل الجامعة ).

ويضيف ( لأول مرة تطرح الجامعة عرض تفاوضي غريب الأطوار ليس له مثيل : أن يتم إستدعاء المتناقصين الثلاثة لتقديم عروضهم لمدير الجامعة وعليها أختامهم ، ثم يفتح المدير العروض ويتم استعراض أسعار كل منهم في حضور الاجتماع ومناقشة كل بند من بنود العمل ، ويقترح المدير سعراً وفق ما يرى، ومن بعد النقاش المفتوح يتم تحديد السعر النهائي بموافقة المقاولون الثلاثة ).

قبل أن ينفضَّ الإجتماع – يقول الشقليني - طلب مدير الجامعة من رئيسنا المباشر : كبير المهندسين حسن إمام أن يوَّقع العقد مع المقاولين الثلاثة ولكن المهندس حسن فاجأه بالرد التالي :
( سيادة المدير ، ليس من صلاحيتي توقيع عقود وفق ما تمَّ اليوم ، فأنا سكرتير للجنة العطاءات وتضم اللجنة عميد كلية الهندسة رئيساً، و عضوية عميد كلية القانون ورئيس هندسة العمارة ورئيس وحدة المباني ومندوب إدارة المشتريات ومندوب لجنة تمويل التعليم العالي والمراقب المالي لجامعة الخرطوم والجهة المنتفعة وتقوم بأعمالها وفق نظم العطاءات وتبنى على أسس مُحاسبية وليست لدي مثل تلك الصلاحيات التي بموجبها استدعيت أنت المقاولين المذكورين بدون سابق خبرة وبدون مشورة الجهاز الهندسي في الجامعة وبدون اجتماع لجنة العطاءات ، و إني أعتذر إذ أنَّ صلاحيتي لا تمنحني توقيع مثل هذه العقود ، ولكنك كمدير للجامعة وفق السلطات الممنوحة لك كما ذكرت فأنت المخول لتوقيع مثل تلك العقود ، وستقوم الإدارة الهندسية بتجهيز التفاصيل الهندسية التي تمكن إدارة الجامعة من إدارة الإشراف على تنفيذ هذه المشاريع الطارئة وفق توجهات الدولة ، وننبه بأنه وفق تلك العقود يتعين توفير ميزانية وذلك لعدم توفر جدول كميات مُفصَّل ، وسنقومُ نحنُ في الإدارة الهندسية بالإشراف على التنفيذ ، وسنعدُّ الجداول المُفصلة بتفاصيل أعمال التأهيل ورفد العمالة المختصة لدينا لتقوم بقياس الأعمال وفق النظم الهندسية ).
وجم الجميع – يقول الشقليني - من سلاسة تعبير المهندس الراحل حسن إمام ورصف الحديث بخبرة من تخرَّج عام 1958 من كلية الهندسة جامعة الخرطوم حين كانت تُمنح درجة بكلاريوس التخرج من جامعة لندن. بعد ذلك تحدَّث المهندس قاسم عن أنه ( توجد لدينا ورشة مؤهلة لتنفيذ أعمال التأهيل في الجامعة ولديها الورش اللازمة والخبرة وهي تقوم حالياً بتنفيذ ذات الأعمال لجميع منشآت الجامعة ويمكننا إلزامها بتنفيذ أية قاعات يتم اختيارها ، لتنفذ في ذات المدة الممنوحة للمقاولين ).

ولكن ماذا كانت نتيجة الكلام "المهني" الذي قالهُ المُهندسان حسن وقاسم والذي إتسَّم بالصِّدق والشجاعة وتقدير المسئولية ؟ في نهار الخميس السادس عشر من يناير 1991 وعند الواحدة من بعد الظهر وصلت وُريقتان بالإحالة للصالح العام لكلٍ من المُهندس قاسم ولكبير مهندسي الجامعة الراحل حسن سيد إمام !

تُرى كم هو عدد المهنيين الوطنيين المُخلصين الذين تمت إحالتهم للصالح العام أسوة بالمهندسين حسن وقاسم وخسرت البلاد خبراتهم إلى الأبد ؟ وكم خبير أجنبي كفء مثل البروفيسور بوتر لم يتم إستجلابهِ لأنهُ لا يعرفُ "اللف والدوران" ؟ وكم مقاولٍ حاد الذكاء صاحب حاسَّة مهنية خارقة مثل المرحوم جابر أبو العز تمَّ إستبعادهُ من سوق العمل لأنهُ غير موالٍ للمشروع الحضاري ؟

قد أثبتت خبرة و كفاءة ومهنيَّة وأمانة أمثال هؤلاء الرِّجال ( المُهندسان حسن وقاسم، البروفيسور بوتر والمقاول جابر أبو العز) إمكانية صمود خشب المهوقني أكثر من الأسمنت الحضاري المُسلح، فتأمَّل !

ولا حول ولا قوة إلا بالله


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

شبح الحركة الإسلامية (2-2) 2017-10-23 16:26:06 كتبت : سلمى التجاني ( 1 ) كانت ليلة توزيع المصاحف الشهيرة علامة فارقة في مسيرة الحركة الإسلامية السودانية ، ففي الرابع من ديسمبر من العام 1990 م إجتمع الدكتور حسن عبدالله الترابي بمجموعةٍ مختارة من القيادات الهامة (...)

اطلاق عملية تجديد واعادة بناء الحركة الشعبية – شمال 2017-10-23 05:31:42 تجسير و ربط الماضي بالحاضر اطلاق عملية تجديد واعادة بناء الحركة الشعبية و الجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال مالك عقار اير نقانيوفا رئيس الحركة الشعبية و الجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال سبتمبر 2017م "يجب امتلاك مقاربة (...)

نحـو ميـلادٍ ثانٍ لـرؤية الســودان الجـديد 2017-10-23 05:23:11 قضـايا التحـرر الوطـنى فى عالـم اليـوم ياســر عــرمــان 20 سبتمبر 2017 المـحتـويات 1. الخلـفية التـاريخية والإطـار النظـرى للتجـديد 2. مـلامـح من تكوين الحـركة الشعبية فى السودان 3. الحـركة الشعبية والمناخ الوطنى (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)


المزيد


Copyright © 2003-2017 SudanTribune - All rights reserved.