الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 17 شباط (فبراير) 2019

النُصح بمُنعرج اللّوى لعلهم يستبينوه ضحى الغد

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم: أ.د. الطيب زين العابدين
altayib39alabdin@gmail.com

أكملت الاحتجاجات الشبابية الهادرة شهرين كاملين عمّت فيهما القرى والمدن وجابت الشوارع والأحياء والميادين، وصمدت بجرأة فائقة أمام القنابل المسيلة للدموع والضرب المبرح بالخراطيش والرصاص الحي والاعتقالات الجماعية التي تخللها التعذيب حد الموت.

اتسمت هذه الاحتجاجات القوية بصفات ميزتها عمّا قبلها هي: أن العنصر الغالب فيها هم الشباب من الجنسين وأن المرأة احتلت موقعا متقدماً فيها، وأنها شملت العاصمة وكثيرا من الولايات بل إن بعض الولايات كانت هي المبادرة قبل العاصمة في مقدمتها عطبرة عاصمة السكة الحديد، وأنها استمرت لمدة غير مسبوقة في تاريخ السودان، وأن الهدف المنشود منها كان واضحاً أمام المتظاهرين وهو إسقاط النظام القابض على إدارة البلاد منذ ثلاثة عقود هي الأطول في تاريخ السودان قدّم فيها نموذجاً بائساً وفاشلاً في إدارة الدولة، وأن تصميم الشباب وإرادته ازدادت قوة وصلابة مع مرور الأيام ولن يثنيها اعتقال أو ضرب أو تعذيب عن تحقيق مبتغاها الواضح أمام عينيها. وكانت الاحتجاجات نموذجاً نادرا للبدء في الوقت المحدد والمكان المحدد رغم حشود رجال الأمن الذين يحيطون بالمكان من كل جوانبه، ولم يخل التنفيذ من تكتيكات إبداعية جهجهت تدابير رجال الأمن. ولعل السمة الأهم بين هؤلاء الشباب هي عدم انتمائهم لتنظيمات سياسية قديمة أو جديدة لذلك جاءت استجابتهم سريعة وصادقة لمناداة تجمع المهنيين السودانيين الذي أحسن الاتصال والتنظيم، وما كان ذلك سيحدث لدعوات الأحزاب التقليدية. إن هؤلاء الشباب جيل جديد بثقافة جديدة يمتلكون مقدرات وإمكانات جديدة، ويعتقدون أن من حقهم التمرد على الجيل القديم (كل الجيل القديم) في سلطويته وسلوكه في مجالات الحياة المختلفة، وعلى رأس الجيل القديم النظام السياسي الحاكم بقمعيته وفشله في توفير وسائل كسب العيش وتقديم الخدمات الضرورية للمواطنين، وفرضه لأيدولجيته الدينية في مظاهرها الشكلية دون قيمها الإيمانية النبيلة، مما دفع أرتال عديدة من الشباب إلى الهروب خارج البلاد يسلكون في سبيل ذلك كل وسيلة مهما عُظمت أخطارها على حياتهم ومستقبلهم. هي حالة أشبه بحرب الأجيال والثقافات منها بالتمرد العارض على سلطة سياسية فاشلة، لذلك اخترقت تلك الروح الجديدة كل الكيانات الاجتماعية بما فيها التكوين الأسري المتماسك في السودان. ما عادت العلاقة بين الأب وأبنائه وبناته كما كانت عليه قبل عقدين أو ثلاث ضعفت سلطة الأب وزاد هامش سلطة الأبناء حتى وهم يعتمدون على الأب في معاشهم. لقد فوجئ صديقي الموالي للنظام أن طفلته (المفعوصة) ذات الستة أعوام تنادي أمامه بشعار الثورة "تسقط بس"، وعرف فيما بعد أن بعض أبنائه الكبار ذهب في ذات الاتجاه! ويقول بعض المراقبين أن عدداً مقدراً من أبناء وبنات المتنفذين في السلطة يتظاهرون مع المحتجين ويساقون مثل غيرهم إلى أماكن الاحتجاز وينالهم شيء من الإهانة والضرب حتى يتعرف عليهم الضباط المسئولون فيعجلون بإخراجهم قبل أن يتصل بهم الأب المتنفذ!جاء رد الحكومة على التظاهرات الشبابية عنيفاً في جانبه الأمني وضعيفاً في جانبه السياسي والاقتصادي، لم تقدم الحكومة أطروحة سياسية تخاطب بها مطالب الشباب كل ما قالته هو دعوة الشباب إلى الحوار دون تحديد أجندة أو توقيت أو منهجية لذلك الحوار.

ولا يغيب على الشباب أو قياداتهم تجربة الحوار الوطني الذي خاضته الحكومة مع الأحزاب الصغيرة والحركات التي عقدت معها اتفاقيات سلام لم تجد حظها من التنفيذ. فقد جاء في تقرير اللجنة الطارئة لمجلس الولايات الذي صدر في ديسمبر الماضي أن نسبة تنفيذ مخرجات الحوار الوطني لم تزد عن 22 في المئة، واشتكى المؤتمر الشعبي الذي كان أكثر المتحمسين للحوار أن الحكومة لم تنفذ المخرجات الهامة ذات الصلة بالحريات وحقوق الإنسان ومحاربة الفساد وخصخصة الشركات الحكومية وتقليص سلطات جهاز الأمن، كما اشتكت حركات دارفور الموقعة على اتفاقية الدوحة أن تنفيذها كان ضعيفا بعد مرور عدد من السنوات على توقيعها وذلك رغم الدعم المقدر الذي قدمته دولة قطر في سبيل تنفيذ الاتفاقية. لقد فقدت الحكومة مصداقيتها تماما مع معارضيها ومؤيديها في الالتزام بما تتعهد به، يشهد على ذلك برنامج إصلاح الحزب والدولة الذي أجازته أجهزة الحزب الحاكم في كل مستوياتها منذ 2014 وما زال يرقد دون تنفيذ في الأدراج المقفلة. ومنذ اندلعت الاحتجاجات الشبابية قبل شهرين لم يستطع الحزب الحاكم أو حركته الإسلامية أو فروعه الشبابية والطلابية والنسائية والنقابية التي يُغدق عليها من أموال الدولة أن تُخرج مظاهرة واحدة تجوب شوارع العاصمة تأييدا لحزبها الذي ينضوي تحت لوائه أكثر من خمسة مليون عضو كما يدعون! وأنّى لحزب أن تكون له فاعلية حقيقية إذا كانت كل قياداته التنفيذية من نائب الرئيس لشؤون الحزب إلى رئيس الحزب بالولاية إلى قواعده الدنيا في طلاب الجامعات يتم تعيينهم من أعلى الهرم مثلهم مثل صغار الموظفين! اكتفى النظام بقيادة الرئيس شخصيا أن يحشد مواكب محدودة في بعض المدن من طلاب الخدمة الوطنية والعشائر الممثلة في حكومة الولاية وبعض الموظفين في الدولة وكتائب الإسناد المستترة بما في ذلك اختطاف حولية صوفية راتبة للطريقة القادرية بقرية الكريدة جنوب الدويم! هل هذا كل السند السياسي الذي يقدر عليه الحزب الذي سيطر على مقدرات البلاد لثلاثة عقود متوالية؟ والذي يدعي أنه النموذج الأمثل للأحزاب في العالم؟ أما محاولة حل الأزمة الاقتصادية فقد كان عن طريق جرعات مؤقتة في توفير الدقيق والوقود وفشلت تماما حتى الآن في حل ضائقة السيولة رغم طباعة أوراق نقدية جديدة من فئة المئة جنيه والمئتين، ويبدو أن هذه النقود لم تدخل المصارف وقد لا تدخل بعد فقدان ثقة العميل في المصارف لأنها لا تلتزم له بدفع ماله الذي أودعه طواعية لديها.

وستستمر الأزمة الاقتصادية لفترة طويلة نسبة للسياسات الخاطئة المتراكمة التي اتبعتها الحكومة والفساد المستشري في كل أجهزتها من القمة إلى القاعدة، يشهد عليه سنويا تقرير المراجع العام لحكومة السودان.إذا كان وضع البلاد الحالي مسدود الأفق منغلق على نفسه في ظل مطالب المتظاهرين الطموحة للتغيير الشامل وتمسّك الحكومة في استمرار الأوضاع كما هي وكأن شيئاً لم يحدث، توهماً منها أن الاحتجاجات ستنحسر وتنتهي بعد مرور أيام أو أسابيع حين يستنفد الشباب طاقاتهم بالكر والفر في حر الهجير الساخن وينالون قدرا من "التأديب" على سوء سلوكهم! لكني أظن أن العكس قد يحدث وهو أن تستنفد المظاهرات طاقات القوات الأمنية التي ترابط ساعات طويلة قبل الاحتجاجات وبعدها في أماكن عديدة نهارا وليلا! ومقابل ماذا يتحملون وزر ضرب الشباب وتعذيبهم؟ خاصة إذا شعروا أن الثورة قد تنتصر في وقت قريب. إذن ما هي السيناريوهات المتوقعة لما سيحدث في السودان
لمعالجة الأزمة المتفاقمة:

1- أن يدرك الجيش السوداني أن النظام قد فقد شرعيته السياسية التي يدعي كسبها في الانتخابات، وأن الحراك الشبابي الضخم هو الذي يمتلك الشرعية الشعبية بحق، وأن استمرار الأوضاع المضطربة كما هي خطر على كل مؤسسات الدولة بما فيها القوات النظامية. ويتوجب عليه حينئذ أن يتدخل لإزاحة هذا النظام الذي استلم السلطة بانقلاب عسكري واستدامها بالبطش والاستبداد ونهب الأموال، وذلك حماية لأمن المجتمع السوداني من انتشار الفوضى والعنف اللذان يمثلان خطراً حقيقيا على البلاد كما حدث في بلاد أخرى.

2- أن يدرك الحزب الحاكم أن استمرار الأوضاع كما كانت أمر مستحيل وستكون نتيجته كارثية بالنسبة له وللدولة، ومن ثم عليه أن يدخل فورا في مفاوضات جادة مع قيادات الحراك الشبابي والقوى السياسية للتنازل عن الحكم وفق معادلة سلمية تجد الموافقة والتعضيد من القوات النظامية والقضاء.

3- أن يصعّد الحراك الشبابي مقاومته المتطاولة إلى اعتصامات مدنية ثم إلى اضراب سياسي مفتوح يؤدي إلى وقف أعمال الدولة تماما في كل أنحاء البلاد مما يُجبر الحكومة على التنحي. وهذه مرحلة تحتاج إلى إجماع وطني وإلى جهد جبار في كل أجهزة الدولة ومفاصلها لأن فشلها يعني نهاية الحراك وهزيمة أهدافه! ولا ينبغي للحراك أن يخوضها إلا إذا تأكد من نجاحها بنسبة كبيرة.

4- أن تستطيع الحكومة شق صفوف الحراك الشبابي بأساليب متعددة ترغيبية وترهيبية مما يؤدي إلى فركشته وضعف نشاطه وانحسار تأثيره، ومن ثم الإنقلاب عليه بضربات قاضية لا تبقي ولا تذر.لا أستطيع أن أجزم أي هذه السيناريوهات سيتحقق في نهاية المطاف لكني من دعاة التغيير ومن دعاة تجنب الفوضى والعنف في البلاد لذلك أميل إلى الخيار الأول، ونسأل الله الخير والعافية لهذا البلد المنكوب في نخبته السياسية منذ سنوات طويلة.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

المجلس العسكري.. المطلوب (خطوات تنظيم ) !! 2019-05-21 15:34:08 محمد عبدالقادر يظل الرهان قائما علي المجلس العسكري الانتقالي الذي انحاز في لحظة تاريخية ومفصلية الي خيار الحرية والتغيير، حقن الدماء واختار حماية الثوار وتوفير الملاذ الامن لبذرة الانتقال نحو العهد الجديد. كنت ومازلت (...)

المجلس العسكري الإنتقالي والرهان على الصادق المهدي وصفقة القرن!! 2019-05-21 14:07:04 شوقي إبراهيم عثمان لقد أنفضح المجلس العسكري الإنتقالي حين أخذ يماطل بنعومة مدروسة عدم تسليمه السلطة السيادية للمدنيين، ووضع نفسه في موضع الشبهة والشك، بعدم الإستجابة لمطالب ثورة الشعب السوداني المنتفض، وبوضعه العصي في (...)

السودان- خمسة جيوش وقضايا الديمقراطية والأمن والمواطنة 2019-05-20 23:56:49 الحلقة الثالثة والأخيرة 21 مايو 2019م ياسر عرمان قضية جديرة باهتمام المجتمع المدني والسياسي:- ملخص الحلقة الثانية التي نشرت بتاريخ 25 أبريل 2019: الاعتصام أمام القيادة العامة يحمل دلالتين ورمزيتين في تكامل وتضاد، (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.