الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الجمعة 14 آب (أغسطس) 2015

الوطن عند أهل الإسلام السياسي

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم بابكر فيصل بابكر
boulkea@gmail.com

في حوار أجرتهُ صحيفة "التيار" الأسبوع الماضي مع القيادي بحركة "الإصلاح الآن" مبارك الكودة قال أنَّ ( قضية الوطن ليست واضحة في مانفيستو الإسلاميين)، وسخر من مسألة وحدتهم، مشيراً إلى أنه لا يوجد ما يُبررها خصوصاً وأنّهم ( لم تفرِّقهم السُّلطة بل فرَّقتهم الفكرة الخاطئة).

قد أشرتُ في مناسبات عديدة إلى أنَّ أزمة فصائل الإسلام السياسي المختلفة، وعلى رأسها "الأخوان المسلمين" هى في جوهرها أزمة بنيوية تتولد عن التصورات والمفاهيم والعقائد (الآيديولوجيا) و ما تنتجهُ من تنظيم وممارسات لن تكون نتيجتها النهائية سوى الفشل بغض النظر عن نوع النظام الذي تعمل فيه- ديموقراطية أو شمولية.

وفي هذا الإطار كنتُ قد أوردتُ سؤالاً مُهِّماَ عن حكام السودان الإنقاذيين طرحه عبقري الرواية الراحل "الطيب صالح" : ( ألا يُحبُّون الوطن كما نُحبُّه ؟ إذاً لماذا يحبُّونهُ وكأنَّهم يكرهونهُ ويعملون على إعمارهِ وكأنّهم مُسخّرون لخرابهِ ؟ ).

الأفكار الأساسية للإخوان المسلمين لا مكان فيها للوطن ، فالعضو يتربى على مقولات سيِّد قطب التي تنكر "الوطنية" ولا تعترف بأية رابطة سوى رابطة الإسلام، وهو القائل : ( لا رابطة سوى العقيدة، ولا قبول لرابطة الجنس والأرض واللون والوطن والمصالح الأرضية والحدود الإقليمية إن هى إلا أصنامٌ تعبدُ من دون الله).

وقد ترجم مرشد جماعة الأخوان المسلمين السابق في مصر، محمد مهدي عاكف، الموقف المبدئي لجماعته من مفهوم الوطن عندما قال عن بلده الذي ولد وتربي وعاش فيه : (طز في مصر) في معرض حديثه عن رابطة العقيدة وعلوها على كل شىء سواها.

وكان الإمام حسن البنا طرح طريقة إنتقال الجماعة من واقع "الإستضعاف" إلى قوة "التمكين" عبر ست مراحل تبدأ بالفرد ثم الأسرة ثم المُجتمع ثم الدولة ثم الخلافة الإسلاميَّة وأخيراً "أستاذية" العالم.

من الجلي أنَّ "الوطن" لا يُمثل بالنسبة للجماعة السقف النهائي الذي يجب أن تتوجه كافة جهودها لخدمة مصالحه بل هناك تقاطعات و مصالح أهم من الوطن تسعى الجماعة لخدمتها من أجل الوصول لهدفها النهائي المتمثل في الخلافة الإسلاميَّة ومن ثم أستاذية العالم.

هذه الأفكار شكلت الخلفية الآيديولوجية و المحرِّك المنهجي لسياسات حكومة الإنقاذ منذ وقوع الإنقلاب العسكري في يونيو عام 1989، وفي إطار مراحل التمكين الست التي قال بها البنا يُمكننا فهم شعار "إعادة صياغة الإنسان و المُجتمع السوداني" الذي رفعته الحكومة وأنشأت له وزارة بأكملها هى وزارة التخطيط الإجتماعي، وكذلك يُمكننا فهم شعارات "الجهاد" التي صُبغ بها القتال في الجنوب.

أمَّا أخطر أبعاد ذلك المنهج فيتمثل في توظيف الدولة نحو خدمة مصالح "أخوة العقيدة" ولو كان ذلك متعارضاً مع المصلحة الوطنية، وفي هذا الإطار يُمكننا فهم مغزي فتح البلاد على مصراعيها لإستقبال قادة جميع الحركات الإسلامية المتطرفة في تسعينيات القرن الفائت بمن فيهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وكذلك إستعداء دول الجوار بحُجَّة مناصرة المسلمين المضطهدين فيها.

أدخلت هذه السياسات الوطن في مأزق كبير ومشاكل ما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم ومن المرجَّح أن تستمر لسنوات قادمة، حيث فقد السودان ثلث أرضه وشعبه، وضربت عليه عُزلة إقليمية و دولية خانقة.

وقد ترجم واضعوا المنهج التعليمي في السودان كلمات سيد قطب أعلاه إلى مفهومٍ يُنشَّأُ عليه التلاميذ في المدارس، فقد جاء في صفحة (145) من كتاب "الدراسات الاسلامية" المقَّرر على طلاب الصف الأول الثانوي تحت العنوان الرئيسي "النظام الإجتماعي في الإسلام"، والعنوان الفرعي "مفهوم الوطن في الإسلام" ما يلي : ( الوطن في الإسلام هو الدولة الإسلامية بأطرافها الشاسعة وشعوبها المختلفة ).

خطورة هذا التعريف تكمن في أنها تغرس في عقل الطالب أنَّ "الوطنيَّة" ليست سوى "نعرة جاهلية"، وأنَّ الولاء الوطني يُخالف الولاء الديني، وهذا ليس صحيحاً لأنَّ الوطنيَّة حبٌ و إنتماء وولاء حقيقي لا يجب أن يوضع في موضع التعارض والتناقض مع العقيدة الدينية.

هذه النظرة السالبة لمفهوم الوطن لا تتماشى مع القول المنسوب للرسول صلى الله عليه وسلم عندما إشتد عليه أذى قريش و أجبرتهُ على الخروج من "وطنه" مكة، فودَّعها بالقول : ( إنَّ الله يعلم أنك أحبُّ بقاع الأرض إلي قلبي ولولا أنَّ أهلك أخرجوني منك ما خرجت ).‏

السلفيون كذلك لا يختلفون عن الإخوان المسلمين في هذا المضمار، فهم لا يعترفون بمفهوم الوطن، ولا الولاء الوطني، ويعتبرون الهوية الوطنية هُوية مصنوعة، حيث يقول عبد العزيز بن باز (الواجب الولاء لله ولرسوله بمعنى أن يوالي العبد في الله ويعادي في الله، وقد يكون وطنه ليس بإسلامي فكيف يوالي وطنه ؟)

وهاهو إبن عثيمين يقول عن مفهوم الوطنية، والموت في سبيل الدفاع عن الأوطان : (نحن إذا قاتلنا من أجل الوطن، لم يكن هناك فارق بيننا وبين الكافر لأنه أيضا يقاتل من أجل وطنه، مضيفا والذي يقتل من أجل الدفاع عن الوطن فقط ليس بشهيد، الواجب أن نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا ).

إنَّ إحتقار الوطنية هو الأمر الذي يسمح بالتفريط في أرض الوطن بكل سهولة مثلما حدث في جنوب السودان، وقد رينا كيف قام بعض المنتمين لتيار الاسلام السياسي "بنحر" الذبائح فرحاً بذهاب الجنوب، وهو كذلك يشكل مدخلاً لإقحام البلد في شئون الدول الأخرى حيث يشعر المُسلم أنهُ مسؤول عن كل ما يدور في البلاد الإسلاميَّة، وهى أمورٌ عانى منها السودان كثيراً.

خلاصة القول هى أنَّ أهل الإسلام السياسي- بمختلف مدارسهم - يعتنقون "رؤية كونية" ونظرة عالمية للتغيير، ولا تحظى "الدولة الوطنية" الحديثة باعتراف غير مشروط من قبلهم ما لم تكن وسيلة لخدمة هدف أعلى، وهو إعادة إحياء مفهوم "الأمة الإسلامية".


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

النخبة السودانية او قصة طالب الكثرة 2019-08-21 17:24:32 بقلم : مصطفى بنياب يحتم علينا المنهج والتاريخ التساؤل و التأمل و النظر صوب المصالح الاقتصادية في ظل التغيير السياسي الحالي، او بشكل محدد النخبة السودانية و مصالحها الاقتصادية هذا قبل كل شئ وبعده يمكننا التشاؤم او التفاؤل (...)

على هوامش مجلس السيادة 2019-08-21 11:21:07 الواثق كمير اتفقت قوى الحرية والتغيير، بعد ومشاورات وخناقات واعتذارات واستقصاء، على خمسة أعضاء لمجلس السيادة، بحسب حصة التحالف في الوثيقة الدستورية، والتي احتفلت قطاعات واسعة بالتوقيع عليها، وشهد عليها إلاقليمان ولقيت (...)

فرح السودان وغياب الحركات 2019-08-18 18:23:24 بقلم : محمد عتيق مهما كانت علاقة الثورة العضوية بطرف من أطراف الحركات المسلحة - (الجبهة الثورية بحكم عضويتها في ق ح ت) - فإنها تعترف أيضاً بوجود قوى مسلحة ومؤثرة في الميدان ، بل وأكثر امتلاكاً للأرض وللسلاح ، وهي : حركة (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.