الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 24 تموز (يوليو) 2017

بلاش كلام فارغ (2)

separation
increase
decrease
separation
separation

مصطفى عبد العزيز البطل

mustafabatal@msn.com

(1)
ما بال حكومة العصبة المنقذة نمحضها النصح فلا تنتصح، ونهمس في أذنها فلا تسمع، ثم نصرخ بأعلى الصوت ولا مجيب، لكأننا نؤذن في مالطا. وكنا قد كتبنا تحت ذات العنوان من قبل، وتحديدا في غرة مايو من العام المنصرم، نحذر من المغبات والبلايا التي مافتئت تتوالى نتيجةً لسياسة التمييز بين طلاب الجامعات على أساس الانتماء الجهوي والعرقي. تلك السياسة التي انتجت من الفتن ما انتجت، وأسالت من الدماء ما أسالت، وقتلت من الأبرياء من قتلت، واهدرت من المال العام ما اهدرت من جراء مسلسل حرق الجامعات الذي ما توقف لهنيهة إلا ريثما استأنفه بعض أبنائنا من طلاب دارفور. واتخذوا منه سلما ومطية لابتزاز الدولة وترويعها وترهيبها.

أحدث، ولا نقول آخر حلقة، فما أدرانا انها الأخيرة، في مسلسل الإرهاب والابتزاز الذي ظل يمارسه بعض طلاب دارفور، من المستتبعين لقيادات منتمية الى حركة عبد الواحد المتمردة، هي احداث جامعة بخت الرضا. حيث حملت ذات العناصر الاسلحة في رائعة النهار، فحطمت وحرقت، ومن بين ما حطمت وحرقت مبانى كليات التربية ومباني مكاتب العميد والمسجل والادارة التي أتت عليها ألسنة النيران فساوتها بالتراب وصارت خرابا يبابا. بخلاف الاتلاف الواسع لعدد آخر من وحدات الممتلكات العامة مثل عدد كبير من حواسيب الجامعة التي حطموها تحطيما. ثم اعتدى الطلاب على موظفي الجامعة وطلابها، فقتلوا طالبة، ثم نهضوا الى الشرطة، فقتلوا اثنين من جندها الأبرار، نسأل الله ان ينزلهم جنات الفردوس مع الشهداء والصديقين. وأصابوا خمساً وعشرين من الضباط وضباط الصف والجنود، منهم ضابط برتبة عقيد. بعض هؤلاء يرقد في المستشفيات في حالة حرجة، نتضرع الى المولى ان يأخذ بأيديهم، وان يترفق بهم وبأسرهم وذويهم.

(2)
وعندما احيل الأمر الى السلطة الضبطية فضبطت واوقفت، والى السلطة القضائية فحاكمت وحكمت، والى ادارة الجامعة فحققت واصدرت من القرارات ما يحفظ لها هيبتها، ثار الثوار مرة اخرى، إذ كيف تجروء الدولة على توقيف طلاب دارفور وحبسهم وانذارهم؟ وكيف يجروء القضاء على محاكمتهم؟ وكيف تجروء الجامعة على محاسبتهم؟ يا سبحان الله! ما هذا الخبال؟ هل جنّ القاضى، ام اختبل مدير الجامعة حتى يفكرا، مجرد التفكير، في اخضاع طلاب دارفور للمحاكمة والمحاسبة؟!

أما الشهداء من قتلى الشرطة، وأما أرتال المصابين في المستشفيات فقد نالوا جزاءهم. وما الذي كان قد خالط عقولهم اصلا فجعلهم يتصدون لطلاب دارفور؟ لماذا لم يخلّوا بينهم وبين مباني الجامعة، يحرقونها حرقا وينسفونها نسفا، ويقلبون عاليها واطيها؟ وهل جامعة بخت الرضا افضل من الجامعات الاخرى التي حرقوا كلياتها ودمروا مكتباتها عند اول (هبشة) خلاف مع ادارات الجامعات حول امتيازات طلاب دارفور؟!

(3)
ثم ماذا نقول، أعزك الله، في شأن الأحباب الذين لبسوا لبوس النضال من كادرات تنظيمات المعارضة، الجالسين على قارعة السياسة بغير شغل ولا شاغل، ينتظرون اول صفارة عن أية اضطرابات طلابية، في اي مكان، كيفما اتفق، وكأنهم ينتظرون جنازة لهم عند حافة النهر. حتى اذا طفت الجثة نهضوا لينفخوا في الصور. والنفخ في صور مثل هذه النزاعات الطلابية خصلة فاشية عند القوم. وفي فقه هؤلاء ان مثل هذه الاضطرابات انما هي "رزق ساقه الله اليك"! وقد يضع الله سر الانتفاضة الموعودة في أضعف نزاع طلابي. والبركة اليوم في طلاب عبد الواحد!

لم يأبه أحدهم للشهداء من أبناء الدويم الصامدة. وكأن الشهيد عثمان، الذي قتله طلاب دارفور وهو في شرخ الشباب، نكرة لا يساوي شيئا. وكأن الشهيد الهدع الذي كانت اسرته قد وزعت رقاع الدعوة لزواجه، وكان مقررا له الاسبوع التالي ليوم مقتله، لا حساب له في ميزان النشامى من ثوار المعارضة اصحاب البيانات الجاهزة. وكأن أرتال الجرحى من ضباط الشرطة وجنودها، الذين تقبع زوجاتهم واولادهم بجانبهم في عنابر المستشفيات يدعون ربهم في الغداة والعشي يرجون لطفه، قطعان من الماشية.

(4)
كذب أدعياء النضال فأشاعوا في بياناتهم ركيكة الصياغة ان عدد الطلاب في قرية الياقوت يبلغ 2100 طالبا بينما العدد الحقيقي 395 طالبا. وكذبوا فأشاعوا ان القوم جاءوا مشيا على الاقدام من النيل الابيض الى قرية الياقوت، في حين ان الطلاب جاءوا عن بكرة أبيهم على متن اثني عشر حافلة وفرتها لهم حكومة الولاية. ثم طلب عدد كبير منهم العودة الى جامعتهم، بعد خلاف مع قياداتهم، فقامت حكومة الولاية بتوفير حافلات جديدة، مرة اخرى، استقلوها في رحلة العودة. بينما آثر اخرون السفر الى الخرطوم فرادى وفي شكل مجموعات صغيرة فكان لهم ما أرادوا.

ومضوا قدما في صناعة الخزعبلات، وما الذي يمنعهم؟ فكذبوا على الناس مرة اخرى وأشاعوا بين الورى ان السلطات منعت الطلاب من دخول الخرطوم، وشرعوا يلطمون الخدود ويشقون الجيوب ويذرفون دموع التماسيح على الحقوق الدستورية المهدرة فصدعونا تصديعا وأقلقوا منام النائمين منا. بينما هم يعلمون، كما جوع بطونهم، ان أحدا لم يُمنع من السفر الى العاصمة. وانما فقط رفضت السلطات التفويج الجماعي بحيث لا يدخل القوم في كتلة واحدة صماء صلبة في شكل تظاهرة لتثير الفزع وتهدد الأمن، كما أراد قادة الطلاب من اتباع عبد الواحد. لا سيما ون عددا مقدرا من المتجمهرين من ذوي السوابق ممن تورطوا في حوادث الشغب والحرق وازعاج السلام العام، إسألوا مدينة الدويم التي كانت آمنة، كيف عكروا صفاءها، وروّعوا ساكنيها فصاروا يهرولون بين المأتم والمأتم، والمشفى والمشفى، يعزون هنا ويواسون هناك.

أما الذين ارادوا، من الطلاب، الذهاب من قرية الياقوت الى العاصمة بمفردهم او في مجموعات صغيرة، كما سبقت الاشارة، فقد استقلوا من وسائل النقل ما هو متاح، لم يحجزهم حاجز، ولم يمنعهم مانع، فبلغوا مبتغاهم أحراراً سالمين غانمين، لو كان وراء هذه المأساة غُنم!

(5)
انتهى اجل اتفاقية الدوحة العرجاء التي منحت طلاب دارفور أغرب تمييز من نوعه يتيح للفقير والغني الدراسة الجامعية بالمجان. وليس كل طلاب دارفور فقراء، كما يعلم القاصي والداني ان حشودا حاشدة من طلاب بقية مناطق السودان يعيشون حياة المسغبة وتشكو بيوت ذويهم قلة الفئران. من بين طلاب الشمال الشرق والوسط من تشهدهم مدن العاصمة يمارسون اكثر المهن تدنيا، ليسدوا رمقهم، وليقابلوا نفقات التعليم الجامعي.

ولكن بعض أولياء التمرد من طلاب دارفور يريدون ان يستمر التمييز لهم دون غيرهم، وان يتصل مدد الامتيازات بقوة العنف المسنود بالاسلحة البيضاء والارهاب والبلطجة والابتزاز وحرق الجامعات. وقد آن الاوان ان تتوقف الدولة عن سياسة الرقص على السلالم، وان تحسم أمر هذه السياسة بإرادة حازمة لا تعرف التردد.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

هل سقط النِّظام ؟ 2018-09-16 23:05:12 كتبت : سلمى التجاني الهزَّة التي أصابت النِّظام طيلة أيام التشكيل الوزاري في الأيام الفائتة، أَظهَرت وعكست صورة حقيقية لما آل إليه من تآكل داخليّ، وفقدان ثقة بين قادته، وهشاشة حلفائه. فمشروع أسلمة الدولة والمجتمع الذي (...)

سؤال الشباب .. ( ٧ ) 2018-09-16 23:02:20 كتب : محمد عنيق للتدليل علي ما ذكرناه بان وسائلنا ومناهجنا في العمل العام كانت خاطئة نكتفي هنا بواحدة من المنظمات التي قامت في الخارج ( المنظمة السودانية لمناهضة التعذيب ) ، وذلك بإيراد مختصر لما كتبته في فترة سابقة عن (...)

الجنائية الدولية: هذا زمانك يا جون بولتون 2018-09-16 17:42:58 مصطفى عبد العزيز البطل mustrafabatal@msn.com في ذات هذه الزاوية وقبل أشهر قلائل كتبت مقالاً بعنوان: (خطوط الجنائية الدولية: حمراء في أمريكا وخضراء في السودان)، أشرت فيه إلى قرار الحكومة الأمريكية، الذي عبَّر عنه بيان (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.