الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 19 حزيران (يونيو) 2016

بين الإسلام "السياسي" والإسلام "السلطوي" (1) النهضة:أأنقلاب على "تسييس" الدين؟

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم: د. خالد التيجاني النور

khalidtigani@gmail.com

في حوار كريستيان أمانبور مع الشيخ راشد الغنوشي عرضت شاشة ال"سي إن إن" لقطات له وهو يبدو في حالة بالغة التأثر تكاد الدموع تطفر من عيناه أمام المشاركين في المؤتمر العاشر لحركة النهضة، وعاجلته عند ظهور هذا المشهد العاطفي بسؤال "لماذا بدوت شديد التأثر وأنت تعلن الموقف التاريخيلأول مرة بفصلالمسجدعنالسياسةخلافاً لما حدث في إيران بعد الثورة، هل أنتم مدركون للطبيعة التاريخية لهذه الخطوة، وهل تخشون من رد الفعل"؟ تغافل الغنوشي عن ملاحظتها ومضى مجيباً "نحن على وعي بما نفعل، ونحن لا نتحدث عن فصال في عقل المسلم بين السياسة والدين، نحن نعتقد ان كل أعمال الإنسان يجب أن تكون أخلاقية وينبغي منسجمة مع عقيدته ومع ضميره الديني بالنسبة للمتدنيين، ولكن نتحدث عن التخصص اقتضاه التطور، فكل مجال يمارسه المختصون في ذلك المجال، ونحن عمليا نمارس السياسية وبالتالي يجب ألا تكون المساجد مثلاً مجالاً للتوظيف الحزبي، وإلا فسيكون لكل حزب مسجده نحن نرى ان تكون المساجد مجالا لوحدة المسلمين لا مجالاً للتفريق بينهم بحسب تعدد الأحزاب".
وعندما سألته الجميع يريد أن يعرف لماذا اتخذتم هذه الخطوة، ولماذ قمتم بهذا التحرك أجاب "جاء وقتها، هذه مرحلة من مراحل التطور تهيأت لها الحركة، وتهيأت لها البلاد، وأصبح دستور البلاد نفسه، دستور الثورة، الذي أسهمنا إسهاماً كبيراً في وضعه، يقتضي هذا التخصص، أن كل مجال ينبغي ان يمارسه المختصون، وبالتالي فالشؤون الدينية يمارسها أهل الدين، والشؤون السياسية يمارسها السياسيون، وهكذا نحن في مجتمع متطور يقتضي هذا التخصص، حتى لا يقع اتهام السياسيين بأنهم يستغلون الدين، وحتى لا يصبح المجال السياسي مجال استغلال ولا الدين كذلك".

الأسئلة التي طرحتها أمانبور تلخص بدقة ما يدور في أذهان الجميع عما وصفته حقاً ب"تحوّل تاريخي" في فكر وخطاب إحدى أهم جماعات "الإسلام السياسي" في عصرنا الحديث، وكان سؤالها في محله للشيخ الغنوشي "إن كان يدرك الطبيعة التاريخية لهذا التحول وتبعاته"، وكان الغنوشي أكثر وضوحاً في إجاباته إلى درجة لا تترك مجالاً لتأويل لطبيعة أو دوافع هذه الخطوة التي توصف رسمياً في دوائر حركة النهضة بأنها "فصل للسياسي عن الدعوي".

ما من شك أن هذه الخطوة البالغة الجرأة لحركة النهضة بإقدامها على هذه الخطوة غير المألوفة بفصل الديني عن السياسي التي أثارت ردود فعل واسعة تصل إلى حد الدهشة، تسببت كذلك في حالة صدمة وارتباك في صفوف الحركات الإسلامية "التقليدية"، لا سيما المشرقية بما في ذلك السودان، ذلك أن طرائق تفكير وثقافة "الإسلاميين" السائدة لن تستطيع بسهولة استيعاب هذه النقلة الكبيرة في فكر الحركة الإسلامية المغاربية التي تتقدم بمسافة ضوئية في اجتهاداتها وتفاعلها مع الواقعها الاجتماعي على نظيراتها.

وليس من السهل على "الإسلاميين" الذين تربوا على مدار عقود منذ نشأة جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي تناسلت منها حركات الإسلام السياسي، عقيدة مصمتة تقوم على فرضية حاسمة تقول ب "شمول الإسلام" وهيمنته على كل مجالات الحياة لا تعرف في ذلك سبيلاً للفصل لأي اعتيارات لما يمكن أن يوصف بأن هذا سياسي وذلك ديني، وفي الواقع تعتبر نفسها ما قامت إلا لتحقيق هذا المعنى القائم على استحالة التعاطي مطلقاً مع أية محاولة للفصل بين الدين والسياسة، ويزيد من التشدّد في التمسّك بهذا الموقف حربها الوجودية مع "العلمانية" صاحبة الدعوة للفصل بينهما، وترفض الكثير من هذه الحركات مصطلح "الإسلام السياسي" بحسبانه حيلة ماكرة من خصومها لدمغها بالانشغال في أجندتها بالسياسي تحت لافتة الدين،ومحاولة لتكريس هذه المفاصلة بين الدين والسياسة.

ربما لم يكن ليدور بخلد "الإسلاميين" الشديدي السلفية والتقليدية في التمسّك بتصوراتهم لرؤيتهم ل"الإسلام" أنهم يعيشون حتى يروا فيه هذا اليوم الذي تبادر فيها جماعة من صلب الحركة الإسلامية، طالما أعجبوا باجتهادتها ورسوخ وجودها في بلد مستنير مثل تونس، أن تكون هي من "تطعن هذه التصورات التقليدية للإسلاميين من الظهر"، فقد سارعت عدد من الحركات المشرقية أو المنتمين إليها على انتقاد خطوة حركة النهضة التونسية مستبشعين إقدامها على هذا القفزة الخطرة فوق "المشروعية" لتصور مستقر في وعيها عن استحالة الفصل بين الدين والسياسة التي بنتها هذه الحركات على مدى عقود ودفعت في سبيلها الكثير من التضحيات. وفي السودان الذي تعتبر حركته الإسلامية أنها "ملهمة" الاتجاه الإسلامي في تونس يحاول "الإسلاميون" إيجاد مبررات لخطوة الغنوشي، على مضض ودون أن يعني ذلك قبولاً فعلياً لها، كما يتضح من التبريرات التي تُساق تارة بالقول إن هذه خطوة اقتضها ضرورة الحالة التونسية والمعنى هنا أن الغنوشي أقبل عليها "مضطراً لا بطلاً"، أو بمعنى آخر أنها نتاج ظرف استثنائي، أو بقول البعض أنه تسلك طريقاً سبقتها إليها الحركة الإسلامية السودانية في وقت غابر، والنتيجة الغالبة لهذا الموقف ل"إسلاميي" السودان، أو لنقل بالنسبة لبعضهم على الأقل، أنهم يرون هذا الموقف دافعه "التقية" أمام عتو وعلو كعب "العلمانية" في تونس، وضرورة خفض الجناح لحين مرور رياحها العاتية، وليس نتيجة تطور حقيقي في الفكر والاجتهاد للحركة التونسية في تفاعلها مع واقعها الاجتماعي ورضيت بتجاوز التعامل "التكتيكي" مع هذا الواقع إلى القبول بمعطياته طوعاً والانخراط في تحديات بتحول "استراتيجي" في التفكير يتجاوز تلك المسلمات التي نشأت عليها الحركات الإسلامية واعتبرتها خطوطاً حمرء لا يمكن تجاوزها.

ليس سراً أن الكثير من خصوم "الإسلام السياسي" لم يستقبلوا هذا الخطوة من حركة النهضة باعتبارها نتاج "تحول استراتيجي" في فكر هذه الحركة التي استقلت فعلياً بهذا التوجه الجديد من روابطها القديمة ب"الإسلامية الأممية"، ويممت وجهها وجهدها صوب تونس أولاً لتعلي من شأن "الوطنية التونسية"، وثمة جدال قديم أو بالأحرى اتهام ل"الإسلاميين" بشح الروح الوطنية فيهم في غمرة مفهوم الخلافة الجامع الممتد لما وراء الحدود الوطنية وهو ما تعبر عنه تلك الأنشودة "لا تسل عن موطني عن نسبي .. إنه الإسلام أمي وأبي".ولذلك يرى منتقدو "الإسلام السياسي" أن خطوة الغنوشي هذه على ما أحدثته من زلزلة في أوساط "الحركيين الإسلاميين"، لا تعدو أن تكون خطة ثعلبية ماكرة يروم بها خداع الأرضية الصلبة للعلمانية في تونس ريثما تهيأ له الظروف للعودة كرة أخرى إلى سابق عهد نمط التفكير التقليدي ل"الحركات الإسلامية".

وفي الواقع فإن حركة النهضة التونسية وقائدها الغنوشي يظلمون مرتين، ويدفعون ثمناً غالياً للتحرر الفكري والاجتهاد الحقيقي في أمهات أصول قضايا السياسة والسلطة في الإسلام، وليس الاكتفاء باجتهادات سطحية على تخوم وقشور تلك القضايا، يدفعون الثمن مرة جراء عدم تقبّل إخوتهم في الحركات الإسلامية الأخرى لهذا الإبحار العميق في متون الحالة الإسلامية المستعصية على الإصلاح على مدى قرون متتالية، حتى أصاب الجمود هذه الحركات نفسها التي ترفع رايات الإصلاح، ويدفعون الثمن لخصوم "الإسلام السياسي" الذين يشكّكون ليس في اجتهادتهم وممارستهم المحققة لذلك فحسب، بل يذهبون إلى حد محاكمة نياتهم على ارغممن كل ما بذلوه لتأكيد كسرهم للجمود وخضوعهم لمنطق التطور.

ليس سهلاً أن تقدم حركة مستنيرة كحركة النهضة على هذا الاجتهاد العميق وهي تعلم سلفاً أنه سيثير الكثير من الجدل والشكوك حول دوافعها، وكما قال الغنوشي لأمانبور وهو يجيبها "نحن على وعي بما نفعل" يعني أن الإقدام على فصل السياسي من الدعوي لم يأت من فراغ، بل عن إدراك واع لتبعاته، وما كان ليقدم على ذلك لولا تفر الاستعداد لتحمل تداعيات هذا الموقف، ربما غير المسبوق في تاريخ الحركات الإسلامية، فظاهر هذا الاجتهاديطابق إلى حد كبير ما يطالبه به "العلمانيون" بفصل الدين عن السياسة، صحيح أن الغنوشي أكد أنهم لا يتحدثون عن "فصال في عقل المسلم بين السياسة والدين"، ولكنه ربط ذلك بمسألة شديدة الأهمية وهي "أن كل أعمل الإنسان يجب أن تكون أخلاقية منسجمة مع عقيدته وضميره"، وهذا يؤكد أن الفصل المعني "وظيفي" ولكن حضور "الوازع والإلتزام الأخلاقي" ضروري للعمل السياسي من منطلق إسلامي ولكن ذلك لا يستتبع بالضرورة علاقة عضوية بين السياسي والدعوي.

والعلة في هذا واضحة تماماً إنهاء شبهة الاستغلال السياسي للدين وتوظيفه لتحقيق الطموحات السلطوية لأي جماعة أو أفراد، وهذه تهمة لا تزال ترفع في وجه "الإسلاميين" في كل مكان إصرارهم تحت شعار "شمول الإسلام" على تنزيه أنفسهم من "التطلع للسلطة" كأي جماعة سياسية لا تتشكل إلا لأنها تريد أن تصل إلى الحكم لتطبيق برامجها، ولكن كيف السبيل إلى ذلك حين يتم تحول "دين الجميع إلى دين الجماعة"، وحين ترفع شعارات لا يصدقها الواقع أن الأمر كله لله لا للسلطة ولا للجاه، لم تجد حركة النهضة للخروج من هذا المأزق بد من قطع الطريق بوضوح أمام "الاستغلال السياسي للدين" لتحقيق مكاسب حزبية بغض النظر عن نظرة أي حزب ل"سمو دوافعه"، وهذا ما لا يتحقق إلا بهذا الفصل بين السياسي والدعوي، وهو ما عبّر عنه الغنوشي بالتطور الذي يقتضي التخصص "الشؤون الدينية يمارسها أهل الدين"، "والشؤون السياسية يمارسها السياسيون"، والسبب للتفريق واضح جداً في قوله "حتى لا يقع اتهام السياسيين بأنهم يستغلون الدين" للوصول إلى مآربهم وتحقيق طموحاتهم، كما لا يصح استغلال المجال السياسي لأغراض الدين، فأنه لا يجب كذلك أن يستغل المجال الديني لأغراض السياسة".

واللافت في أن الذين يستنكرون على حركة النهضة هذه القفزة الكبيرة في الفهم والاجتهاد، ينسون أن التجربة التركية في عهد حكم حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان انخرطت فعلياً في سياسة فصل الدين عن السياسة ليس باجتهادات تنظيرية، بل لبثت خمسة عشر عاماً في الحكم تحت مرجعية علمانية بالكامل دون أن تجهد نفسها في إيجاد أية مبررات، بل تعلن بلا مواربة أنها تؤمن بالعلمانية وقف تفسير يعتبر الدولة على مسافة واحدة من جميع مواكنيها بغض النظر عن الدين، ومع ذلك تجد التجربة التركية احتراماً وتأييدا واسعاً وسط الإسلاميين دون أن يسائلها أحد بل ويعتبرونها للنفارقة إسلامية نوعاً ما وإن كانت تحت مرجعية علمانية.

وفي الواقع فإن البحث في هذه المسالة لن يكتمل حتى نتناول في مقالات قادمة إن شاء الله هذه التحولات الكبرى في مسيرة حركة النهضة في مقارنة مع نظيرتها السودانية التي تسنّى لها أن تحكم لعقود في بلد متنوع ومعقّد مثل السودان، ومع ذلك لم يُعرف لها اجتهادات مستنيرة تقي البلد شر التشرذم والقبلية والحروب الأهلية، حينها سنكتشف الفارق الكبير بين "الإسلام السياسي" والإسلام السلطوي".

عن صحيفة إيلاف


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

(الإسلام هو الحل) 2016-12-09 07:14:04 بابكرفيصل بابكر boulkea@gmail.com درجت جماعات الإسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الأخوان المسلمين على ترديد شعار "الإسلام هو الحل" وجعلت منه الأساس الذي تستند إليه في إستمالة عواطف البسطاء من الناس وكسبهم لصِّفها بإعتبار (...)

موت فيدل كاسترو وانفضاح عورة الشيوعيين 2016-12-07 18:35:46 عادل عبد العاطي رحل قبل أيام الطاغية فيدل كاسترو فأتضحت عورة الشيوعيين في مهرجانات الرثاء والتعزية التي اقاموها له في مشارق الأرض ومغاربها وعلى صفحات مواقع التواصل الإجتماعي؛ مرددين الأكاذيب والأساطير عن واحدا من اكثر (...)

إضاءات عابرة حول العلاقة بين فيديل كاسترو والحركة الشعبية 2016-12-05 22:04:04 المحاربون القدامي لا يموتون ياسر عرمان أما أن تحب فيديل كاسترو أو تكرهه، في الغالب لا حياد حينما يتعلق الأمر بفيديل كاسترو، في حياته أو عند مماته، يقف الناس منه على ضفتي نهر، ولكن النهر يمضي، أما عن نفسي فإني من المحبين (...)


المزيد

فيديو


أخر التحاليل

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)

تفكُّك الدَّولة السُّودانية: السِّيناريو الأكثر تَرجيحاً

2013-02-10 19:52:47 بقلم د. الواثق كمير kameir@yahoo.com مقدمة 1. تظل الأزمات السياسية المتلاحقة هي السمة الرئيس والمميِّزة للفترة الانتقالية منذ انطلاقها في يوليو 2005، في أعقاب إبرام اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان ممثلة في حزب (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)

بيان لحركة (الإصلاح الآن) حول تعرفة المياه 2016-02-19 21:41:21 سلطة المؤتمر الوطني، ووجبة اخري من رفع الدعم الذي اصبح لا يري بالعين المجردة بعد ان تخلت الدولة عن دورها الأساس في توفير الحياة الكريمة للمواطن المسحوق فما ان مرر البرلمان زيادة غاز الطبخ جبرا وليس اختيارا ، هاهم الان نواب (...)


المزيد


Copyright © 2003-2016 SudanTribune - All rights reserved.