الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الخميس 15 حزيران (يونيو) 2017

تجدد المواعظ والعبر... مما استجد بين السعودية وقطر

separation
increase
decrease
separation
separation

د. غازي صلاح الدين العتباني ـ رئيس حركة الإصلاح الآن

من بين جميع الأحداث التي حوتها الأعوام المائة الأخيرة، تطل حادثة المواجهة بين السعودية وقطر من موقع متقدم. مائة عام تتصدرها مقايضات بريطانيا وفرنسا على جثة العالم العربي وميلاد اتفاقية سايكس-بيكو، ونهاية الخلافة العثمانية، ونشأة إسرائيل، وحرب ١٩٦٧، وحرب ١٩٧٣، وغزو العراق وتقسيمه، وتدمير أفغانستان، وانفصال جنوب السودان. قد لا تتعدى المواجهة القائمة الموقع التاسع أو العاشر على ميزان يقيس قوة الأثر الآني والأثر المتأخر للحدث.

العبرة الأولى مستمدة من المقارنة مع غزو العراق. يذكر العالم الإسلامي الانقسام المشئوم الذي تصاعد كإعصار حلزوني خارج دائرة السيطرة تماما. يومئذ ألقت الحكومات قداحها دون بصيرة مفهومة في مباراة المراهنة على طرف دون آخر، كأنها مسابقة في العرافة أو التنجيم. وما حدث في العراق من ثمّ مضى دون توقف عنده أو إنفاذ بصيرة تقي عاقبته.

المواجهة الراهنة هي بين شقيقين يجمعهما من وشائج القربى والتاريخ الحي بشواهده وأحداثه أكثر مما يجمع أياً منهما مع بلد ثالث. والمعركة بينهما لن تقف احتراما لوشائج القربى، لكنها يمكن ان تتعدى لتهدم أسس البقاء ومشروعية الوجود في صميمها. ينبغي أن ندرك أن هذه المنطقة ليست محصنة من التقسيم بأي عهد دولي، بل هي في قلب مشاريع التقسيم الظاهرة والمستترة، وإذا اندلق الإناء فلن يعود إليه اللبن. وإذا خيّمت على المنطقة سحائب التقسيم فستمطر سمها يوماً لا محالة.

وإذا ساد منطق التقسيم فلن يختار دولة دون أخرى، الجميع متساوون أمام الالتهام والابتلاع. وقد تلحق بمخطط التقسيم دول أوهمتها الغفلة بأنها فوق مخططات التقسيم والإضعاف. يجلس هذا السيناريو مرتاحاً ومنسجماً مع التقسيم القهري الراهن في سوريا والعراق.

انهيار التماسك البنيوي لدول الخليج ستكون له آثار اقتصادية بالغة على المنطقة الإسلامية أولا ثم ما وراءها. ستقع الآثار أول ما تقع على سوق العمالة الممتد. ومن المنطقي أن تتأثر التحويلات المالية لكثير من الدول العربية والإسلامية، خاصة ذات الاقتصادات الكبيرة مثل مصر.

ومن المؤكد أن تنهارالاقتصادات الصغيرة والهشة. هذا يعني أن تعلن بعض الدول إفلاسها، وأن تفتقر كثير من الأسر الكريمة والأفراد مستورو الحال وأن تنتهي بهم الأقدار إما إلى لاجئين في مقرات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، أو إلى موجات مغامرين يائسين يركبون البحر لغزو أوربا وشعارهم "النجاة أمامكم والمنية وراءكم" تقليدا مبتذلا لمقالة طارق بن زياد.

هذا كله يمكن أن يحدث تحت سمع العالم وبصره وشهادته وإقراره، ويهترئ نسيج المجتمعات في هذه المنطقة، وتصبح فريسة سهلة الاصطياد.

هذا عن عبرة المصير والمآل، فماذا عن عبرة التدبير والاحتيال. العبر هنا تتواتر من العراق وأفغانستان وسوريا. القاعدة الأرسخ هي دوماً "الوقاية خير من العلاج". الوقاية بصورة أساسية من التدخلات الخارجية. والتدخلات الخارجية كلها محذوره ومريبه إلا من هدي إلى صراط مستقيم. وأسوأها التدخلات الدولية التي تأتي بأهداف ووسائل ما تنفك تتلون وتتكاثر فيستعصي تتبعها حتى على اللبيب، ثم لا تنتهي إلا وقد أطبقت على حيزوم الفريسة.

يلي ذلك التدخلات الإقليمية وتدخلات الأصدقاء الأبرياء أو الأغبياء، ومتصيدي الفرص، وعشاق الدراما والمسرح، والمرتجين للمكافآت عند نهاية الخدمة، وبائعي جائزة نوبل للسلام. هؤلاء ينبغي أن تضرب حولهم دائرة أمان كافية تمنعهم من دخول منطقة النفوذ والقرار بأية وسيلة.

هذه المشكلة مشكلة داخلية ويمكن حلها بقليل من احتمال الأذى والحلم الذي اشتهر به زعماء العرب من لدن أشج عبد القيس الذي أحبه الله لما فيه من الحلم والأناة. وشيء من الحلم والصبر على المضض ستحسن عاقبته. والحلم أفضل خلق لمن رام الزعامة.

العبرة الأخيرة تهم المتفرجين المتوثبين إلى فعل شيء من الأصدقاء الصادقين. الحكمة تقتضي الابتعاد عن الاستقطاب والاستعجال في تسجيل المواقف، وفاء لعلاقة قديمة مع طرف أو آخر، أو رجاء لسبق تستنبط جوائزه في مناسبات لاحقة. إن أفضل ما يفعله من يؤيدون قطر، وهي بلا شك ذات فضل وسبق في عمل الخيرات ومناصرة قضايا الأمة، هو أن يكفوا من غضبها وغبينتها، وأن يردوها إلى النصفة والاعتدال. وأفضل ما يفعله من يناصرون السعودية، ولها ما لها من جبال الفضل والسابقة، هو أن يذكروها بالتقوى التي يتقصدها من يطوف بالبيت العتيق. وشرف السعودية وذكرها في ذلك البيت وما تقتضيه السدانة من الكرم والحلم والترفع.

إن أي تعبير استقطابي هو ضار بجهود التصالح ويختزن مادة لمواجهات مثيلة في المستقبل. تسجيل المواقف المبكرة باسم الجماعات السياسية والجمعيات الدعوية والحكومات هو مدعاة للاستقطاب وإرساء لقواعد جديدة للخلاف. وللأسف فإن هذا النوع من التدخل المتعجل قد بدأ فعلا، وبدأت ملامح هذا الاستقطاب تتمظهر من خلال تحريك قوات وإصدار بيانات تأييد وخطابات شكر وعرفان. ولو علم هؤلاء ما يؤدي إليه هذا من فساد جهود الصلح لما فعلوه. كان من حكمة العرب أنهم إذا إحتربوا "تَرَكُوا للصلح موضعاً"، أي تَرَكُوا مسافة للتراجع. فإن من الغباء، أشد الغباء، أن تحاصر خصما لا تترك له منفذا الى الهرب والنجاة فيستميت في القتال فيقتلك.

جوهر الحكمة المطلوبة اليوم هو محاصرة النزاع في داخل البيت الخليجي، وحض أهله على ابداع الحلول، وحمايتهم من التدخلات الخارجية، ووقايتهم من الاستقطاب والمزايدة.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

ماذا حدث و يحدث داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال؟ (1) 2017-07-24 15:02:38 ناصف بشير الأمين اختار كاتب هذا المقال الا يكون طرفا في الحملات الإعلامية من الجانبين التي صاحبت الأزمة الداخلية للحركة الشعبية لتحرير السودان –شمال منذ تفجرها في بداية مارس 2017م. وذلك رغم قناعته، منذ اليوم الأول، بعدم (...)

بلاش كلام فارغ (2) 2017-07-24 09:51:14 مصطفى عبد العزيز البطل mustafabatal@msn.com (1) ما بال حكومة العصبة المنقذة نمحضها النصح فلا تنتصح، ونهمس في أذنها فلا تسمع، ثم نصرخ بأعلى الصوت ولا مجيب، لكأننا نؤذن في مالطا. وكنا قد كتبنا تحت ذات العنوان من قبل، (...)

نظرات مستقبلية: (2+2) من يقرأ تقرير مجلس الاطلنطي؟ 2017-07-24 05:34:46 السر سيد أحمد تعتبر مراكز الابحاث والدراسات الامريكية بؤرا أساسية في وضع وبلورة السياسات التي تتبناها الادارات المختلفة وذلك لأنها تعلي من الجانب المهني والعمل على أستيعاب مختلف الاراء كما انها تضع هذه الدراسات بعيدا عن (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)


المزيد


Copyright © 2003-2017 SudanTribune - All rights reserved.