الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 26 آب (أغسطس) 2017

تحرير الخلاف فى الحركة الشعبية شمال: "قُضي الأمر الذي فيه تستفتَيان"(2-3)

separation
increase
decrease
separation
separation

الواثق كمير
kameir@yahoo.com

حوارات القواعد

مثلت قرارات إجتماع القادة العسكريين والسياسيين والأدارات المدنية ومنظمات المجتمع المدني بإقليم جبال النوبة، فى 7 يوليو 2017، القشة التي قصمتظهروحدةقيادةالحركةوانقسمتعلىاثرها قواعدها الجماهيرية داخل وخارج البلاد (26).

18. وهكذا، تحول الشقاق بين أعضاء القيادة الإنتقالية "الثلاثية" إلى إنشقاق مكتمل الأركان فى الحركة الشعبية شمال، التي لم تعد كما كانت عليه فى مارس 2017، بعد أن تفرقت السبل بين قادتها. ولعل تأييد إجتماع القيادات العسكرية للجيش الشعبي، 15-16 يونيو 2017، لكل قرارات المجلس الإقليمي، خاصة تنصيب الفريق عبد العزيز الحلو رئيسا للحركة وقائدا للجيش الشعبي، قد دفع رئيس الحركة المقال لتحديد موقف نهائي تجاه هذا التطور. وهذا بالفعل، ما صاغه فى كلمات واضحة المعاني، "نحن نعتز أيما إعتزاز برفاقنا الذين شاركوا في إجتماع المجلس العسكري في جبال النوبة وكنا ننتظر نتائج إجتماعهم لنقول موقفنا النهائي، ونعلم إنهم مناضلين أفنى معظمهم زهرة شبابهم في النضال ضد فاشية الخرطوم، وعلينا جميعاً أن نترك فرصة لما سيأتي به المستقبل فربما نلتقي مجدداً في رحاب حركة تسع جميع السودانيين، فالذي يجمعنا أكثر من الذي يفرقنا، ولنا تجارب من الحركات الثورية وإنقساماتها بمافي ذلك الحركة الشعبية" (بيانرئيسالحركةالسابق، 17 يونيو 2017).

19. وتجدر الإشارة، إلى أنه، خلافاً للصراعات الدموية السابقة على قيادة الحركة، مثلاً فى 1983ـــ 1991، التي خلفت أعداداً هائلة من الضحايا والمعاقين، فقد جاء إنتقال السلطة فى الحركة الشعبية شمال سلمياً بدون قتال، ولو أن الإنتقال لم يكن ليتم بدون مباركة وتأييد هيئة أركان الجيش الشعبي والقيادات العسكرية. ومع ذلك، فالدماء التي أريقت من جراء المصادمات العنيفة والإشتباكات المسلحة التي وقعت بين فصائل للجيش الشعبي فى جنوب النيل الأزرق، أفسدت مظاهر هذا الإنتقال السلس لسلطة القيادة.

20. يصور الرئيس والأمين العام السابقين الخلاف على أنه صراع بين خيارين، إما بناء حركة قومية، لكل السُّودانيين، على أساس مشروع السودان الجديد، أو تقزيمها إلى حركة إقليمية تسلم أمرها إلى "قوي من القوميين ضيقي الأفق ". وبحسب هذا التصور، فإنهما يسعيان إلى تجديد "بناء الحركة ومواقفها النظرية وممارستها العملية، وأن ننتقل بها إلى مربع جديد مع كافة الراغبين فى التغيير" (بيان رئيس الحركة السابق، 9 يونيو 2017). توحي هذه المقاربة بأن القائدين يعدان قررات مجلس تحرير جبال النوبة، وموقف الرئيس الجديد للحركة حيال القضايا الخلافية الثلاثة، قد فارقت فى مضمونها رؤية السودان الجديد. ولكي يتم هذا الإنتقال على أرض الواقع، فسوف يشرع الرئيس والأمين العام السابقين فى إجراء"إتصالات مع كل الرفاق الرافضين للإنقلاب للبدء في مسيرة جديدة لإعادة بناء حركة وفق رؤية السودان الجديد لكل السودانيات والسودانيين الراغبين والراغبات، وبمراجعة وتقييم نقدي وشامل لكامل تجربتنا بما في ذلك وسائلنا النضالية" (بيانرئيسالحركةالسابق، 17 يونيو 2017).كما، تمالإعلانعنالتوجه"نحوبداية جديدة وميلاد ثاني لرؤية السُّودان الجديد، ننظر بذهن صافى ومتقد، وجمعي وجماعي، لنعّبر بها ومعها نحو ميلاد ثاني" (ياسر عرمان، 1 يوليو 2017).

21. ومع ذلك كله، فإن تحريرالخلاف يظل منقوصاًإ ن اُقتصرفقط على إستعراض حُجج ودفوعات القادة منطرفي الصراع، الذي يأخذ شكل البيانات المتبادلة بينهما، ولن تكتمل الصورة بدون تسليط الضوء على تداعيات هذا الخلاف على قواعد الحركة وما غرسه من إنشقاق وسط القواعد. هذا الإنقسام على مستوي القيادة لا شك قد خلق إصطفافاً قاعدياً، يلحظه المراقب العادي قوامه جمهوران مُتصارعان مستغرقان فى تبادل الحجج والإتهامات، فى سوق الأسافير الكبير. فالمتابع للسجالات بين عضوية الحركة فى مجموعات الواتساب، مثلاً، لن تفوته ملاحظة ما تنضح به من حوارات حارة النفس بين فريقين متنافرين، كل منهما يناصر موقف أحد الطرفين، بما يوضح إكتمال عقد، ومدى عمق الإنشقاق. ولعله من إيجابيات الحوار المحتدم، وإن لم يخل بعضه من عنف لفظي، توفيره الفرصة للمصارحة "الفضفضة" والفصح عن المكتوم وتبادل الآراء الخلافية، طالما بقي السلاح محايداً.

22. فى الإطار العام للقضايا الخلافية الثلاث (مصير الجيش الشعبي، تقرير المصير، التحالفات السياسية)، تثير هذه النقاشات خلاف جوهري وسط العضوية حول "قومية" الحركة، بعد قرارات المجلس الإقليمي، مقابل تراجعها إلى حركة "إقليمية"؟ ويرتبط هذا الموضوع على نحو وثيق بطبيعة نشأة وتكوين الحركة الشعبة، وتبني مكوناتها لوسائل نضال مختلفة (العمل العسكري والفعل السياسي)، والخلاف حول دور تقييم مساهمة كل منهما، والتمثيل العادل لهذه المكونات، خاصة "قطاع" الشمال. ويظل هذا الوضع غير المتكافئ، وكيفية التمثيل الحقيقي لكل مكونات الحركة فى مؤسسات إتخاذ القرار، من المواضيع الهامة التي لم تجد حظها المناسب من الحوار منذ تأسيس الحركة الشعبية. وقد نشرت فى هذا الشأن عدة مقالات فى أعقاب فشل المؤتمر العام الثاني للحركة، مايو 2008، فى مخاطبة هذه القضايا، ولم يلتفت لها أحد. (أنظر مثلا، حوار مع النفس: الحركة الشعبية والعودة الي منصة التأسيس، صحيفة الأحداث، 20 ديسمبر 2009، وقطاع الشمال للحركة الشعبية: تمثيل مؤسسي أم إشراك ظاهري؟، صحيفة الرأي العام، 11 يوليو 2710، والشماليون فى الحركة الشعبية: تحويل الخصوم إلى أصول، الراكوبة، 1 سبتمبر 2011). تكمن أهمية حوارات قواعد الحركة فى طرقها على القضايا الحيوية، التي، فى رأيي، تشكل أجندة الحوار الرئيسة بين كل الأطراف حول مآلات وحدة ومستقبل الحركة الشعبية، كما أنها ترفد القيادة من على الجانبين بموجهات الرأي العام وسط القواعد.

23. الخلاف بين الفريقين المختصمين حول "قومية" الحركة الشعبية شمال له عدة مداخل متشابكة، ويتم التعبير عنه بتصورات مختلفة ووقائع متعددة. فبينما ينظر مناصرو القيادة الجديدة إلى قرارات مجلس تحرير إقليم جبال النوبة، كثورة تصحيحية ساعية للإصلاح، يراها أنصار الرئيس، والأمين العام السابقين، كإقصاء متعمد للآخرين، مما يعد بمثابة فرز جهوي لمكونات الحركة، وتراجع للتنظيم على خطى الحركة الشعبية فى الجنوب، بل واختطاف للحركة وتحويلها إلى حركة جبال النوبة، فتضعضع المشروع لتحل مكانه الإثنية والقبلية. ففي رأي المعارضين للتغيير، أن الطعن في "قومية" الحركة لم يأت من فراغ بل مرتبط بحيثيات الإطاحة بالأمينالعام. فالبرغم من أنه لا يمكن إختزال تعريف "القومية" فى شخص، إلا أن عزل الأمين العام وحده، مع إستثناء الرئيس، يشيء بانتقائية قرار المجلس الإقليمي، خاصة والفريق عبد العزيز فى خطاب إستقالته قد وضعهما فى خانة واحدة من الإتهام. وقد يفسّر هذا الإستثناء أحد سببيّن، أو الاثنين معاً. أولهما، أن الأمين العام لا يتمتع بقاعدة فى الجيش الشعبي فى أي من المنطقتين، بل وإتهامه بالعجز عن جذب وإستقطاب أي جماعة مقاتلة. ثانيهما، لأنه أصلا "جلابي" من الشمال-النيلي ولا ينتمي إلى أي مكون إثني فى جنوب كردفان أو النيل الأزرق. ولذلك، فإن ترك أمر إقالة الرئيس إلى مجلس تحرير النيل الأزرق يستبطن عدم إعتراف المجلس الإقليمي لجبال النوبة بقطاع الشمال كمكون مستقل.

24. أما الطرف الآخر، فلا يري فى الأمر أثننة" أو "نوبنة"، فذات الأمين العام قد سبق أن تم إستقباله بحفاوة، وذبحت الثيران إحتفاءً بقدومه إلى المناطق المُحررة، بل والرئيس الذي كُلف بالمنصب ليس نوباويا، كما أعلن هو بنفسه فى خطاب الإستقالة. ومن زاوية أخري، يتسائل أصحاب هذا الرأي عما إذا كانت "قومية" الحركة الشعبية تعرفبشخصالأمين العامالسابق، أوحفنةمنالأعضاء، فإن بقي فى الحركة فهى قومية، وإنإبتعدفقدتقوميتها؟ لذلك، يثيرون سؤالاحول تعريف مفهوم "القومية"فىوصفالحركةالشعبية: هلتنتقصغلبة مكون على باقي المكونات من "قومية" الحركة؟فهكذا، قوميةالحركة تكمن رؤيتها وبرامجها، وأهدافها، ومشروعهاللتغير. وربما، ما يضعف من هذه الحجة البيان الصادر من بعض القيادات العسكرية والسياسية فى النيل الأزرق، إذ تشير إحدى فقراته صراحة إلى أن "القيادة فى الحركة الشعبية والجيش الشعبي تاريخياً تقوم على الثقل القبلي وتعداد المقاتلين" (بيان المجلس العسكري، إقليم النيل الأزرق، 1 مايو 2017).

25. وتكشف هذه الحوارات أن إقحام الفريق عبد العزيز لموضوع الإثنية فى خطاب الإستقالة وتحميل بعض قيادات "النوبة" مسئولية إبعاده من دائرة سلطة اتخاذ القرار، التي هيمن عليها رئيس الحركة وأمينها العام، ألقى بظلال كثيفة على الحوارات القاعدية حول دور الإثنية فى الصراع، وفى الحركة ككل. فطرقه على ما تعرض له تهميش وإستبعاد، من الرئيس والأمين العام، بسبب الإثنية، كان له دور أساس فى دفع مجلس إقليم جبال النوبة لاتخاذ قرارات مصيرية أعادت الثقّة فى الفريق عبد العزيز، بل ومنحته تفويضاً كامل الدسم لإدارة شئون الحركة. ويبدو من حوارات القواعد إن الإحساس بالإقصاء والتهميش لكوادر الحركة من جبال النوبة دفعهم لتسلم زمام قيادة الحركة، كما هوحالالجنوبيون فى السابق، بالأصالة وليس بالوكالة.

فهم يشكلون عماد وعظمة ظهر الجيش الشعبي، مصدر النفوذ السياسي للحركة الشعبية،كما هم وقود وضحايا الحرب. فالحركة الشعبية كتنظيم له هياكله ومؤسساته غير موجودة فى الولايات الشمالية كما هو الحال فى جبال النوبة، والتي إحتلت موقع الجنوب فى السابق، حيث الوجود "الفعلي" للحركة فى مقابل وجودها "النظري" فى الشمال. وبهذا الفهم تُطرح أسئلةً على شّاكلةِ: لماذا تُقاتل بعض عضوية التنظيم الحكومة بينما الآخرين، خاصة الكوادر النشّطة، مثل أعضاء مجلس التحرير، موجودين فى المناطق تحت سيطرة الحكومة؟ لماذا لم يشارك من يتسنمّون مواقع قيادية فى التنظيم فى كل ولايات الشمال فى العمل المسلح ، أم هل أفردوا المهام العسكرية والقتالية للجيش الشعبي بجبال النوبه، على أن يتفرغوا هم لاحقاً للتفاوض وتحديد نسب المشاركة فى السلطة وإختيار ممثلي الحركة الشعبية فى الحكومة؟

26. من زاوية أخري، يتجلى التشكيك فى"قومية" الحركة فى موضوع كيفية التمثيل العادل لكل المكونات (المنطقتين وقطاع الشمال) فى مؤسسات الحركة الشعبية، فهل يطبق منهج التمثيل المتساوي للمكونات الثلاثة، بمعيار القوة العددية؟ أم يكون حمل السلاح، وما يصحبه من تضحيات، هو المعيار "النوعي" لتحديد نسبة التمثيل؟ فى رأي المؤيدين لقرارات المجلس الإقليمي، أنه بحكم الواقع فإن المُكوِّن الرئيس والركيزة الأساس للحركة والجيش الشعبي من جبال النوبة، فلا مجال أن يشكل قطاع الشمال، أو المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة، الأغلبية، أو حتى التمثيل المتساوي، فى المؤتمر العام الإستثنائي المرتقب. وعليه، فإن "قومية" الحركة تمر عبر بوابة جبال النوبة، إذ إن شروط المشاركة فى المؤتمر تتطلب الإلتزام بالقضايا الإستراتيجية، على رأسها الكفاح المُسلَّح كآلية لتحقيق أهداف الثورة، أو قضية مثل حق تقرير المصير. وبذلك، سيقُتصّر التمثيل فى المؤتمر على عضوية الحركة فى المناطق المُحررة، إضافة إلى الأعضاء المُلتزمين فى المناطق التي يتيسر الوصول منها إلى مكان الإجتماع دون أن يعرضوا حياتهم إلى الخطر. بمعني آخر، أن الواقع السياسى يحد بشدة من حرية تحرك عضوية الحركة من المناطق الخاضعة للحكومة، خاصة المشاركة فى مؤتمر تنظمه، فى فهم الحكومة، حركة مسلحة متمردة على الدولة، مما سيضعف من تمثيل قطاع الشمال.

خلاصة الأمر، فإن كان مدي النفوذ العسكري هو الذي يحدد نسبة المشاركة، فذلك سيخلق إصطفافا، ويفاقم من حدة الإستقطاب بين عضوية الحركة فى المنطقتين، خاصة جبال النوبة، من جهة، وقطاع الشمال، من جهة أخري، بدأت إرهاصاته ماثلة.فى رأيي، إن ماأسهمبدور كبير فى تفاقم الصراع الحالي هى فكرة الزعيم الراحل بتقسيم الحركة إلى قطاعين، مع ضم جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق إلى قطاع الجنوب، وما زاده تفاقماً عدم إكتمال عملية بناء الحركة فى سودان ما بعد الإنفصال بسببإندلاع الحرب.

وللخلاف بين الفريقين المختصمين حول "قومية" الحركة الشعبية شمال مدخل هام أخر.

27. يبرز الخلاف وسط القواعد بصورة واضحة حول حق تقرير المصير. فمن جهة، يعتبر المطالبون بهذا الحق بأنه حق ديمقراطي مكفول بالعهود والمواثيق الدولية، كما تضمنه مانيفستو الحركة الشعبية فى 1994 و2008، بل، وأقره مؤتمر كل النوبة فىكاودا، جبال النوبة، فى 2002. ويستدعى هذا الفهم مفهوم الوحدة "الطوعية" مقابل الوحدة "القسرية"، وبث رسالة مطمئنة بأن "تقرير المصير لا يعني الإنفصال". ومن جهة أخري، يحتج المعارضون بأن قرار مجلس تحرير جبال النوبة فى هذا الشأن هو بمثابة فرض لحق تقرير المصير كإستراتيجية بديلة لمشروع السودان الجديد، علىأساس "قومية وإثنية"النوبة؟ ومنهذاالمنظور، فإنتحول حق تقرير المصير من نداء لقومية وطنية سودانية شاملة إلى دعوة قومية "عروبية/إسلاموية" في المركز،يقابله الآن دعوة مماثلة ومضادة من "قوميي النوبة"، ممايتناقض تماماً مع مشروع الحركة.

28. الجدير بالانتباه، أن عضوية الحركة الشعبية شمال فى المنطقتين تبدو منقسمة تجاه مطلب حق تقرير المصير، إذ لا تجد الدعوة صدى لدى قواعد الحركة فى النيل الأزرق، فيما عدا القيادات العسكرية التي أعلنت التأييد لقرارات مجلس تحرير إقليم جبال النوبة، وكذلك لرئيس الحركة الجديد. فغالبية المتداخلين فى الحوارات من أبناء النيل الأزرق يميلون نحو المطالبة بالحكم الذاتي، فى إطار السودان الموحد، كصيغة أفضل لمخاطبة المظالم التاريخية الواقعة على المنطقة منذ قانون المناطق المقفولة، ويمكنهم أيضا من المشاركة فى حكم وإدارة الدولة على المستوي الاتحادي.

إعتبارات منهجية

29. وللوصول إلى فهم سليم وعميق لخيارات حل الأزمة الناشبة، وتحديات مُستقبل الحركة، فهناكحاجةملحةلقراءةهذاالإنقسام وهذه الخلافاتفىسياقالتطورالتاريخيللحركة الشعبية منذ النشأة. فينبغي أن لا ننظر إلى الحركة كهيكل تنظيمي ساكن ومتحجر، بل يجب أن نفهمها فى علاقتها بالإطار الذي نشات وتطورت فى داخله منذ عام 1983. وكذلك، إجراءالمراجعات الفكرية الضرورية لمفهوم "السودان الجديد" نفسه، والسعي لإزالة الغموض الذي يكتنف بعض المفاهيم التي ظلت مصاحبة له.

30. لا علاقة بين الخلاف المحتدم فى الحركة ورؤية وفكرة مشروع السودان الجديد، فالطرفان متمسكان ومتشبثان بها، كما تنضح به ديباجات كل البيانات المتبادلة بينهما. مع ذلك، كل طرف يتهم الآخر بالنكوص عن هذه الرؤية استناداً على مواقف "سياسية" بحتة. أحد هذه المواقف، أن المؤيدين للرئيس والأمين العام السابقين يعدون أن الإنقلاب على الشرعية الدستورية، وسيطرة واحد فقط من مكونات الحركة على سلطة القيادة، خروج صريح على قيم مشروع السودان الجديد. بينما يري المناصرون للتغيير والقيادة الجديدة أن الرئيس والأمين العام قد فارقا مشروع السودان سعياً للتسوية وتوفير الهبوط الناعم للنظام الحاكم. وكذلك، يختلف الطرفان سياسياً حول موقع حق تقرير المصير ومدى مطابقته أو تناقضه مع مشروع السودان الجديد وقومية الحركة، كما نوهت أعلاه (24).

31. فى حقيقة الأمر، أن الصراع الراهن لا يعبر عن خلاف فكري أو أيديولوجي ينهض على حجة قوية، بل هو نزاع حول سلطة قيادة الحركة بغرض تحقيق أهداف سياسية معينة، مع تأكيد كل طرف على المضى قُدماً فى طريق بناء السودان الجديد. حدثان يطعنا فى القول بأنه صراع حول رؤية السُّودان الجديد. أولهما، قادة الحركة "الوحدويين" الذين تولوا قتال "الإنفصاليين"، تحت شعار السودان الجديد، فى 1983 و1991، هم أنفسهم من تبنوا لاحقاً حق تقرير المصير من أجل الإنفصال. وثانيهما، أن قادة الحركة الشعبية، المروج وصاحب الدعوة، نجحوا فى إستلام سلطة الدولة الجديدة فى الجنوب، باسم المشروع، ليفتتنوا بالسلطة، ويقتتلوا من أجلها، بينما مشروع السودان الجديد قابع فى الموقد الخلفي. وهكذا، فقد ظل مشروع السودان الجديد مجرد رؤية، أو حلم، لم يتم تفصيله فى إستراتيجيات أو سياسات أو برامج ملموسة، كما لم تطور معايير لقياس نتائجها. فطالما بقي مفهوم السودان الجديد مجرداً ونظرياً، فهو لا يعدو أن يكون تعبيراً فضفاضاً يعرفه كل طرف من منظورٍ مختلفٍ، ويستميت فى الدفاع عن موقفه بحسب منطلقاته السياسية. فمفهوم السُّودان الجديد هو إطار لمشروع قومي يستّهدف بناء دولة المواطنة الحقة والمُستّدامة والقادّرة على إستيعاب المجتمع السوداني بكافة تنويعاته العديدة والمختلفة.

32. لا غرو، فالزعيم الراحل، صاحب الفكرة، يقر بدون تنميق للكلمات "يظل مستقبل بلادنا رهناً بإختيارنا لاتجاه جديد، أي ترتيب سياسي جديد، وهو الذي أطلقنا علية عبارة السُّودان الجديد. وهو مفهوم لم تتضح محتوياته وتفاصيله بعد، ولو أنها مبعثرة فى أذهاننا. والتحدي الذي يواجهنا هو أن نجمع سويا هذه الأفكار المبعثرة، وعندئذ يتشكل السودان الجديد، وتتضح محتوياته ومنهجه. هذا هو الدور الصعب". بدوري، أضيف أن هذا ما لم يحدث بعد، لا على صعيد الفكرة ولا على مستوى الممارسة، فيما عدا محاولات جانبها التوفيق، أوردها أدناه (30).

33. ومع ذلك، فإن ما صاحب رؤية السودان الجديد من سوء فهم، وما أكتنفها من غموض ولبس عند البعض، يعود بقدرٍ كبير إلى الخلط بين السودان الجديد كإطار مفهومي والحركة الشعبية كمروج للمشروع وكتنظيم سياسي بادر في لحظة تاريخية معينة، لتحويل الرؤية إلى واقع ملموس. فعدم الإنتماء إلى الحركة الشعبية، بالمعنى التنظيمي، لا يتناقض بأي حالٍ من الأحوالِ مع إعتناق الرؤية أو الإعتقاد فيها. وحقيقة، أجازف بالقول بأن كل المؤمنين بالرؤية هم "حركة شعبية" بيد أنه ليس كل من هو "حركة شعبية" يؤمن بها! (الواثق كمير، السودان لجديد: نحو بناء دولةالمواطنةالسودانية، سودان تربيون، 30 أكتوبر 2006).

فلكي يصبح مشروع السودان ماركة مسجلة للحركة الشعبية، فعليها وضع بصماتها وبرنامجها الإطاري وملامح إستراتيجياتها وسياساتها، قبل أن تأتي للتفاصيل، بما يميزها عن القوى السياسية الأخرى المُنادية بنفس المشروع: دولة المواطنة السودانية. دشن الزعيم الراحل، جون قرنق، أول خطوة نحو تفصيل المشروع فى برنامج إطاري فى أغسطس 2004، أطلق عليه "الإطار الاستراتيجي للحركة الشعبية للإنتقال من الحرب إلى السلام". وللأسف، فإنه بعد رحيله لم تجد هذه الوثيقة حظاً خلاف الوضع فوق الرف. محاولة أخرى لرسم ملامح برنامج إطاري تمثلت فى المانيفستو الذي أجازه المؤتمر العام الثاني للحركة فى أغسطس 2008. وكسابقتها، لم تُعّر قيادة الحركة الشعبية الوثيقة أدنى إهتمام، عندما كانت الشريك الأكبر فى السلطة خلال فترة الست سنوات الإنتقالية، ولا بعد أن تسلمت مقاليد الحكم فى الدولة الجديدة.

34. لم يكن حق تقرير المصير من المبادئ الأساس لرؤية السودان الجديد.وهذا ببساطة، ما يفسر عدم ظهوره في أدبيات الحركة إلا بعد 9 سنوات من تأسيسها وفي لحظة تاريخية من العملية السياسية للصراع حولقيادةالحركة، فى أعقاب إنقلاب مجموعة الناصر "النظري"، كما وصفه جون قرنق، فى أواخر أغسطس 1991.فرياكمشارولام أكول هما من أقحما هذا المطلب فى أجندة الحركة لخدمة أهدافهما فى الإستيلاء على القيادة بتصوير طرح جون قرنق للسودان الجديد وكأنه يقف ضد إرادة شعب الجنوب (فى الإنفصال). بإلاضافة، فقد شجعهما على ذلك سقوط نظام (مانقستو)فى إثيوبيا، مايو 1991، والتطورات الإقليمية والتي جعلت من الإنفصال هدفا سهل المنال، وأن صعودهما إلى سدة الحكم أضحي ثمرة دان قطافها. علاوة على ذلك، فقد تزامنت هذه الأحداث مع التطورات العالمية ودعوات التقسيم والإنفصال في الإتحاد السوفيتي ويوغسلافيا والصومال واثيوبيا، والتعاطف والدعم الدوليين اللذين حظيت بهما مطالبة الشعوب بحق تقرير المصير. ووفق تقديرات سياسية دقيقة، لم يكن للزعيم الراحل خيار آخرا واقعي غير أن يمضى إلى الأمام فى طريق تحقيق مشروع السودان، من جهة، وإستيعاب الدعوة لتقرير المصير وتضمينها فى مقررات المؤتمر العام الأول للحركة فى أبريل 1994، من جهة أخرى. ومنذ ذلك الحين، أصبح جون قرنق يطرح حق تقرير المصير بإعتباره وسيلة أو آلية لتحقيق الوحدة الطوعية في ظل بيئة غير مؤاتية وغير عدائية، ولا يتناقض مع هدف الحركة الشعبية في تحقيق سُّودان جديد موحد وديمقراطي.

35. ومع ذلك، فمن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الزعيم الراحل كان يدرك جيداً تبعات الدعوة لتقرير المصير على وحدة الحركة، وبالأخص أثرها على قاعدة الحركة الشعبية، وبالأصح الجيش الشعبي، من "الشماليين"، وما ساورهم من هواجس حول صحة قرار إنضمامهم للحركة. فبلغة لا لبس فيها، قال إنه "عندما دعا رياك مشار ومن معه إلى الإنفصال والإستقلال، ثم ذهبوا وكونوا تنظيمهم الذي اسموه حركة إستقلال جنوب السودان، بعض الشماليين فى الحركة الشعبية والجيش الشعبي، مثل ياسر عرمان وآخرون شعروا بأن هذه المفاهيم تهددهم بالخطر. هم كانوا يجادلون ويقولون (نحن إنضممنا إلى الحركة الشعبية وقدمنا تضحيات جسّاماً، والآن نشاهد الناس يسلكون إتجاهاً مختلفاً)! لذلك، جلسنا، خلال شهري نوفمبر وديسمبر 1994، فى مكان يسمى، للمفارقة، جبل أنيانيا (1)، لنبحث عن إجابة للسؤال الذي تم طرحه كالآتي: إذا إنفصل الجنوبيون، فماذا نحن فاعلون؟ خلال هذه الفترة إنبثقت فكرة (لواء السودان الجديد) كإستجابة لهذا الموقف" (جون قرنق فى حوار مع القوي الحديثة، أنظر الواثق كمير، تحرير، جون قرنق: رؤيته للسودان الجديد وإعادة بناء الدولة السودانية). هدفت المبادرة لتشكيل منبر سياسي-عسكري كصيغة للعمل المشترك والتفاعل بين كافة القوي المنادية بتحقيق السودان الجديد، بغرض بناء حركة السودان الجديد السياسية، إلا أنها لم تجد الإستجابة اللازمة وماتت فى مهدها. وهكذا، تحقق ما لم يكن فى حسبان "الشماليين" ممن كان يروادهم الحلم بسُّودان موحد، ولو على أُسس جديدة.

36. ثلاث ملاحظات جديرة بالإهتمام فى الحوار، أو الخلاف، حول حق تقرير المصير وسط قواعد الحركة. أولها، أن البعض لا يبدو منزعجاً من المطالبةِ بهذا الحق فى هذا الوقت، بإعتباره موقفا تكتيكيا يهدف الى رفع سقف التفاوض للحصول على الحكم الذاتي. إن صح هذا الزعم فإن إخضاع أمر إستراتيجى ومصيّري، بما تحمله الكلمة من معني، للمقايضة على طاولة المفاوضات، من شأنه أن يشكك فى مصداقية القيادة الجديدة للحركة الشعبية شمال. وثانيها، بعض الداعمين لتقرير المصير يرددون بثقة أن لا علاقة بين الإنفصال وتقرير المصير، وأن ممارسة هذا الحق لن تقود إلى الإنفصال، دون تقديم دفعات مسنودة بالحيثيات والشواهد. فقد ظللت إبتدر مقالاتي، منذ 2006، بأن للحركة هدفان توأم: السُّودان الجديد وتقرير المصير. وبالرغم من تناقضهما البائن، وإحساسي العميق بأن الإنفصال بات أمرًا واقعًا، إلا أنني كنت أحاول صُنع الشربات من الفسيخ، وإحتج بأن ما بين التعبيرين هو مجرد تناقض "ظاهري"، بل وينبغي أن نعد تقرير المصير كمثبت وداعم للوحدة الطوعية. وصدق حدسي فى ما آلت إليه الأمور. فتجربة الجنوب تقيم دليلاً وتقدم شاهداً لما تفضي له "ممارسة" حق تقرير المصير، يصعب معها تصديق مقولة أن "لا علاقة بين تقرير المصير والإنفصال"، وإن جاءت نتيجة ممارسته فى كوبيك، مثلا، لصالح وحدة كندا. فهذه نقرة وتلك نقرة أخرى.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

يوسف حسين لو ولد قبل مائة عام لكان ولياً يزار 2017-11-18 23:00:09 كتب : ياسر عرمان منذ أن إلتقيته للمرة الأولى في سجن كوبر وأمضيت معه عاماً في قسم الكرنتينة (ب) في الفترة من مارس ١٩٨٤م – الي فبراير ١٩٨٥م، ظل طيف يوسف حسين وملامحه النضيرة دائماً في خاطري، تمر أزمنة مشرقة وأخرى عجاف (...)

لينين الكاتب: زيارة قصيرة في مئوية الثورة الروسية 2017-11-18 09:02:30 مجدي الجزولي صدرت في عيد الثورة الروسية المائة هذا العام سلسلة من الكتب غنية البحث وحسنة الصياغة تروم الدروس والعبر وتستنطق الصامت من الأرشيف السوفييتي. بعضها استلهم بطولة لينين، السياسي المثقف صاحب الإرادة التي جرت (...)

زعازع الترابي 2017-11-13 15:38:14 كتب : عبدالحميد أحمد لا يمكن أن ننظر للجنة التي كوّنها نائب الأمين العام للمؤتمر الشعبي على أنها محض جهد تصوّب نحو فتح النقاش حول موضوع (النظام الخالف) ذلك أن أحمد إبراهيم الترابي انخرط مبكراً ضمن محور مناوئ للأمين العام (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)


المزيد


Copyright © 2003-2017 SudanTribune - All rights reserved.