الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 8 أيلول (سبتمبر) 2019

ثورة السلمية والمحبة

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

في تاريخنا ، تاريخ السودان المعاصر ، ثلاث تجارب ديمقراطية كانت السمة البارزة المشتركة بينها هي أنها كانت نخبوية ، أي أن أمر إدارتها والسيادة على البلاد باسمها كانت محصورةً في / ومتداولةً بين نخبة محددة ومحدودة في الحزبين الكبيرين (حسب التسمية السائدة) المستندين على الطائفتين المعروفتين ثم حلفاء لهما من "الهامش" في غرب البلاد وجنوبها القديم في شكل شخصيات وأحزاب مختلفة .. ورغم أن الكثيرين من أعضاء الحزبين الكبيرين كانوا خريجين مستنيرين ومثقفين ، مهنيين وتجار ، رغم ذلك ارتضوا ذلك الشكل الباهت من الديمقراطية ؛ التهريج في الليالي السياسية وإطلاق الوعود لجماهير الدائرة مبتدأ كل انتخابات عامة ، ثم الدخول في التحالفات والمناورات ، أي الصراع حول المناصب وكراسي الوزارة .. وكان السودان بالنسبة لهم - كما ذكرت مراراً - هو العاصمة المثلثة وبعض المدن الكبيرة ، فلم ينتبهوا لأنسجة التنوع الثرية التي تلون البلاد ليتعاملوا معها بمهارة تجعلها مصدر قوة واندماج ووحدة ..

ومع ذلك ، ورغم هذا التقييم السلبي لها ، إلا أننا لا نستطيع اسقاطها من حساباتنا ، بل هي تجارب مفيدة جداً - وكان لا بد منها - في نشأة ومسيرة وتطور الديمقراطية في السودان ، بمثل هذا النقد و (المعرفة) ، ألهمتنا تلك التجارب لطرق أفضل في فهم الديمقراطية وممارستها حكاماً ومحكومين ، سياسيين وجماهير ، بمعنى أن التجارب الديمقراطية الثلاث : (٥٦ -١٩٥٨ / ٦٤ -١٩٦٩ / ٨٥ -١٩٨٩) والانتفاضات التي رافقتها وفتراتها الانتقالية ، ليست كلها سوءاً وإنما تراث يحكي مراحل تطورنا الوطني ومفاهيمنا الجمعية ..

ثم كان هذا الانفجار الضخم في تكنولوجيا الاتصالات ووسائل التواصل الإنساني وما رافقها من الانتشار المتسارع للمعلومات هي العوامل الحاسمة في توسيع مدارك الأجيال الجديدة وشحذ هممها وتفجير طاقاتها - رغم بؤس الأوضاع التي نشأت فيها (١٩٨٩ - ٢٠١٨) - ليرسموا هذه اللوحة المذهلة ، المشحونة بالتوق للحياة القويمة واللحاق بالعصر ، المدججة بسلاحي السلمية المرعب والمحبة اللا محدودة للشعب والوطن ؛ فوقف العالم احتراماً لثورة السودانيين وحقهم في الكرامة والسعادة والاستقرار .. كان ذلك في مواجهة ثلاثين عاماً من التمكين وتمكين التمكين من قوم يحبون الحياة ومتعها بجنون ، لا ولاء لهم لتراب أو حدود وطن ولا لأملاكه العامة ، التمكين الذي خلف - بعد سقوط رأسه - جسداً ملغوماً بقنابل الردة و (ألانا) أو الطوفان .. كان رأس الجليد فيه المجلس العسكري الانقلابي والقوى المختبئة خلفه .. غير أن ثوار السودان انتبهوا للمخاطر وتدثروا بلباس المرونة امتداداً لأسلحة السلمية والمحبة ، فدخلوا في شراكة مع المجلس العسكري يتقدمون من خلالها نحو أحلامهم خطوةً خطوة ، وحلماً حلماً ، تجلى في الحكومة المدنية وستتجلى أكثر في المجلس التشريعي .. تجلى في الحكومة المدنية ؛ في طريقة تكوينها ، معاييرها ، وفي إفادات السيد رئيس الوزراء في مؤتمر إعلانها ، الإفادات التي كان من أهمها : ان السعي لإسقاط الحكومة بالوسائل القانونية حق مشروع ، وان المعارضة أمر هام بل وأساسي لأنها الجناح المكمل للحكومة في لوحة الديمقراطية ... إلخ ، ورغم أن بعض المعايير في تكوين الحكومة غير صحيحة (في اعتقادي) على المدى البعيد ، إلا أن ضرورات المرحلة وظروف التعافي الوطني تجعل منها أمراً مقبولاً مرحلياً .. اذ في الظروف الطبيعية لا معنى للتمثيل الجغرافي الجهوي أو الجندري النوعي إذا كانت الكفاءة هي معيار الاختيار ، فقد تكون أعلى الكفاءات من إقليم معين أو إقليمين ، وقد تكون في النساء أو الرجال ، وقد تكون من حزب أو حزبين ، فلماذا نحرم الوطن من الكفاءة الأعلى التي نتفق عليها وعلى جدارتها ؟؟ ، سنأتي على مثل هذه الرؤى في خطوات لاحقة من التطور والنماء والاندماج الوطني ..

نعم ، قفز السودان قفزات واسعة في طريق التطور الديمقراطي بثورته ، ثورة ديسمبر ٢٠١٨ الجارية حتى الآن بفضل أسلحته العبقرية : السلمية والمحبة التي لمعت وتجلت في وقائع الثورة وفي وقائع المؤتمر الصحفي لرئيس الوزراء عشية اعلان الحكومة الانتقالية .. ففي السلمية والمحبة تتجلى الديمقراطية في أعذب ألحانها وسيادة حكم القانون في وجهها البهي ..


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

المهنيون والتنسيقية وما بينهما 2019-11-19 20:39:14 بقلم : محمد عتيق عندما انفجرت المظاهرات الشعبية منتصف ديسمبر ٢٠١٨ في البلاد ،وآثرت القوى السياسية وعلى رأسها نداء السودان الدفع بلافتة المهنيين لقيادة الثورة لأسباب بعضها موضوعية وأخرى تكتيكية ، كان على قوى المعارضة (...)

"خليك مع الزمن " وضد العنصرية 2019-11-18 20:08:46 اْحتفي برمضان زائد جبريل ياسر عرمان المصانع التي انتجت رمضان زائد جبريل ؛أغلقت أبوابها وتوارت خلف سحب الغياب ، وأفل البلد الذي أنجب رمضان زائد قبل الشروق ، ولم يعد موجوداً في الخريطة مثلما كان ذاخراً باطياف البشر واللغات (...)

الترابي والجيش: من دبر الانقلاب 2019-11-12 08:08:26 مقاربة بين المحاكمة والتاريخ بقلم : عبدالحميد أحمد نحو منتصف العام 1989 فرغت سكرتاريا الحزب الشيوعي السوداني من صياغة مسودة تقييم 19 يوليو وانتهت إلى الأعتراف بأن: "19 يوليو انقلاب عسكري، نظمته وبادرت بتنفيذه مجموعة من (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.