الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 23 آذار (مارس) 2019

ثورة ديسمبر ليست لتغيير نظام حاكم فحسب!

separation
increase
decrease
separation
separation

مبارك أردول

الشواهد تخبرنا إنها ثورة أبعد من أن تكون موجهة ضد نظام الانقاذ فحسب، بل إنها ثورة ضد كل المفاهيم والممارسات والسياسات وحتى التابوهات القديمة المتراكمة.

ثورة تتجاوز تغيير النظام الحاكم الذي يتقمص كل اشكال القديم، و في كل مناحي حياته و ممارساته، وبما إن نظام الحكم يعتبر واحد من أجندتها، و أيضاً التجربة البشرية أثبتت أن مفتاح التغيير يكون بيد الجهات المشرعة والحاكمة، ولكن المبادئ والأحكام التي يشرعون على أساسها ويحكمون بها تكون مستمدة من القيم الجديدة والمفاهيم الحرة التي اكتسبها المجتمع وجاءت من الانقلاب والرفض والإشمئزاز من كل أشكال القديم، والمتطلع الي الجديد المجيد.

لقد تراكم كل القديم بقبحه الآن، من انعدم العدالة الاجتماعية والفساد بمختلف أشكاله وتكدس الأموال والثروات في أيدي حفنة مرتبطة بالسلطة واستغلال الدين في السياسة وامتطائه كمزية للكسب، وإطالة بقاء النظام دون تبادل للحكم، وانتشار البطالة والضيق الاقتصادي وإطالة أمد الحرب، وأثارها المتعددة من نزوح وتشريد وفوق ذلك انعدام الأمل بغد أشرق وأرحب، جعل كل ظروف الثورة مواتية لتندلع اليوم وتكون في وجدان الجميع وتتسع كل صباح.

لقد قطعت ثورة ديسمبر شوطاً بعيداً حتى وصلت مارس وماضية الي ابريل وستستمر معنا الي ما لا نهاية يكون الجماهير حراساً لمكتسباتها وأهدافها، حتى تصبح قيم تورث للأجيال، جيل بعد جيل، وتظل تشريعات ونمط حياة لا تقبل سوى التطوير.

فالثورة في كل مناحي الحياة الآن، فلا الحرية التي انتزعت بالتضحيات يمكن ان ترتد الي قهر، ولا حقوق المرأة التي اقتطعت يمكن ان تتقهقر الي الاستبداد، ولا استغلال الدين ولا الصمت او القهر سيظل مخيفا بعد اليوم.

من يعترضونها ويحاولون إسكاتها بالتشريعات والقرارات والاشاعات والاعمال القمعية انهم مجرد أناس ماضويين يريدون إرجاع ساعة الزمان الي الوراء وعجلة الأحداث الي الخلف، ولكن هيهات، فالزمان لا يتوقف ولا التاريخ سيعاد، بل هم مجبرون إما الذهاب مع أمواجها أو الغرق سباحة ضد تيارها.

لم يتبقى لثورة ديسمبر شي سوى نظام الحكم القائم الفاقد للشرعية والمقبولية، ولو كانت الثورة قد غيرت نظام الحكم في مبتدئ ايامها، فما كانت لتحقق مكاسبها العميقة التي نشاهدها اليوم في بقية النواحي الحياتية، والوعي والوحدة الوطنية التي أنجزتها، والثورات السريعة مرجحٌ سرقتها او تحييدها من هدفها او ستكون إنتكاستها متوقعة.

اما اليوم فإنها قد تمفصلت في كل مشارب الحياة، انها محروسة بوعي وتضحيات المواطنين القادرين على حمايتها حالياً ومستقبلاً.

هذه الثورة يجب ان تتسودن فيها كل المصطلحات السياسية، وتكون معبرة عن تجربتنا وواقعنا، فالديمقراطية والعلمانية والدكتاتورية والشمولية مصطلحات جاءت في ومن ظروف تاريخية مشابهة للتي نعيشها اليوم، وثورة السودانيين يجب ألّا تستلف مصطلحات المجتمعات الأوروبية، ولا يجب أن تكون أسيرة داخل توابيتها، يمكننا أن نتمسك بالمعاني والمحتويات دون الحاجة الي مصطلحاتهم، فها نحن قد ثرنا ضد كل القديم.

الثورة تفرض واجبات سياسية وأنشطة ميدانية وكذلك واجبات فكرية للمثقفين الثوار، فان المثقفين الثوار أمامهم واجب التنظير لهذه الثورة والعمل على وضعها علامة تاريخية ومفاهيمية فارقة في حياة البشرية، فلايمكن لثورة بهذه العظمة والتضحيات ان تنتهي بتغيير سياسي في رأس الحكم أو نظامه فحسب، ولا يمكن أن نستلف مصطلحات عصر التنوير في أوربا التي ما عادت تشكل نمطا نريد تكراره، فنحن في حاجة الي الاستقلال المفاهيمي والمصطلحي وبل تعمد موقع القيادة.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

معلومات جديدة عن الثورة والثورة المضادة والمجلس 2019-04-25 11:39:01 بقلم : ياسر عرمان الوضع الحالي اكثر الأوضاع دقة في تاريخ السودان منذ ١٩٥٦م ، ويطرح فرصة لتجديد الدولة السودانية بالكامل أو انهيارها بالكامل، وهذا يعتمد على مقدرة قوى التغيير والتجديد في استخدام الإمكانات والفرص التي (...)

على المجلس العسكري ان يكون اداة في يد الحركة الجماهيرية لا اداة في يد الحركة الاسلامية 2019-04-22 20:45:05 ياسر عرمان جماهير الشعب السوداني هي مصدر الشرعية، ولولا التضحيات التي قدمها الشعب السوداني طوال الثلاثين عاما والتي وصلت الي حدة الابادة الجماعية وجرائم الحرب ولولا شجاعة النساء و الشباب ونهر الشهداء والجرحى لما وصلنا الي (...)

الأزمة السودانية: أبعد من مجرد "إنقاذ" 2019-04-22 20:43:25 فاروق جبريل لا تتناطح عنزتان على حاجة البلاد الماسة للتغيير، ولكن تكمن الأزمة في تعريف هذا المصطلح النسبي. فبالتأكيد للمجلس العسكري و تجمع المهنيين وحاملي السلاح تصورات مختلفة, ربما كليا, عن التغيير المنشود. عموما، يمكن (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.