الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 10 آذار (مارس) 2019

ثورة ١٩ ديسمبر الصامدة قادرة على تحقيق حلم الحرية والتغيير.

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : أبوعبيدة الخليفة

إن السودان في تاريخه الحديث، ما قبل وبعد الإستقلال، شهد قصوراً فاضحاً في مخاطبة القضايا السودانية الأساسية وأهمها التعدديات المختلفة والمواطنة المتساوية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الإجتماعية والإعتراف بالآخر والتنمية المتوازنة بما زاد من الغبن والضيم الإجتماعي وقد كانت التنمية غير المتوازنة والمواطنة وغير المتساوية أحد السمات الظاهرة في هذا القصور مما ترتب عليه ظهور قضية التهميش في البلاد، ليأتي نظام التطهير العرقي والإبادة الجماعية ليُرسخ مفهوم التعالي العرقي والديني وتشهد البلاد أسوأ فتراتها، فتم فصل الجنوب وإرتكاب جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية في إقليم دارفور وجرائم الحرب في النيل الأزرق، وجبال النوبة، في أجواء مؤلمة من العداء للديمقراطية وحقوق الإنسان لتتحول البلاد إلي سجنٍ كبير تتنامي فيه حملات التعذيب فيما سُمي ببيوت الإشباح وفصل إعداد كبيرة جداً من المواطنيين عن العمل لا لجرمٍ إرتكبوه بل بسبب موقفهم الواضح والصريح من إنقلاب ٣٠يونيو ١٩٨٩م والذي أطاح بديمقراطيةٍ حقيقيةٍ إرتضاها الشعب السوداني لتكون فيصلاً في موضوع تدوال السلطة في البلاد.

إن عدم مخاطبة الحكومات السابقة لهذه القضايا وإستمرار التجاهل قد أضعف الأحزاب السياسية وأعاقها عن ممارسة الحكم عبر الطرق الصحيحة، مما أدى إلى إنحراف الأهداف عن مسارها، وأن التفكير في دستورٍ إسلامي في نهاية الستينات من القرن الماضي قد فتح الطريق إلي خلايا الأخوان المسلمين إلي التطور بصورةٍ أميبية وإستلامهم لقفاز الدفاع عن الإسلام في أسوأ ممارسة لإستغلال الدين في السياسة فتمكنوا من تنمية تنظيمهم في ظروف من القهر والإضطهاد والقمع والدكتاتورية بحربائية وإنتهازية حيث استفادوا من فترة حكومة مايو بالرغم من قصورهم الفكري الذي ينظر إلي الدين كحدود فقط تتركز في الجلد وبتر الأطراف وقصاص دون التفكير في أي أفق آخر سوي تفكيرهم الإنقلابي.

إن واقع السودان الحالي الذي أصبح بلا سيادة وطنية ولا كرامة لمواطنيه أدى إلى تحول البلاد الي دولة فاقدة لمقوماتها ومواردها تعتمد علي التسول وإستعطاف الدول الغنية في المنطقة لتقديم المساعدة لها، مما أكسب السودان سمعة سيئة وسط الدول، ويكفي أن يكون علي رأس الحكومة في البلاد رئيس مجرم مطلوب للعدالة الدولية لإرتكابه جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية في إقليم دارفور.

إن ثورة ١٩ ديسمبر هي ثورة حقيقية تكاملت فيها كافة أسباب الثورة من فصل الجنوب والتطهير العرقي والإبادة الجماعية والحروب الداخلية التي تشنها الدولة علي مواطنيها واضطهاد المرأة وتفشي الفساد والمحسوبية والرشوة وفقدان السيادة الوطنية وإنعدام الديمقراطية وحقوق الإنسان والإنهيار الإقتصادي، كما أن طول فترة المحنة كرس الغبن وأوغر الصدور.

إننا نقول أن بقاء نظام البشير يُمثل كلفة إضافية وعالية جدا يدفعها الشعب السوداني ويكفي أن نذكر هنا أن ميزانية الأمن والدفاع دوماً تصل الي ما يزيد من 7٠ % من جملة ميزانية تصل الي ٢٤ مليار دولار وفقدان البلاد لما يُعادل ٥ مليار دولار سنويا جرّاء المقاطعة الأمريكية وقانون مكافحة الإرهاب ومن الديون ما يُعادل ٥ مليار دولار سنوياً، دع عنك المبالغ المسروقة بواسطة البشير وأسرته وبطانتهم وقيادات الدولة الفاشلة الأخري، بالإضافة إلي موارد أخرى يمكن حسابها وهي لا تقل عن ٥ مليار أيضا ظلت تُهدر نتيجة سرقاتهم، أما إذا تم حساب الفاقد الوطني في الكفاءات من أطباء ومهندسين وزراعيين وإقتصاديين ومعلمين وعمال مهرة ومزارعين ورعاة وفنيين تحملت البلاد مليارات الدولارات في تعليمهم وتدريبهم وتأهيلهم، فإن هؤلاء بأعدادهم المهولة يعملون في المهاجر ودول الإغتراب كمهارات جاهزة ومعدة إعداداً جيداً فحدث بلا حرج، علماً بأن ميزانية دولة مثل أثيوبيا لا تزيد عن ١٥ مليار دولار وسكانها أكثر من ضعف السودان ولكن يعيش أهلها في أوضاع أفضل وحكومتهم تحقق معدلات مرتفعة في مجال التنمية والبنيات التحتية مما يُدلل بأنها تمضي بالإثيوبيين في طريق الرفاه والتقدم.

لقد تميزت ثورة ١٩ ديسمبر بطول عزمها و بقائها متقدة وإستمراريتها ونضجها وقد إكتملت فيها كافة تجارب الثورة السودانية من كفاح مسلح ومدني بما حقق وحدة مشتركة في الهدف والمصير واختلطت فيها دماء شهدائنا في الكفاح المسلح والمدني، ولذا من الضروري الإستفادة من تجاربنا التاريخية المهمة والمريرة كفصل الجنوب والإبادة الجماعية والتطهير العرقي في إقليم دارفور و حروب النظام في النيل الأزرق وجبال النوبة في تعزيز لُحمتنا الوطنية وحل قضايانا الوطنية والمضي قُدماً في دروب العزة والكرامة.

إن ثورة ١٩ ديسمبر قد طرحت القضايا القديمة الجديدة والمهمة وهي ترتبط بالحقوق الإجتماعية والمواطنة المتساوية والتنمية المتوازنة والإعتراف بالآخر وبالتعدد الثقافي واللغوي من أجل إثراء المجتمعات السودانية وتمكين الثقافات المتعددة لخلق مجتمع متماسك ومتجانس تكون العدالة الإجتماعية أحد أهم سماته، وهي نفس القضايا التي هيأت الجو لإعلان الحرية والتغيير.

إننا لا نستطيع تحقيق هذه الأهداف إلا وفق أفقٍ ثوري عبره نحول تضحياتنا إلي مكاسب حقيقة تحول الواقع المؤلم إلي مستقبل يتسم بآفاق تحقق السلام و وحدة النسيج الإجتماعي والمحبة بين الشعوب السودانية في وطنٍ يسع الجميع تسود فيه العدالة والتنمية المتوازنة والرفاهية الإجتماعية.

إننا في حركة تحرير السودان في قلب ثورة التغيير التي تحملنا جزءً كبيراً من مسؤولياتها وقدمنا كحركة مقاومة فقط ما يُقارب السبعة الآلالف شهيد ثوري وقد ظلت الحركة ومنذ إنطلاقها تتمتع بفهمٍ ثوري ناضج من أجل حماية حق الحياة أولاً وتحرير البلاد من قبضة التخلف والتعالي العرقي والإستغلال الديني وتسلط الدكتاتورية.

يجب ألا نغفل أن السودان مقبلٌ علي تغييرٍ كبيرٍ وأن هناك صراع بين قوي الثورة الحقيقية وأعداء الثورة والتغيير الذين ليست لهم مصلحة في التغيير الثوري أو التغيير الجذري الذي يحول الواقع إلى الأفضل ويُرسي أسساً إنسانيةً ويُتيح ديمقراطيةً تعددية في دولة متقدمة تحترم وترعي وتحمي حقوق الإنسان الأساسية وحقوق المرأة وبناء دولة المواطنة المتساوية والعدالة الإجتماعية في وطنٍ ذي سيادة حقيقية، ولذا علينا أن نكن يداً واحدة ومتعاونة .

إننا في هذه المرحلة التاريخية الحرجة ندعو كافة جماهير الشعب السوداني الثائر إلي الوحدة حول القضايا والأهداف الثورية وليكن ذلك وعداً ووفاء لشهدائناالأبرار.

نعدكم أننا في حركة جيش تحرير السودان سنظل دائما جزء من الثورة وستجدون عضويتنا وأصدقاءنا و جماهيرنا في الصفوف الأمامية من أجل إسقاط نظام التطهير العرقي والإبادة الجماعية من أجل ضمان تحقيق الثورة ووصولها إلي بر الأمان.

إننا ننتهز هذه الفرصة لنترحم علي كل شهداء الثورة السودانية الذين قدموا دمائهم الطاهرة فداءً للوطن، ومتمنين عاجل الشفاء للجرحي، والتحية والحرية للأسرى والمعتقلين
والتحية للنازحين و اللاجئين، ولكل أبناء الشعب السوداني.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

من جمهورية الاعتصام ... الى بناء البديل (2-7 ) 2019-07-22 13:27:50 بقلم : السر سيد أحمد .. وفي اليوم التالي نجاح الثورة المتوقع، رغم العثرات، في العبور الى تشكيل هياكل الفترة الانتقالية وعدم انزلاق البلاد الى حالة من العنف والفوضى لا يعني ان مرحلة الخطر تم تجاوزها بسلام. فالتجاذب بين (...)

كلكم أبطال 2019-07-21 20:01:00 بقلم : محمد عتيق شهد الأسبوع الماضي أوسع جدل في مسيرة الثورة السودانية الجارية بين المعارضين والمؤيدين لوثيقة الإتفاق السياسي التي وقعتها قوى الحرية والتغيير بالأحرف الأولى مع المجلس العسكري الانقلابي فجر الأربعاء ١٧ (...)

من جمهورية الاعتصام ... الى بناء البديل (1- 7 ) 2019-07-21 13:11:13 بقلم : السر سيد أحمد زمان القرارات الصعبة وأعادة ترتيب الاولويات في منتصف مارس الماضي شاركت في مؤتمر في باريس عن مستقبل البحر الاحمر. ومع ان تركيز المؤتمر كان على الجوانب الاقليمية الا ان ما يجري في السودان لقي نقاشا (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.