الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 10 شباط (فبراير) 2019

جيوش صلاح قوش و الحراك الجماهيري في السودان (1 - 10)

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : عبدالعزيز النور

الوقوف عند التصريحات الأخيرة للسيد صلاح عبدالله قوش مدير جهاز أمن و مخابرات النظام المسيطر على الحكم في السودان و التي جاء فيها إن هناك خمسة جيوش تستعد لمهاجمة الخرطوم و ذلك بعد تصاعد الإحتجاجات الجماهيرية الشعبية منذ ديسمبر من العام الماضي و التي أربكت أجهزة النظام و أعجزت كل محاولات إيقافها كما في السابق، أمر بالغ الأهمية للحراك الجماهيري الحالي، و لكن لنقف أولا عند سلوك و تصريحات الأجهزة الأمنية السودانية بما فيها النظامية التي تسمى "قوات الشعب المسلحة السودانية" في التعاطي مع القضايا السودانية بصورة عامة كمدخل لفهم توجهات النظام و ما الذي نتوقعه منه خلال الأيام المقبلة، و لإدراك ما عناه مسئول الأمن بتصريحاته هذه، فهل حقا يعني صلاح قوش ما أشار إليه من جيوش أو أن ثمة ما هو خارج السياق؟…

عند بدء الإحتجاجات في الدمازين في الثالث عشر من ديسمبر و التي تطورت في السادس عشر منه إلى مطاردة الشرطة و الأجهزة الأمنية للطلاب المتظاهرين داخل الأحياء من جهة و خروج الأهالي لمواجهة الرافضين لهذه الملاحقات من جهة أخرى، و من ثم إلى مشاجرات ببن أفراد الجيش و الشرطة لتنتهي بإعتقال أفراد الشرطة بواسطة منسوبي الجيش و حرق خيمة الشرطة من قبل المواطنين، فيما قرر النظام و أجهزته التكتم على الحراك و إعتباره حراكا معزولا يمكن معالجته بطريقة أمنية بعيدا عن الأنظار كما ظل يحدث كل مرة تجاه أي حراك جماهيري شعبي مطلبي أو إحتجاجي، إلا أن عطبرة التي تسلمت الشعلة من الدمازين في التاسع عشر من ديسمبر كان لها القدح المعلى في تفجير فتيل الثورة الحالية. و هنا كانت ردة فعل النظام الذي أدرك خطورة المسألة بالنسبة إليه، و لكن سوء تقديراته قلبت عليه الموازين رأس على عقب، حيث أن النظام إعتقد أنه بالإمكان الضحك علي الشعب السوداني "بسياسة فرق تسد" من خلال إعلانه في مؤتمر صحفي بأن من يقومون بهذه التظاهرات هم أبناء دارفور "المخربين لمصلحة إسرائيل" و عليه قام النظام بالهجوم على منازل طلاب دارفور و قتل و إعتقال العديد منهم و إجبارهم على تسجيل الإعتراف بأشياء لا يعلمونها للتدليل على إدانتهم، و هي محاولة الغرض منها شق صف الجماهير الهادرة، و هي ذات السياسة التي إتبعها النظام في عرقلة بناء لحمة وطنية إبان حربه على الشعب السوداني في الجنوب و الحرب الدائرة الآن في دارفور و النيل الأزرق و جنوب كردفان حتى لا يعترض أحد على بشاعاته و فشل سياساته.

بالوقوف عند مدخل صلاح قوش الأول للتعامل مع الحراك الحالي، ندرك أن تصريحاته الأخيرة حول جيوش يعتقد أنها جاهزة للإنقضاض على الخرطوم حال سقوط النظام، ما إلا تطور في ذات النهج "فرق تسد" و هروب من المسئولية و مواجهة الأزمة التي تسببت فيها سياسات نظامه. ربما يعني صلاح قوش بهذه الجيوش القوى المسلحة في فصائل المقاومة المختلفة "الحركة الشعبية، فصائل / قوى تحرير السودان، العدل و المساواة، المجلس السوداني الثوري"…الخ، و لكن هذه القوى جميعها أعلنت دعمها الحراك الجماهيري، و أعرب بعضها عن جاهزيته على وضع السلاح حال سقوط لنظام، و هذه الخطوة لقيت ترحيبا واسعا من قوى الجماهير الهادرة في الشارع الآن، و مع ذلك يصر النظام أن يلعب على ما يعتقد أنها مخاوف الجماهير و تهديد الشعب بالإنفلاتات الأمنية و عدم الإستقرار في سلوك إبتزازي غريب يظهر النظام و كأنه ليس على دراية بواجبات الدولة الأساسية. واجبات الدولة هي توفير الأمن و النظام العام و الخدمات الأساسية و ليس إستخدام هذه الأشياء ضد المواطنين، فمن الملاحظ أن الدولة تبتز المواطنين بأشياء هي من صميم واجبها، و لكن على العكس، فإن النظام الحاكم في السودان يستخدم واجباته و يمن بها على المواطنين، قضايا الحرب و السلام في مناطق الحرب بالسودان هي مسئولية النظام، و النظام وحده من ظل يرفض الإعتراف بالمشكل السوداني و الحلول السياسية المطلوبة لإنهاء الحرب في السودان، و بدلا عن ذلك خصص موارد الدولة بنسبة تفوق 70 ٪ لدعم الحرب و إهدار الموارد في تجنيد المليشيات، فضلا عن إنتشار الفساد و تقنينه في جميع المؤسسات و عزيز سياسة التمكين و التجنيب و إشاعة إقتصادات الحرب و العصابات و النهب و السلب ما أدى إلى الأزمة الإقتصادية الحالية حيث وصلت معها تقلبات السوق إلى مرحلة الصدمة "أي عدم القدرة على دوران عجلة السوق".

كان من السهل جدا على النظام و بدلا عن تهديد و تخويف المواطنين بجيوش سوف تنقض على الخرطوم و تشيع الفوضى و الرعب و غير ذلك، كان عليه أن يوقف الحرب و يأتي بالسلام، و إيقاف هدر الموارد بدلا من إنكار و إزدراء حقوق المواطنين و شن الحرب عليهم في مناطق الحرب الحالية، و بالتالي توفير ميزانية الحرب التي تفوق عشرات المرات ميزانيات السلام في الدولة، و لكن و بذات السلوك المتعجرف و عدم الإعتراف بالقضية السياسية في دارفور و جبال النوبة و النيل الأزرق و الإصرار على الحل الأمني، يحاول النظام الآن إنكار الأزمة الإقتصادية التي لم تقف عند ندر و إنعدام المواد الضرورية بينها الخبز و الوقود و الأدوية المنقذة للحياة و إنما بلغت درجة عجزت معها السلطات عن توفير النقد المحلي ناهيك عن النقد الأجنبي الذي يعتبر الأساس في إستيراد الأشياء التي لا يمكن توفيرها محليا أو بالأحرى إستيراد كل ما يحتاجه الإنسان في السودان بعد تعطيل مشروعات الإنتاج التقليدية بفعل سياسات النظام مطلع حقبة حكمه هذه. هذا السلوك يفسر أن النظام يعتقد أنه ليس عليه أي مسئولية خارج تمكين ذاته و منسوبيه، و أن بقاءه على سدة الحكم أولوية مهما كلف الأمر، و هذا ما تعضده تصريحات البشير المتكررة في تخويفه للجماهير من أن إسقاط النظام يعني التشريد و اللجوء، أي أن النظام سيحمي نفسه و يقاتل من أجل بقاءه حتى لو أدى ذلك إلى تدمير مركز السلطة في الخرطوم، دونما تقديم أي حلول حقيقية للأزمة الحالية. و هو ما يترجم الإصرار على إطلاق التهديدات من كل منسوبي التنظيم بما في ذلك الذين هم خارج الدوائر التنفيذية في السلطة كما جاء على لسان علي عثمان محمد طه نائب الرئيس السوداني الأسبق بإستخدام كتائب ظل لحماية النظام، و كذلك الفاتح عزالدين رئيس البرلمان السابق الذي هدد بقطع رأس كل من يخرج الشارع، و آخرين من المراتب الدنيا في الأجهزة الأمنية مطلع الإحتجاجات كانوا قد هددوا بذلك حيث قال أحدهم "أطلعوا الشارع عشان نخليكم زي أخواتكم، و لكن الآن هناك من ينفذ هذه التهديدات فعليا و عملية إغتيال الشباب الثائر بدم بارد تدلل على كل شئ، آخرها عملية الخوزقة الشرجية للأستاذ أحمد عوض الكريم بمنطقة القربة.

و بالعودة على مدير جهاز الأمن و تصريحاته الأخيرة، فإن توجه الحل الأمني يزيد من عبء المسئولية على رجل المخابرات السيد صلاح عبدالله قوش، و بناء على ما تقدم و على ما لم يتم ذكره من مواقف و إعلانات و تصريحات و ردود أفعال أخرى لمنسوبي النظام، فإن تصريحا صلاح قوش يمكن أن لا يتم أخذها بهذه النظرة السطحية لسلوك نظام سجله المؤامراتي غني عن التعريف، أي ليس بالضرورة أنه - صلاح قوش - يعني جيوش المقاومة المسلحة "الحركات المسلحة " المذكورة، و إنما لربما زراد قوش تهيئة الناس على أن الأمور ربما تتطور إلى حد الحرب، حتى وإن لم تكن جيوش المقاومة المسلحة التي أعلنت دعمها للحراك الجماهيري ضالعة في ذلك. فهل يعني صلاح قوش أنه و من أجل إعادة السيطرة على الشارع ربما يصل الأمر لأن تكون هناك معارك عسكرية مصطعنة، أم أن هذه التصريحات تسير في خط مطابق لتصريحات جيش النظام بقيادة وزير دفاعه و أركان حربه في أنهم لن يسلموا البلد لمن أسموهم بشذاذ الآفاف و من هم هؤلاء الشذاذ؟، هل كل هذا يمهد للإستيلاء على السلطة بإنقلاب عسكري متفق عليه مرة أخرى يضمن سلامة الإسلاميين و يحول دون مسألة العدالة التي تعتبرها قطاعات واسعة من الشعب بأنها مدخل للسلام المستدام في السودان. و هذا ما نركز عليه في المقال التالي..

oudingdung0214@gmail.com


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

دفن الليل أب كراعا بره 2019-02-15 12:18:54 بقلم : محمد صالح رزق الله من الواضح الجلي أن ثلة من القوم ، لم يستوعبون الدرس ولم يفهمون الرسالة بعد . فنجد أنفسنا مضطرين لنعيد علي مسامعهم مرة اخري ان ( سودان الأمس ولي ومضي ولن يعود ) و نراهم ما فتئوا في غيهم يعمهون ، (...)

جيوش صلاح قوش و الحراك الجماهيري في السودان (3 - 10) 2019-02-14 22:10:22 بقلم : عبدالعزيز النور oudingdung0214@gmail.com أشرنا في خاتمة المقال الثاني من هذه السلسلة إلى أن تصاعد الحراك و إنتظام و تضاعف القوى الجماهيرية المطالبة بإسقاط النظام في السودان يضع النظام أمام خيارات صعبة جدا، (...)

قراءة في متون "مبادرة السلام والإصلاح" 2019-02-13 15:10:24 بقلم: خالد التيجاني النور موقف المجموعة الجوهري: ضرورة الامتثال الفوري لمطالب الجماهير بالتغيير (1) أعادت الاحتجاجات الشعبية التي انتظمت البلاد على مدار الشهرين الماضيين، (مبادرة السلام والإصلاح) إلى واجهة الرأي العام (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.