الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 6 آب (أغسطس) 2018

حادثة المدرسة .. فلتكن حصتهم الأخيرة من أرواحنا

separation
increase
decrease
separation
separation

كتب : عمر الدقير

الشَّمْسُ ذَاهِبَةٌ لِمَخْبَئِها ووَجْهُها مُحْتَقِنٌ دَمَاً

"من مرثية سومرية"

منذ بواكير نظام "الإنقاذ" ومسرح الأحداث في السودان عبثي تراجيدي، وإن كان ثمة كوميديا على هذا المسرح فهي على طريقة شر البلية ما يُضحك .. منذ بواكير نظام "الإنقاذ" وخيوط الدَّم والدمع تأبى أن تنقطع .. أمثلة لا حصر لها لمواطنين أبرياء ذهبوا في موتٍ عبثي مجاني وبقي الأسى يقطر من شواهد قبورهم، ولا يزال جُرح الحزن عليهم مفتوحاً كفمٍ بليغ يشهد على واقعٍ غاشمٍ يخسر فيه الورد رائحته لمصلحة الدَّم.

يصعب على المرء أن يكتب بالحبر في لحظةٍ مضمخةٍ بالدَّم .. وأهون عليه أن ينام بجسده العاري على سريرٍ مزروعٍ بالشوك مِن أن يفتح عينيه على مشهد ذلك الجدار المدرسي - الذي أسقطه سوس الفساد - وتحوَّل إلى تابوتٍ حجري لأجساد تلميذاتٍ صغيرات في ظهيرةٍ أسيانةٍ غابت شمسُها قبل الأوان وذهبت لمخبئها ووجهها محتقنٌ بالدَّم ولم يعقبها قمرٌ كي يفتضح اللصوص والقتلة، فيما تحوَّل ذلك المشهد الحزين إلى مجرد عَلَفٍ للميديا بكل وسائطها!!

كأنّ هذه الحادثة أبت إلاّ أن تفضح زيف شعارات الحكم "الإنقاذي" في أكثر الصور فداحةً وبشاعة وتقدم تجسيداً مكثفاً للمعنى العبثي للحكم الراشد وتقف شاهدةً، مع شواهد أخرى كثيرة، على تخلي دولة "الحكم الراشد" عن أهم واجبٍ يفرضه عليها الدستور، وهو صيانة "الحق الأصيل لكل إنسان في الحياة والكرامة والسلامة الشخصية - المادة 28" .. وتزداد المفارقة إيذاءً للشعور العام وازدراءً له حين لم ترتقِ تلك الحادثة المأساوية إلى أن تكون سبباً كافياً لاستقالة، أو إقالة، أي مسؤول من المعنيين في مستويات الحكم الإتحادي والولائي.

إنَّ أدب إستقالة، أو إقالة، المسؤولين الكبار بالدولة في حالة حدوث قصورٍ فادح أو أخطاء جسيمة في الدوائر التي تتبع لهم إدارياً - خصوصاً تلك الأخطاء التي تتسبب في إزهاق أرواح - لهو من صميم ثقافة الحكم الراشد "المُفتَرى عليه"، إذ أنه يعني الإعتراف بالخطأ والتقصير وإعلان الندم عليهما وإدانتهما ويعني نقداً للذات وفتح الطريق للمحاسبة العادلة والمراجعة الأمينة والشجاعة للسياسات والممارسات، كما يعني قبل ذلك كله تقديراً لحرمة أرواح البشر وانحناءة أسف وخجل إنساني أمام شواهد قبور الضحايا واعتذاراً أخلاقياً لأسرهم، وكلها من شروط الحكم الراشد اللازمة لتلافي العجز والتقصير والأخطاء الفنية والإدارية وإعادة البناء على أُسسٍ علمية سليمة وأخلاقية نقية خدمةً للناس وإيفاءً لحقوقهم.

أمّا لجنة التحقيق التي أُعْلِنَ عنها، فهي - بحسب التجارب مع سابقاتها - ليست أكثر من ذَرٍّ للرماد على العيون ريثما يواري القضية غبار النسيان، ولن تكون ذات جدوى فعلية أو تمنع تكرار الحادثة المأساوية وأمثالها، مادام ليس مسموحاً لأي تحقيق أن يتسع ويأخذ منحى المراجعة النقدية والتقيمية الشاملة للسياسات والأداء وكشف مكامن الخلل، إذ أنه في هذه الحالة سيطعن الفيل، وليس ظلَّه، وسينتهي بتوجيه أصابع الإتهام الرئيسي لمؤسسة الفساد ومنسوبيها ولانعدام الرشد في نهج الحكومة الإقتصادي الإجتماعي وسياسة التمكين التي اعتلَّ بسببها أسلوب إنفاق الموارد العامة وإدراة المرافق العامة.

يقول شاعر إسبانيا الأشهر غارسيا لوركا: "من لا يصغي لأنين حمامةٍ أسقطها الصياد مضرجةً بدمها، ليس شاعراً على الإطلاق"، وبهذا المقياس فإن من لم يهتز ضميره لحادثة موت التليمذات الثلاث تحت الجدار المنهار، ليس جديراً بالانتساب للإنسانية .. ولوركا نفسه هو الذي طلب من الضابط المكلف بإعدامه - عندما اقتاده مغلول اليدين في ليلةٍ قمرية لتنفيذ الحكم فوق تلال غرناطة - أن يتخير للتنفيذ مكاناً في سفح التلال يحجبه عن رؤية القمر لأنه، كما قال، يخجل أن يموت قبالة قمر إسبانيا الذي ألهمه أجمل قصائده وأوثقها اتصالاً بالأطفال ومخيلاتهم وأحلامهم .. وليس بعيداً عن لوركا، حكى أحد الكتاب الطليان عن طفلةٍ جميلة دَهَمَ عسكريون ألمان منزل ذويها بحثاً عن أخيها الشاب، وعندما لم يجدوه قتلوا الطفلة وتركوها على عتبة الباب، وحين جاء الأب المفجوع مدَّدَ جسدها الصغير الدامي في إناءٍ وغمره بالنعناع، ثم دعا الجنرالات إلى وليمةٍ وهو يقول لهم: "هذا هو عشاؤكم المُتَبَّلُ الأخير".

يكفي هذا الوطن شقاءً وموتاً، فقد تكّسرت النِّصال على النِّصال وشبع السودانيون من أسباب الشقاء والموت المجاني حتى بات عليهم أن يتحسبوا من موتٍ يتربص بأطفالهم فوق أسقف المدارس وجدرانها .. فما حدث خلال الأسبوع الماضي في تلك المدرسة - غربي أمدرمان - تكرر كثيراً في كل بقاع السودان، حيث الجريمة واحدة وهي القتل الذي يتم في كل مرةٍ بسلاحٍ مختلف وأمام شهود زورٍ جدد .. لكنَّ الموت العبثي المجاني عندما يفيض ويحوِّل أرض الوطن إلى قبرٍ جماعي، لا بدَّ أن يُفْضي إلى قيامةٍ وطنية يتجلَّى فيها الشهيد والشاهد وينال القاتل ما يستحقُّ من عقاب.

فلتكن أرواح التلميذات الشهيدات الثلاث هي حصتهم الأخيرة من أرواحنا .. لقد مُدِّدَت أجسادهن الصغيرة على النعوش وحُمِلَت إلى القبور على الأكتاف مثل هوادج القافلة، وكان الحِدَاء نشيداً صامتاً مُتْرَعاً بالحزن والأسى يستصرخ الأفواه المشكومة لتكسر حديد اللجام، ويَسْتَحِثُّ هذه الأقدام التي تسعى في الشوارع والساحات أن تضرب الأرض غَضَباً حتى يَتَفَصَّدَ عرق الأرض وتقاوم الظلم وتقهر هذا اليباب حيث لا وضوء بغير الدَّم.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

”كل منزل بالكنيسة يقيم عزاء“ 2018-08-16 06:56:58 مجدي الجزولي أتسبح أجساد الأطفال ال(٢٢) في طريقها إلى المدرسة؟ أفرادى هذه الأجساد أم اجتمعت في عطش الحياة وسط ماء النيل؟ أي وحي نزل على هؤلاء الرسل الصغار في برهة الحياة الأخيرة؟ قال خبر الدولة: ”وقع الحادث نتيجة توقف (...)

رفض ترشيح البشير قضية تهم النازحين واللاجئين 2018-08-15 22:15:19 كتب : ياسر عرمان في خرق صارخ للدستور قامت جماعة المصالح الحاكمة في المؤتمر الوطني وهي صاغرة بتقديم البشير كمرشح لها في ٢٠٢٠م، وهذه القضية تهم كل من لا قطة له من السودانيين، فهي تهم حوالي ستة ملايين من النازحين واللاجئين (...)

سؤال الشباب .... (٢) 2018-08-13 16:39:33 كتب : محمد عتيق في مقال سابق كتبنا تحت عنوان (سؤال الشباب) واستعرضنا فيه كيف ان كل القوي السياسية في بلادنا - في الحكومة كانت ام في المعارضة - تمضي في سعيها نحو المستقبل ، كل حسب مصالحه ورؤاه ، دونما اي التفات للشباب (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)

بيان مهم - بمناسبة اليوم العالمى للشباب - (12 أغسطس/ آب) 2018-08-12 16:28:41 الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال – SPLM-N الشباب يقودون التغيير .. " كان حتماً أن نثور .. مثلما يمضى القطار .. فى دروب الأرض مُفتعلاً الغبار .. " شباب وطلاب السودان الشُرفاء : لقد ظل السودان يُعاني من أزمات عميقة (...)

حركة / جيش تحرير السودان بيان مهم حول الأوضاع الراهنة في البلاد 2018-05-25 21:04:35 إلى جماهير الشعب السوداني الوفية لا يخفى على أحد أن نظام الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومنذ أول يوم إستهل فيه عهده البغيض، كان يستهدف الصدام مع الشعب السوداني، فبدأ بوأد النظام الديمقراطي ثم إعدام الشهيد علي فضل مروراً (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.