الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 6 أيلول (سبتمبر) 2014

حزب التحرير والخلافة الإسلاميَّة (1-2)

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم بابكر فيصل بابكر
boulkea@gmail.com

لقد ظلَّ حُلم إستعادة "الخلافة الإسلامية" يُراودُ مُختلف تيارات "الإسلام السياسي" المُعاصرة وعلى رأسها جماعة الأخوان المُسلمين و حزب التحرير الإسلامي الذي بات هذا الحُلم يمثلُ هدفهُ الأكبر والأهم.

وبينما مثلت الخلافة الإسلامية الحلقة الخامسة من الحلقات الست في الإستراتيجية التي وضعها حسن البنا للإنتقال بالإخوان من مرحلة "الإستضعاف" لمرحلة "التمكين" و التي تبدأ بالفرد ثم الأسرة ثم المُجتمع ثم الدولة ثم الخلافة الإسلاميَّة وأخيراً "أستاذية" العالم، فإنَّ حزب التحرير يضعها في مقدمة أولوياته ويدعو لتطبيقها اليوم قبل الغد.

وشأنهُ في ذلك شأن جميع حركات الإسلام السياسي فإنَّ الأخير لا يملك "رؤية" مفصلة وواضحة "لكيفية" الوصول للخلافة أو وسيلة "إختيار" الحاكم أو "تداول" السلطة او تجاوز العقبات التي أفرزها تغير الزمان ومنها حقيقة وجود الدولة "الوطنية"، ولكنه يكتفي بطرح "الشعار" و إبراز صورة وردية غير "تاريخية" للخلافة.

في هذا الإطار أجرت صحيفة "التيار" حواراً مع الأستاذ "إبراهيم أبو خليل" الناطق الرسمي بإسم حزب التحرير، وعندما سئل السؤال التالي : مارأيكم في دولة الخلافة التي أعلنتها (داعش) ؟ أجاب بالقول : - (الخلافة ليست مجرد إعلان أو تنصيب لشخص، وإنما لها طريقة شرعية تقام بها، وهي طريقة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مسلكنا وعليه فإن من أعلن الخلافة ليس له مقومات السلطان، وإنما أعلنها على أجزاء وهم مجرد فصيل يقاتلون النظام، وإعلان الدولة بهذه الطريقة مجرد لغو، فليس هناك مقومات دولة، والتي أهمها السلطان وهذه مفقودة ).

قول الأستاذ أبوخليل أنَّ هناك "طريقة شرعية" تقام بها الخلافة وهى طريقة النبي الكريم يُجافي الحقيقة، فالرسول لم يضع طريقة مُحدَّدة لإختيار "الحاكم"، وإن كان أبوخليل يعني "البيعة" فلا توجدُ كذلك طريقة متفقٌ عليها لعقدها.

وكما ذكرنا مراراً فإنَّ إختيار سيدنا أبوبكر في السقيفة كان بإسلوبٍ غلب عليه الصراعُ و النزاع بين المُهاجرين والأنصار من جهة وبين آل بيت الرسول وبعض كبار الصحابة من جهةٍ أخرى. فالأنصار الذين يئسوا من تولية سعد بن عبادة بعد أن رأوا تشبُث عمر وأبي بكر قالوا " منا أميرٌ ومنكم أمير" ليُجيبهم الصديقُ رضى الله عنهُ " منا الأمراءُ ومنكم الوزراء". ومن جانبٍ آخر يرفضُ أبوسفيان بن حرب تولية سيدنا أبوبكر مُطالباً بأن يستقر الأمر لدى آل عبد مناف ويقول فيما أوردهُ الطبري " والله إني لأرى عجاجة لا يُطفئها إلا الدم. يا آل عبد مناف فيمَ أبوبكر من أموركم ؟ أين المُستضعفان ؟ أين الاذلان ! علىٌ والعباس".

وبعد تولية الصدِّيق يرفض سعد بن عُبادة مبايعتهُ ويقول " والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبلي، وأخضِّب سِنان رُمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكت يدي. وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي. فلا أفعل وأيم الحق. لو أنَّ الجِّن إجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي". وأمَّا علىٌ كرم الله وجههُ فقد رفض تولية أبوبكر على إختلاف في الرواية بين رفضه المُبايعة أياماً في أضعف الروايات، وشهوراً حتى موت فاطمة في أغلبها.

وعندما توفي الصدِّيق رضى الله عنهُ لم يترُك تولية من يخلفه إلى جمهور المسلمين أو حتى أهل "الحل والعقد" بل أوصى لسيدنا عُمر بكتاب مُغلق بايع عليه المسلمون قبيل وفاته دون أنْ يعلمُوا ما فيه. وعندما دنا سيدنا عُمر من ملاقاة ربِّه لم يتبِّع أسلوب السقيفة أو أسلوب الصديِّق في الإختيار، بل قصَرَ الإختيار على ستةِ أسماء ( علىٌ وعثمان وطلحة والزبير وإبن عوف وسعد )، يختارون من بينهم من سيتولى الأمر.

أمَّا سيدُّنا على فقد تمَّت توليتهُ تحت ظلال السيوف وعلى أسنة الرماح بموافقة بعض الأمصار ورفض البعض الآخر، عقب فتنة إغتيال ذو النورين. وبعد إغتيال علي إنفرد معاوية بن أبي سفيان بحكم المسلمين.

مع توَّلي معاوية بن أبي سفيان تحوَّل الحُكم إلى مُلكٍ عضوض وإختفت حتى اليوم كل أساليب الأختيار عدا أسلوبي الغلبة والوراثة. وفي قصِّة تولية يزيد بن معاوية بن أبي سفيان التي يوردها صاحب "العقد الفريد" دليلٌ على ما نقول : ( لما أراد معاوية أخذ البيعة ليزيد كتب في سنة خمسٍ وخمسين إلى سائر الأمصار أن يَفدِوا عليه، فوفد عليه من كل مصرٍ قوم، فجلس في أصحابه وأذن للوفود فدخلوا عليه،وقد تقدَّم إلى أصحابه أن يقولوا في يزيد، فتكلم جماعة منهم، ثم قام يزيد بن المقفع فقال أمير المؤمنين هذا" وأشار إلى معاوية " فإن هلك فهذا" وأشار إلى يزيد " فمن أبى فهذا" وأشار إلى سيفه).

هذا ما كان من أمر الإختيار وأساليبه، وقد إجتهد الخلفاء الراشدون بحسب مُعطيات واقعهم، وجاء إجتهادُ كل واحدٍ منهم مُختلفاً عن الآخر. ومنذ أن تحوَّل الحكم إلى ملكيةٍ مُطلقة على يد الأمويين والعباسيين والفاطميين وغيرهم وحتى العثمانيين الذين إنتهى حكمهم في 1924 لم يعرف المسلمون وسيلة لإختيار الحاكم سوى الغلبة والتوريث.

أمَّا قول الأستاذ أبو خليل أنَّ من أعلن الخلافة "ليس له مقومات السلطان، وإنما أعلنها على أجزاء وهم مجرد فصيل يقاتلون النظام"، فهو ضربٌ من الهروب من الحقيقة المتمثلة في الفشل الذريع والممارسات البشعة لداعش والتي أظهرت نوعاً من الغربة "الزمانية" عن أحوال العصر، ولو كان موضوع "مقومات السلطان" هذا يمثلُ ركيزة أساسية في فكر حزب التحرير فلماذا لم يؤيدوا الدولة الإسلامية التي أعلنتها "طالبان" في أفغانستان من قبل، ولماذا لم يُبايعوا "المُلا عمر" الذي كانت له سلطانٌ معترفٌ به من قبل كثير من الدول ؟

نواصل .....


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

يوسف حسين لو ولد قبل مائة عام لكان ولياً يزار 2017-11-18 23:00:09 كتب : ياسر عرمان منذ أن إلتقيته للمرة الأولى في سجن كوبر وأمضيت معه عاماً في قسم الكرنتينة (ب) في الفترة من مارس ١٩٨٤م – الي فبراير ١٩٨٥م، ظل طيف يوسف حسين وملامحه النضيرة دائماً في خاطري، تمر أزمنة مشرقة وأخرى عجاف (...)

لينين الكاتب: زيارة قصيرة في مئوية الثورة الروسية 2017-11-18 09:02:30 مجدي الجزولي صدرت في عيد الثورة الروسية المائة هذا العام سلسلة من الكتب غنية البحث وحسنة الصياغة تروم الدروس والعبر وتستنطق الصامت من الأرشيف السوفييتي. بعضها استلهم بطولة لينين، السياسي المثقف صاحب الإرادة التي جرت (...)

زعازع الترابي 2017-11-13 15:38:14 كتب : عبدالحميد أحمد لا يمكن أن ننظر للجنة التي كوّنها نائب الأمين العام للمؤتمر الشعبي على أنها محض جهد تصوّب نحو فتح النقاش حول موضوع (النظام الخالف) ذلك أن أحمد إبراهيم الترابي انخرط مبكراً ضمن محور مناوئ للأمين العام (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)


المزيد


Copyright © 2003-2017 SudanTribune - All rights reserved.