الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 30 أيلول (سبتمبر) 2018

حول مفهوم المقاومة وتجلِّياتها

separation
increase
decrease
separation
separation

كتب: عمر الدقير

المقاومة هي أحد أنبل أقانيم الإنسانية .. في مفهومها العام هي ردة فعل مجتمعية، متسلحة بالوعي، ضد الظلم ومجمل منظومة هدر الحقوق التي قد يمثلها محتلٌّ أجنبي أو نظام حكمٍ مستبد أو واقع إجتماعي مختل يفتقر للعدالة ويسود فيه التمييز على أسسٍ ثقافية أو عرقية أو جهوية أو غيرها .. وهي حقٌّ مشروع تُقِرُّه المواثيق الدولية والدساتير الديموقراطية والأعراف الإنسانية، وليس في هذه جميعاً ما يصادر أو يضعف الحق الطبيعي للأفراد والجماعات في الدفاع عن أنفسهم والمطالبة بحقوقهم في الحرية والسلام والعدالة وكل شروط الحياة الكريمة.

ارتبط مفهموم المقاومة - تاريخياً - بمواجهة الإحتلال، وبخاصة من خلال العمل المسلح، أو مواجهة النظم المستبدة من خلال الحراك الجماهيري السلمي (تظاهر، إضراب، عصيان، إعتصام، مقاطعة ... إلخ) لكنه في معناهُ الأشمل ينطوي على تجلِّيات إنسانية لا حصر لها تتمثل في الدفاع عن كل ما هو نبيل وجميل، وقد يختصرها "الإنحياز للعقلانية والمناقبية الأخلاقية ضد نقائضهما" .. فالصدق مع الذات ومع الآخر يقع في ذروة سنام المقاومة، والتبشير بالحب في زمن الكراهية مقاومة، وكذلك الدفاع عن ثقافة الحياة والسلام والعدالة في مواجهة ثقافة الحرب والموت والنبذ والإقصاء، كما إشاعة الأمل لتبديد غيوم اليأس من التغيير .. الوفاء في حدِّ ذاته مقاومة وكذلك الإحساس بالآخرين والإيثار وإغاثة المنكوبين والملهوفين ورفض التصالح مع الظلم مهما استطالت مخالبه، لأن الكذب والكراهية ونبذ الآخر المُخْتَلِف واليأس والخيانة والأنانية وأوهام الخلاص الفردي والخنوع وسائر هذه المنظومة البائسة قد تكون أشدُّ فتكاً من الاستبداد السلطوي لأنها تفسد العقل والضمير وتنحطُّ بنصاب المجتمع وتضعف مناعته الجماعية.
وهناك أمثلة كثيرة تُرْوَى لتجلِّيات المقاومة منها، على سبيل المثال، إصرار المعلمين الإنجليز على الإستمرار في التدريس في الهواء الطلق تحت ظلال الأشجار التي بقيت منتصبة فوق أطلال المدارس التي تعرضت للقصف خلال الحرب العالمية الثانية، وتَشبُّث الفرنسيين بمقاعدهم في المسرح مع إصرار الممثلين على مواصلة العرض بعد أن قصف النازيون المسرح حين كان يعرض مسرحية "الذباب" - التي كتبها سارتر - لأنهم اعتبروها نوعاً من أنواع التحريض ضدهم والدعوة لمقاومتهم .. ويندرج ضمن التجلِّيات الإنسانية للمقاومة انخفاض منسوب الجرائم إلى ما دون الحد الأدنى، خلال الحروب الوطنية لصدِّ الغزاة، لأن معتادي الإجرام يشعرون بالحرج وهم يَرَوْن آخرين يموتون دفاعاً عنهم وعن وطنهم الذي يتعرض للخطر .. وفي رواية "صمت البحر" رأى مؤلفُها أنّ الصمت يتحول إلى سلاحٍ مقاوم إذا قُصِد به مقاطعة المُستعمِر، كما جسّدت كثيرٌ من الأعمال الأدبية ثقافة المقاومة في وجه اليأس والإحباط والتخاذل .. حتى السخرية يمكن إدراجها ضمن تجلِّيات المقاومة عندما تُستخدَم لتسفيه الطغيان وتعريته.

المقاومة ليست محض أحاديث مُنَمّقة يتجمّل بها السياسيون، وهي ليست غاية في ذاتها ولكنها وسيلة ينهض بها الإنسان لمواجهة التحديات التي تواجهه .. وإذا صحّ وصف الإنسان بأنه كائنٌ مقاوم بطبيعته وأنّ التاريخ الإنساني جَدَلٌ مستمر بين تحديات الواقع والاستجابة لها، وفقاً لما يراهُ ابن خلدون وأرنولد توينبي، فإنّه يصحُّ القول أنّ أهم شرطٍ للاستجابة للتحديات في مختلف حقول الواقع هو شرط الوعي الذي من دونه تذهب جهود البحث عن التغيير سُدىً كأمطارٍ تتساقط في غربال .. بل إنّ الوعي هو كلمة السِّر لشحذ إرادة المقاومة واستدعائها لكسر الأقفال الصدئة وفتح أبواب التغيير، ولهذا بقيت مقولة جان جاك روسو تتردد بعد رحيله بزمنٍ طويل وهي أنّ الظلم والفقر وحدهما لا يخلقان لدى المُصاب بهما رغبةً في التغيير، بل الوعي بهما وإدراك أسبابهما هو الشرط اللازم لاستنهاض الهمم من أجل التغيير .. هذا الوعي الذي تحدث عنه روسو وأسهم في نشره مع العديد من رُوّاد حركة التنوير هو الذي أشاع ثقافة المقاومة واستنهض الهمم لتفجير الثورة الفرنسية.

لا ريب في أنّ مشروع مقاومة ثنائية الإستبداد والفساد - التي يُجسِّدها نظام الإنقاذ - يعاني قصوراً في خطابه وبنيته التنظيمية وفعاليته الحراكية وإهمال معظم قوى المعارضة للبعد الميداني للمقاومة - أي الحضور الرُّؤيَوِي والعَضَلي وسط الجماهير، لمخاطبة مختلف القضايا، والإنخراط معها في الإحتجاج على كل واقعٍ كئيب والمطالبة بكل حقٍّ سليب - لصالح الإكتفاء بتوصيف رداءة الواقع عبر تصريحات إعلامية أو بيانات مبثوثة في وسائط التواصل الإجتماعي، وعجز هذه القوى عن التوافق حول الحدِّ الأدنى الذي يمكن أن يجمعها، وانشغال بعضها بمهاجمة رصفائه .. وفي ظل هذا القصور، فإن القادة السياسيين والنشطاء والمثقفين وأرباب القلم وأهل الباع في الإبداع يجب أن يسائلوا أنفسهم بشأن إسهاماتهم في نشر الوعي الذي يقرأ إحداثيات الواقع المطلوب تغييره، ويحيط بجذور الأزمات وظواهرها وأسبابها ومسببيها وينتج الرؤى المناسبة لمعالجتها ويجترح أساليب المقاومة التي تلائم طبيعة الصراع والمرحلة، ويتجاوز إشكاليات العمل المشترك إلى تكامل الجهود التي تبذل في اتجاه إنجاز التغيير - وإن اختلفت الوسائل والتكتيكات - ما يؤدي لزراعة الأمل الذي يمثل عنصراً مهماً في إشاعة فكرة المقاومة وتوطينها في الثقافة العامة بحيث يصبح البحث عن التغيير فرض عين وممارسة يومية يساهم فيها كل شخص، بمفرده أو ضمن مجموعة، بمباشرة فعل المقاومة بتجلِّياتها المختلفة في كافة ساحات الصراع.

مفهوم المقاومة أوسع من فوهة بندقية وأكبر من مساحة بيان سياسي، كما أنّ مفهوم التغيير أشمل من المطالبة بإسقاط نظام وإزاحة تشكيلة جهازه السياسي والإداري من سدة الحكم .. المطلوب إسقاطه هو المفاهيم وأنماط التفكير التي أفرزت النظام بشخوصه وسياساته ومكّنتهم من إفساد الواقع، لأن النظام وشخوصه وسياساته يمكن أن يُعاد إنتاجهم إذا لم تسقط معهم جملة المفاهيم والسياقات التي أفرزتهم.

يجب أن يتسع مفهوم المقاومة لثقافة شاملة تُغَذِّي الجدلية وتفضح المسكوت عنه، تزرع الأمل وتستنهض خلايا المناعة في الجسد الوطني للتخلص من وباء الإستبداد والفساد، وما يترافق معهما من اعتلال المنهج واختلال السياسات، وتُحَرِّض الإرادة العامة على استدعاء كلِّ احتياطياتها في مواجهة من لا يَرَوْن المستقبل إلا مجرد امتداد كَمِّي الراهن.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

في السودان ام في جنيف ؟ 2018-10-15 15:52:40 بقلم : محمد عتيق الصديق ‏والصحفي الكبير الاستاذ محمد لطيف ، صاحب التحليل السياسي الرشيق والمقروء ، كان نجم التغطية الصحفية التحليلية لاجتماعات الدورة 39 لمجلس حقوق الإنسان التابع ‏للأمم المتحدة (جنيف سبتمبر ‏٢٠١٨) ‏عبر (...)

النُّخبة السُّودانية وما تبقَّى من رحيق 2018-10-14 14:46:18 بقلم :عمر الدقير يُنْسَب للمسيح عليه السلام أنه شبّهَ النخبة في أي مجتمع بالملح، لأن الملح إذا فسد ربّما تعذّر وجود ما يمكن أن يُحْفَظ به أي شيء ويصان به من التعفن والخراب .. وسواء صحّت نسبة ذلك التشبيه للسيد المسيح أم (...)

"الخواجة عبدالقادر" بين ألف النداء وياء المد 2018-10-14 14:46:02 بقلم:الجميل الفاضل قبل نحو ست سنوات تقريباً، رفعت الدراما المصرية، ذِكر المهندس النمساوي الأصل، المصري الجنسية، السوداني الروح والقبر والهوية، "جوليوس فاجوجون" أو"الخواجة عبدالقادر" الذي عاش لأكثر من ثلاث عقود بين (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.