الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأربعاء 27 أيلول (سبتمبر) 2017

حين تصنع الإمبريالية الأميركية السلام في السودان

separation
increase
decrease
separation
separation

كتبت : سلمى التجاني

لا يمكننا النظر لما جرى مؤخراً بمعسكر كلما - جنوب دارفور كحدثٍ اعتباطي ، بل كان حلقة من عملية دقيقة بدأ الترتيب لها منذ فترة وستكون نهايتها رفع العقوبات الأمريكية عن السودان ليتم استقباله بعد ذلك عضواً باراً في النادي الدولي كأحد الدول التي تمت إعادة صياغتها وفقاً لشروط الإستعمار الجديد ، في نسخةٍ حديثة لتحالف الدكتاتوريات مع الإمبريالية الأمريكية.

بدأت العملية بهدوء ، تقاطعت فيها السياسة الداخلية الأمريكية التي إتجهت لتقليل الصرف على بعثات حفظ السلام في العالم وسياستها الخارجية حول مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية لتلتقي مع مصالح الحكومة السودانية . فلكي يتم تنفيذ مهمة تقليص القوات المشاركة لحفظ السلام بدارفو - يوناميد ، كان لا بد من إنهاء الحرب بدارفور ، وتحقيق السلام هو أحد الشروط الأمريكية لرفع العقوبات عن السودان ، فبدأ الترويج لخلو دارفور من التمرد إلا في منطقةٍ واحدة ، كما ورد في تقرير خبراء الأمم المتحدة في يناير الماضي ، وخلو دارفور من التمرد ليست فقط لنجاح الحكومة في إضعاف الحركات المقاتلة هناك ، ولكن لأن هذه الحركات نفسها ، وفقاً للتقرير نفسه ، أصبحت منشغلة بنشاطاتٍ أخرى تتمثل في الإتجار بالبشر والمخدرات والنهب والسلب ، إضافة لتحولها لقواتٍ مرتزقة تحارب في جنوب السودان وليبيا .ثم جاء تقرير خبراء الأمم المتحدة بليبيا في يونيو الماضي ليؤكد ما ورد في تقرير يناير ويضيف عليه أن تقارير أظهرت أنه لبعض فصائل دارفور المقاتلة بليبيا علاقاتٍ وثيقة مع جماعاتٍ إرهابية هناك ، وأن هذه الفصائل تهدد السلام بدارفور والمنطقة . يُقرأ تقريرا الأمم المتحدة في سياقٍ مفاده أن هذه الحركات لم تعد مؤهلةً لتصبح شريكاً في السلام بالسودان ، لأنها هي نفسها تهدد الإستقرار في السودان والمنطقة .

بعدها جاء تقرير مجلس الأمن في أغسطس الماضي داعماً لإتجاه إدانة الفصائل المقاتلة بدارفور . تخلَّل هذه الخطوات حركة محمومة من قبل مسئولين أمريكيين للملمة مسار التفاوض حول القضية دارفور ، مع تبني موقف الحكومة الرافض لإجراء أي تعديلات على وثيقة الدوحة للسلام ، فبعد أن تأخر انعقاد مفاوضات اتلانتا والتي جاءت بطلبٍ من الخارجية الأمريكية عبر مركز كارتر للسلام ، لجأت الإدارة الأمريكية للبحث عن نافذة تستطيع عبرها التعامل المباشر مع حركات دارفور فكان لقاء باريس في الأول من هذا الشهر ، وقد تحدثت بعض الصحف عن تفاهمات تمت بين هذه الفصائل ومسئول أمريكي رفيع ، من شأنها التمهيد للعودة لطاولة التفاوض وفقاً لوثيقة الدوحة.

على صعيد الحركة الشعبية شمال ، بدأ هذا الإتجاه الإمريكي الجديد في الظهور مع تصريحات دونالد بوث المبعوث الأمريكي السابق للسودان وجنوب السودان ، في يناير الماضي ، عندما غضب من مطالبة الحركة الشعبية ( قبل الإنقسام ) بإجراء تعديلات على المقترح الأمريكي المتعلق بتوصيل الإغاثة لمناطق الحرب بجبال النوبة ، فشن بوث حملة شعواء على قادة الحركة الشعبية والحركات المسلحة الأخرى واصفاً إياها بترجيح مطامحها الشخصية على مصلحة الشعب ، داعياً المجتمع اادولي للتعامل معها بحذر . لم يتعامل المجتمع الدولي مع الحركة الشعبية بحذرٍ فقط ، بل تجاهل الصراع الذي دار بداخلها واكتفى بانحيازه للفصيل الذي وصفته الحكومة بأنه قادرٌ على تنفيذ اي إتفاق مستقبلي لأنه يمتلك السلاح ، فقد صرح سفير النرويج بالخرطوم منتصف هذا الشهر ، بأن الوساطة ستعتمد فصيل الفريق عبدالعزيز الحلو كمفاوض عن الحركة الشعبية شمال . والآن الوساطة تنتظر هذا الفصيل حتى يعقد مؤتمره لتستأنف التفاوض .

تعامل الإدارة الأمريكية مع قضية السلام يبدو واضحاً بأنه ( تمامة جرتق ) ، فقضية محاربة الإرهاب هي أولى أولوياتها ، وكونها تنجح في مواصلة وتوسيع التعاون مع السودان في هذا الملف ، يعتبر بحساباتها مكسباً أكبر من تحقيق السلام في بلدٍ من القارة الإفريقية التي اعتادت شعوبها على الموت والحروب . وبالنسبة للسودان فهو يستثمر في ملفٍ خبره منذ اكثر من عشرين عاماً ، يلم بخيوطه ويدرك كيف تعمل آلة صنع الإرهاب والإرهابيين عبر علاقاتٍ متشابكة مع هذه الجماعات حول العالم ، فهذه هي لعبته التي يجيدها وميدانه الذي يبرع فيه . فإن كانت هذه اللعبة سترفع عنه سخط الدول الكبرى وتغض بصرها عنه إذن المحصلة النهائية هي (win -win ) .

بالعودة لأحداث معسكر كلما الأخيرة ، فإن دول الإستعمار الجديد وعلى رأسها أمريكا ، وبعد أن قطعت شوطاً في تنظيف الملعب الداخلي للحكومة ، لا بأس إن أظهرت الحكومةٍ كنظامٍ قادرٍ على حفظ الأمن والسلام بدارفور ، ومتحكم في معاقل حركات ( التمرد ) بمعسكرات النازحين ، وبذلك تنتهي أسطورة معسكر كلمة الذي ظل منذ بداية الحرب بدارفور عصي على الدخول والتفكيك ، وتنتهي معه فكرة وجود مؤيدين للحركات في دارفور ، فالتمرد ، كما ادعى تقرير الأمم المتحدة السابق ذكره ، قد انتهى هناك ، وكل شيئ تمام التمام .


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

نيلسون مانديلا .. سيطلع من عتمتي قمر 2018-07-18 19:50:09 كتب: عمر الدقير يوافق اليوم - الثامن عشر من يوليو - الذكرى المئوية لميلاد الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا، وهو ذات اليوم الذي أعلنته الأمم المتحدة، قبل عدة سنوات، مناسبةً سنوية عالمية للإحتفاء بسيرة هذا الثائر التحرري. (...)

المونديال والثلاثي 2018-07-16 18:00:29 كتب : محمد عتيق عند الخامسة من عصر الامس (الأحد ١٥ يوليو ٢٠١٨) بتوقيت الخرطوم ، الثالثة بتوقيت قرينتش ، كانت الملايين قد احتشدت في المنازل والمقاهي وصالات المشاهدة وساحاتها المفتوحة حول شاشات التلفاز علي امتداد المعمورة (...)

القاهرة والإمام 2018-07-15 23:43:51 كتب : المحبوب عبد السلام يقول السيد الشريف زين العابدين – عليه شآبيب الرحمة – في مناجاته للسودان: «زى ما موسي عدَّى ولا تعب لا حاجة»، ذلك استعمالٌ بليغ لكلمة “حاجة” في عاميَّتنا السُّودانيَّة، وهي عادة تأتي في سياقاتنا (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

حركة / جيش تحرير السودان بيان مهم حول الأوضاع الراهنة في البلاد 2018-05-25 21:04:35 إلى جماهير الشعب السوداني الوفية لا يخفى على أحد أن نظام الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومنذ أول يوم إستهل فيه عهده البغيض، كان يستهدف الصدام مع الشعب السوداني، فبدأ بوأد النظام الديمقراطي ثم إعدام الشهيد علي فضل مروراً (...)

ذكرى شهداء الكرامة 2018-05-21 23:22:45 الحرية - العدل - السلام - الديمقراطية حركة / جيش تحرير السودان - المجلس الإنتقالي جماهير شعبنا الكريم في مثل هذا اليوم، و كما درجة العادة، فإننا نحظى بدقيقة من الصمت لتعانق أرواحنا أرواح رفاقنا الذين بسببهم لا نزال على (...)

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.