الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الخميس 16 شباط (فبراير) 2017

رحل الشيوعي المتصوف

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : مصطفى عبد العزيز البطل
mustafabatal@msn.com

(يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)

"قرآن كريم"

*****

ازداد السودان فقراً ومسغبة بوفاة الدكتور عبد الماجد علي بوب، ومن المؤكد أن مذاق الحياة التي سيحياها من الآن فصاعدا عددٌ مقدّر من خيار السوادنة ممن عرفوا الرجل وخبروا سيرته ومتحوا من سبيله السلسبيل الدفاق سيتأثر نوعياً فيبهت ويتضاءل بعد غيابه وانحسار ظله عن مسرح الحياة.

كان (ماجد بوب) كما تعودت أن تناديه رفيقة كفاحه الأُممي سعاد إبراهيم أحمد أو (علي بوب)، كما ظل يناديه أحبابه من أبناء جنوبي السودان، علما ومعلما (بفتح الميم وتسكين العين مرة، ثم بضم الميم وكسر وتشديد اللام مرة أخرى). ومن يوازي بوب في السماحة والنقاء والاستقامة الفكرية والخلقية، والاستمساك بعروة السوامق العُلا من القيم الإنسانية؟ من يضاهيه في حب السودان وفي الإيمان الذي لا تخبو جذوته بواجب كل من نال حظا من التعليم أن يبذل بقدر مُروّته وطاقته بذلاناً يرفع قدر شعبه ووطنه؟

في سيرة بوب أنه من مؤسسي جامعة جوبا، تولى فيها موقع عميد كلية الاقتصاد. وقد ينقضي اليوم واليومان فلا تمل سلاسل ذكرياته المتداعية عن تلك الجامعة وعن طرائف رفيقه في هيئة التدريس بها، الدكتور فاروق كدودة، التي لا تفرغ إلا لتبدأ كرة أخرى. رحمهما الله.

وفي سيرته أيضا أنه كان زميلا ومحاضرا بجامعة بيركلي في كاليفورنيا. لا غرو ان كانت رفيقته الأكاديمية الأمريكية الماركسية البروفيسور ساندرا هيل من أكثر الذين زلزلوا لموته، فكتبت إذ جاءها النبأ المفجع: (سيكون العالم أكثر خطرا بدون عبد الماجد بوب وأمثاله).

وهو من أعمق وأغزر من كتبوا ووثقوا لقضية الجنوب فتكلّف في سبيلها التكاليف البواهظ، وما لبث ينفق من ماله القليل وعلمه السيّال بغير حساب فرفد المكتبة السودانية بكتابه (جدل الوحدة والانفصال) وأطنان الأوراق والمقالات.

ولكن الهم الأكبر الذي شغل أغلب حياة الرجل تمثل في مسيرته مع حزبه الشيوعي التي بدأها يافعا باهيا وختمها شيخا فانيا. وقد سلخ الجزء الأخير من حياته في تدوين وتوثيق مراحل كفاح الشيوعيين السوادنة حتى نال لقب (مؤرخ الحزب الشيوعي السوداني). وكتبه وأرتال مقالاته المنشورة تنطق بلسان وتحدث عن نفسها.

عاش عبد الماجد بوب حياته كلها وهو يمتطي صهوة الجواد العالي، كما في قول الفرنجة، مرتفعا بذاته فوق أهواء النفس ومساقط الدنيا وسفالاتها. وقدم شهد العطاء لبلاده ولحزبه الطليعي ولأسرته الصغيرة، ثم للصفوف المتراصة من أحبابه وأصدقائه، وهم بلا عدد.

كان موته ملحمة بحالها. ملحمة متكاملة الأجزاء. ذات مرة، قبل سنوات، أبلغه الطبيب بأن أمله في الشفاء قد ذوى وأنه سيغادر سفينة الحياة في وقت وجيز، وسأله إن كان يرغب في كتابة وصيته وإن كان يحتاج إلى مساعدة في الكتابة. ولكن بوب غضب فرد على الطبيب بعنف وشدة بأنه سيحيا ولن يموت. وبالفعل صمد الرجل لسنوات، ولعلها كانت برغم المرض والوهن من أخصب السنوات بذلاً وعطاءً، ظل خلالها على ذات الجادة، جادة الهم السوداني الشامل، والسعي لإزكاء الأمل في تجديد وتقوية وإثراء وتوحيد سربه وحزبه الشيوعي.

قبل موته أفصح الأطباء عن إمكانية إجراء عملية نقل للكبد وإن كانت نسبة النجاح محدودة بالنظر إلى تعقيدات حالته الصحية، فسارعت ابنته هديل، الحبيبة إلى قلبه، في المقدمة تعلن تبرعها وألحت إلحاحا، وكذلك تقدم ابناه هشام وأحمد. ولكن صاحبنا رفض واستعصم بالإباء العنيد. وكان يعلم بالطبع أن القوانين في الولايات المتحدة تشترط الموافقة.

سألته: "طيب يا بوب أنت تنتمي إلى أسرة كبيرة مترامية فلننقل الخبر إلى الأسرة الممتدة وأنا على يقين بأنه سيبرز إلينا أكثر من متبرع". ضحك ورد عليّ: "ليه يتبرعوا لي أولاد أخواني، ما تراهم ديل اولادي؟" قلت: "الحمد لله. فلماذا لا توافق إذن على النقل من هديل أو أحد أخويها. لماذا الرفض والعناد؟"، ضحك ضحكة طويلة ثم قال: "أبيت، ما بوافق"! قلت: "طيب خلاص أتبرع ليك أنا"، فضحك ضحكة أطول وأكثر جلجلة وقال: "يا زول انت كوز وغواصة. صحوبيتك براها عاملة لي مشاكل مع الناس، كمان اشيل منك كبد. يقولوا عليّ شنو؟".

اللهم تقبل هذا الشيخ الفاني، حبيبنا ووديدنا عبد الماجد علي بوب، وقد وقف ببابك. اللهم إن كان قد جاءك بزاد قليل فإنك أنت الكريم والزاد إلى دار الكريم لا يُحمل. وقد خبرناه فما رأينا فيه غير النقاء والصفاء والتقوى والانحياز للمعروقين والفقراء. عشق الحق حيثما رآه وأحب العدل كيفما تصوره. وقد أنبأنا عبدك شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه (حيثما قامت أمارات العدل وظهر وجه الحق وأسفر نوره بأي وجه كان فثمّ وجه الله وحكمه ورضاه). اللهم لا نزكيه عليك وأنت به أدرى.

سلامٌ عليك أيها الإنسان الطيب الخلوق، ثم سلامٌ، ثم سلامٌ عليك في الخالدين.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

قوش .. تحطيم الصندوق 2018-02-20 18:19:16 بقلم : سلمى التجاني دشَّن صلاح عبدالله قوش مدير الأمن والمخابرات ، خطته في عهده الثاني ، بتصريحاتٍ حملتها صحف اليوم . وعلى عكس توقعات قلَّة من المراقبين بأنه سيبدأ عهده الجديد بتفكير خارج الصندوق ، فإذا به يحطم الصندوق ( (...)

عودة "قوش" أم عودة طه ؟ 2018-02-19 20:04:06 بقلم : عبدالحميد أحمد أعقب توقيع اتفاق السلام الشامل (2005) حدثاً مهماً على صعيد الجبهة الداخلية لنظام الإنقاذ، وافى صعود مجموعة جديدة ضمن محاور الصراع على السلطة الذي اشتد بين مكونات النظام، انكسفت على إثر ذلك سلطة "على (...)

في سجن كوبر ... رجل يعض (كلب) 2018-02-19 20:00:32 بقلم : سلمى التجاني في الصحافة كثيراً ما نردد أن الخبر هو عندما يعض رجلٌ كلباً وليس العكس. عندما دعت إدارة الإعلام بجهاز الأمن والمخابرات وسائل الإعلام المحلية والعالمية لتغطية خبر إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من سجن (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)

ورقة د. غازي صلاح الدين العتباني في ورشة عمل الانتخابات ومستقبل الممارسة السياسية بعنوان "آفاق الممارسة السياسية في السودان" 2017-12-08 14:32:35 بسم الله الرحمن الرحيم آفاق الممارسة السياسية في السودان "تحديات الإصلاح السياسي في السودان بتصويب نحو إصلاح الحركة السياسية الحزبية" بسم الله الرحمن الرحيم، نحمده على نعمه التي لا تعد، ونسأله أن يجمعنا على الهدى ويدلنا (...)

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.