الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الجمعة 24 آب (أغسطس) 2018

سؤال الشباب (٣)

separation
increase
decrease
separation
separation

كتب : محمد عتيق

ابتداءاً لا بد من التأكيد علي ان الاحزاب وقادتها في كل العهود محل التقدير والاحترام التام ، اما موضوعنا هنا فانه ينصب علي السياسات والمواقف والمفاهيم ، وأن المقصود ليس استعراض تاريخ السودان فذلك موضوع كبير تصدي ويتصدي له مؤرخون وكتاب بالدراسات والابحاث العلمية ، بل نهدف - كما جاء في مقال سابق - الي ان نقدم للأجيال السودانية الجديدة الهدية الوحيدة التي نملكها ونستطيعها ؛ عيوبنا وأخطاءنا نقداً ذاتياً واضحاً وشجاعاً كأهم وأفيد ما نملكه لهم.

أكبر حدثين عميقين ومؤثرين في تاريخنا المعاصر كانا : ثورة ١٩٢٤ وقيام مؤتمر الخريجين ، فكيف تعاملت تلك القوي (الطائفية) مع هذين الحدثين ؟

- ثورة ٢٤ مثلاً ، تصدي لها المرحوم الاستاذ حسين شريف الذي لعب دوراً بارزاً وهاماً في تاريخ الصحافة السودانية وسودنتها من الشوام ، ولكنه اصبح رئيساً لتحرير جريدة (الحضارة) لسان حال السادة الثلاث : (عبد الحمن المهدي ، علي الميرغني والشريف يوسف الهندي ، عبر عنهم في مقال مسيء لثورة ٢٤ تهكم فيها علي قادتها بالتساؤل عن أبناء من هم ووضعهم الاجتماعي وانحدارهم الطبقي والقبلي ...الخ ، بمعني انهم مغمورون ومن أصول (وضيعة) وبالتالي هي حركة وضيعة لا حق لها في قيادة الشعب والوطن..

قد يحتج احد الإخوة متهماً حديثي بانه إسقاط لمفاهيم اليوم ومحاكمة فترة العشرينات علي اساسها ، ولكن ، ووفقاً حتي لمفاهيم وقيم ذلك الزمان كان ثوار جمعية اللواء الأبيض يصر كل منهم علي انه سوداني فقط ويرفض ذكر قبيلته ، وحادث بليغ حدث عندما انتخبوا عبيد حاج الامين ( ود عرب كما كانوا يقولون) الذي تنازل بوعي كامل للشهيد البطل علي عبد اللطيف عن منصب الرئاسة وقبل ان يكون نائباً له ... إذن ، كانت طلائع ذلك الزمان قد تجاوزت مفاهيم القبلية والجهوية والانحدارات الطبقية والاجتماعية ومارسوا ذلك التجاوز في مناشطهم السياسية والاجتماعية والثقافية وعبروا عنه في أشعارهم وأغانيهم وبالتالي هي ليست قيم ومفاهيم اليوم فقط ..

- اما مؤتمر الخريجين ، فان مجرد تاسيسه بتلك الصيغة والاهداف كان حدثاً وطنياً جريئاً ، وهو بتعبير اليوم من (منظمات المجتمع المدني) بل أهمها في تاريخ وطننا حتي الان ، وقد لعب اكبر الأدوار مطلقاً في نشر التعليم الأهلي الأكاديمي والمهني في السودان (خلال ثلاث سنوات أسس المؤتمر من المدارس أضعاف أضعاف ما أسسته سلطات الاستعمار البريطاني في نصف قرن !! ) وامتدت عضويته في كل مدن البلاد ..

وعندما فرضت التطورات في اوضاع البلاد وفي مصالح الطائفتين ان يختلف الرأي بين دعوة للاتحاد مع مصر واخري تدعو للاستقلال التام وان السودان للسودانيين .. هذا التباين انعكس علي قيادات مؤتمر الخريجين فانقسمت عليها ليبدأ تاريخنا الحزبي (الحزبين الكبيرين) بالهرولة الشهيرة نحو السيدين الزعيمين لطائفتي الانصار والختمية تحت ذينك الشعارين دونما برامج تفصيلية محددة ودونما حق للسيدين المحترمين بعد ان كانوا قيادات لمؤتمر الخريجين ذو الأدوار الهامة في التعليم والتعبئة وبعث العزة الوطنية ، سلموا قيادهم بالكامل للطائفتين -باستثناءات طفيفة- وأصبحوا رهن إشارتهم .. (يبدو ان ذلك ناتج عن التربية الصوفية الغالبة عند أهل السودان في الاحتماء بشيخ والاستسلام له) ..

- ثم ناتي لام القضايا في بلادنا (قضية الجنوب) : عندما انتهت المشاورات والمناورات الي اتخاذ قرار الاستقلال وإعلانه من داخل البرلمان باتفاق تام بين الاحزاب الشمالية ، كان الشرط الذي وضعه الأعضاء الجنوبيون مقابل تأييدهم لمقترح الاستقلال هذا ان يتمتع الجنوب بنظام حكم فيدرالي ؛ ما ابسط الطلب ومعقولية الطموح حقاً واضحاً وثمناً قليلاً جداً فداءاً لأرواح ما يقارب الملايين الثلاث من أبناء الوطن شمالاً وجنوباً ثم وحدته الغالية .اتضح فيما بعد ان الموافقة علي مطلب الجنوبيين كشرط لم تكن موافقة جدية ، فبعد نيل الاستقلال اهملت الاحزاب الشمالية المؤثرة ذلك الطلب ثم جاء الحكم العسكري الاول (١٩٥٨-١٩٦٤) معلناً الوحدة القسرية بل (الأسلمة والتعريب) للجنوبيين !!!

وقبل ذلك ، عند سودنة الخدمة العامة ، نال الجنوبيون فقط ست وظائف مقابل ثمانمائة للشماليين ..

فإذا كانت تلك الاحزاب بهذا المستوي من ضعف الحساسية الوطنية والإنسانية تجاه قضية واضحة مثل قضية الجنوب كان طبيعياً ان يغيب عن وعيها تماماً واقع التنوع الثقافي والعرقي والديني في الأصقاع الاخري من البلاد وبالتالي فان السودان بالنسبة لها عند الاستقلال كان هو الخرطوم وبعض المدن الكبيرة مثل ودمدني ، عطبرة ، بورتسودان ...الخ ، اما السودان بحجمه ، وبالتنوع والتعدد الذي يزينه والذي يكون مصدر قوة وثراء له اذا احسن ادارته كان غائباً عن الاحزاب الكبيرة التي حكمت البلاد في الفترات الديمقراطية .. وكانت الانتخابات بالنسبة لها موسماً للمناورات والتحالفات لاقتسام مقاعد السلطة وامتيازاتها ..


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

(زيارة المقبرة.الاستعداد للموت)! 2018-12-17 15:05:01 بقلم : النذير السر (سوريا دولة مواجهة إضعافها أضعاف القضايا العربية)هذه العبارة وحدها كافية لإطلاق صافرة الزيارة وإعلان الهزيمة لها .فعرب الاهواز في إيران يدركون أن الزيارة تأتي في إطار خلافات الخرطوم مع المحور العربي (...)

اما التكذيب ، فلا 2018-12-17 15:03:03 بقلم : محمد عتيق ‏لا جديد يمكن أن يقوله المرء ‏عن اهتراء سلطة المؤتمر الوطني ، (هيافة) رموزه وحلفائه ، سوء الأحوال ، ومخاطر‏ الانفجار والتشظي المحدقة بالوطن ، وإلا سيكون حديثاً مكروراً لا معني له ولا حياة فيه .. ‏ورغم كل (...)

هل أتاك حديث اديس ؟ 2018-12-15 13:55:20 بقلم : أسامة سعيد خوض المعارك يحتاج الي سلاح ولكن الإنتصار فيها يحتاج الي عقول: ماجرى في اديس ابابا من الثامن الي الثالث عشر من ديسمبر الحالي معركة بكل المقاييس أطرافها عناصر سودانية و إقليمية ودولية أستخدمت فيها كل (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.