الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017

سؤال تقرير المصير في واقع الدولة السودانية (2)

separation
increase
decrease
separation
separation

الدولة المدنية العلمانية

كتبت : سلمى التجاني

قالت لي ( خالتي مريم) بعد أن غادر أحد الزملاء جلستنا تحت شجرة صحيفة الأسبوع ( الزول دا ما تشوفي لونو الاحمر دا ، قلبو طيب والله ) ، وخالتي مريم سيدة صارمة القسمات ، كأن شيئٍ ما اختزنته ذاكرتها منذ زمن بعيد ترك على تقاطيع وجهها حزمٌ وحزنٌ وكبرياء ، وعندما تضحك تنبعث طاقة ضوءٍ فتشرق روحها . نزحت للخرطوم من منطقةٍ بجبال النوبة طلباً للأمان ، فعملت جاهدةً حتى توفر لأبنائها مسكناً وقوتاً وطريقاً لمستقبلٍ مأمول . كانت تبيع الشاي بالصحيفة ، وقد خلقت من حولها جوٌ أُسري أريحي ، فكنا نتقاسم معها هموم العمل اليومية .

استوقفني تعليقها ، وعندما لاحظتْ صمتي قالت لي ( نحن جينا من محل شفنا أهلنا بضبحوهم زي الخرفان ) ثم استرسلت تحكي عن ويلات الحرب والقتل على أساس اللون والعرق ، كانت ناجية لكن آثار الحرب وسمت روحها وشكَّلت نظرتها للآخر الذي يقاسمها الوطن .

ما الذي يعنيه السودان لمريم وأمثالها سوى ذاكرة مليئة بالموت والدماء والأشلاء ، وموطن تحمل فيه هوية نازحة ، لذلك عندما يتحدث مواطنو جبال النوبة عن تقرير المصير فإنهم يقايسون بين مغامرتين ؛ إنفصالٍ غير مأمون العواقب ، قد يؤدي لمزيدٍ من الموت ، أو بقاءٍ في وطنٍ لا يجدون فيه أنفسهم ، ولا يعلم بعضهم الذي يعيش في مناطق الحرب متى سيحيله القصف لأشلاء ، أي هي مفاضلة موتٍ وموت ، فأهم عناصر المواطنة هو الإنتماء وما تترتب عليه من حقوقٍ مدنية أساسها حقَّي الحياة والأمان.

ورد في ويكيبيديا أن المواطنة هي ( الإنتماء إلى مجتمعٍ واحد يضمه رابط إجتماعي وسياسي وثقافي موحد في دولة معينة ) ، ويقول جان جاك روسو في العقد الإجتماعي أن المواطنة هي ( أن المواطن الذي له حقوق إنسانية يجب أن تُقدم إليه وهو في نفس الوقت يحمل مجموعة من المسئوليات الإجتماعية التي يلزم عليه تأديتها ) . وفقاً لهذه التعريفات فان شروط المواطنة وما يتبعها من حقوق غير متوفرة لكل الشعب السوداني وليست جبال النوبة فقط ، وبرغم تاريخ الصراع الذي عاشته الجبال ومثلها ، بتفاوت ، دارفور والنيل الأزرق ، لكن الأزمة هي أزمة حكم تهم الشعب بأكمله وحلولها تتحقق في شمولية معالجتها.

في المؤتمر الإستثنائي الذي انعقد في أكتوبر الماضي بكاودا ، طرحت الحركة الشعبية شمال ، مجموعة الفريق عبد العزيز الحلو عبر خطاب رئيسها في الثامن من ذات الشهر ، طرحت ثلاثة حلول محتملة لحل الأزمة السودانية ؛ دولة علمانية ديموقراطية موحدة ، أو نموذج كونفيدرالي ( بتعايش مؤقت يتم فيه خلق الشروط الضرورية وعمل ترتيبات تمكن الشعوب السودانية من تقرير مصيرها ) ، والحل الثالث هو دولتين مستقلتين شمال السودان المستقل والولايات الجنوبية المستقلة . ومن هذه الخيارات الثلاثة قالت الحركة أن هدفها الذي تناضل من أجله هو الكونفيدرالية السودانية ، وأن الشعوب هي التي تقرر إما البقاء في السودان الجديد أو الإستقلال .

على ضوء ذلك فأن خيار الحركة الذي ستطرحه في أي تفاوضٍ مع الحكومة ، كما ورد في خطاب رئيس الحركة ، هو الدولة الكونفيدرالية ذات السيادة على قوانينها وترتيباتها الأمنية.

النموذج الذي وضعته الحركة الشعبية كأساس لوحدة السودان وبقاء جبال النوبة في الدولة السودانية هو الحكم العلماني الديموقراطي ، هو ذات النموذج الذي ظلت تنادي به قوى التغيير المدنية والمسلحة ، فمفهوم الدولة المدنية في شكلها الحديث يقوم على أسس المواطنة والديموقراطية والعلمانية . تختلف المسميات لكنها تلتقى في جوهرها ، فهي الدولة المدنية الديموقراطية عند الحزب الشيوعي السوداني ، والدولة المدنية العلمانية عند حزب البعث السوداني ، والدولة المدنية لدى حزب المؤتمر السوداني وحركة العدل والمساواة السودانية ، وهي الدولة العلمانية لدى حركة تحرير السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان مجموعة الفريق مالك عقار .

وقد أورد البروفيسور اريك ام اوسلينر أستاذ العلوم السياسية بجامعة ميريلاند عاملي الثقة والعمل المشترك كعنصرين هامين في بناء الدولة . يقول اوسلينر عن الدولة المدنية : ( هي الدولة المعتدلة التي يثق فيها المواطنون في غيرهم من المواطنين المختلفين عنهم ، وحيث يوجد أقل قدر من الإنقسام السياسي ، وحيث يتعاون القادة السياسيون من أجل الوصول لأرضية مشتركة ، وحيث تناهض البيئة السياسية الصدامات والمواجهات العنيفة ) .

لذلك عندما تطرح الحركة الشعبية نوع الدولة الذي يضمن بقاء السودان موحداً ، تتحدث عن صيغةٍ متفقٌ عليها بين غالب القوى السياسية السودانية ، وهي ضرورة التأسيس لدولةٍ سودانية متعددة الثقافات والاعراق واللغات ، يكون فيها الدين على الحياد فلا يُقحم في الحياة السياسية والقانونية ، ليصبح هذا النموذج ضمانةٌ لتحقيق الأمن والإستقرار والتعايش السلمي بين مكونات المجتمع السوداني . في جبال النوبة تعيش أكثر من خمسين قبيلة ، تتحدث عدداً من اللغات ، وتذخر بإرث ثقافي وتاريخٍ ضارب الجذور في السودان ، ولا يناسبها إلا نظام حكمٍ يمكِّنها من إدارة تنوعها بحرية بعيداً عن الهيمنة بأشكالها المختلفة .

وفي السودان الذي تسكنه قرابة الأربعمائة قبيلة ، تتحدث أكثر من مائة لغة بمئات اللهجات والثقافات ، فشلت حكوماته منذ الإستقلال في إدارة هذا التنوع وخلق مجتمعٍ متجانسٍ وآمن ذو هوية قومية تتشكل من كل هذا التباين ، وتوظيفه كعاملٍ للثراء أكثر من كونه عنصراً للصراع والحروب ، فإن الدولة المدنية التي تقوم على الوحدة في إطار التنوع تصبح هي ضرورة لبقاء السودان موحداً .

إن كانت الحركة الشعبية قد اشترطت بناء سودان عادل ديموقراطي علماني حتى تبقى جبال النوبة ضمن دولة السودان ، فإن السودان بوضعه الحالي في ظل إحتكار السلطة والهيمنة الثقافية والإقتصادية والنزاعات المسلحة لن يبقى موحداً لفترةٍ أطول.

ربما كانت الحركة الشعبية واضحة بشكلٍ صادم في وضعها لخيار العلمانية أو تقرير المصير ، لكنها أفصحت عن شرطٍ ضمني تتفق عليه القوى السياسية والمسلحة السودانية ، ويؤيده واقع الحال وطبيعة المجتمع السوداني ، بأن البداية الصحيحة لتأسيس دولة سودانية واحدة ، مستقرة وديموقراطية يكمن في نموذج الدولة المدنية العلمانية.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

لوكا بيونق يرد علي بونا ملوال ..هل أبيي تتبع لجنوب السودان؟ 2017-12-12 19:26:46 ترجمة موياك لنقو أويج إن البيان الأخير بأن أبيي جزء لا لبس فيه من السودان أثار جدلا صحيا مرة أخرى حول وضع أبيي. لقد فوجئت ليس فقط بمستوى الجهل المطلق لبعض الحقائق التاريخية الأساسية ولكن أيضا استهزاء بشهوة السلطة (...)

القرار الخطيئة 2017-12-07 20:50:12 بقلم: الصادق المهدي إنه عطاء من لا يملك لمن لا يستحق. فالرئيس الامريكي في فترة وجيزة صنف نفسه عنصرياً، إثنياً، وعدواً دينياً للمسلمين، وجهولاً بمسؤولية البشر عن سلامة البيئة، وقدم برهاناً ساطعاً بخطر خلو الذهن السياسي (...)

الكارثة والفرصة في اليمن 2017-12-06 19:18:26 بقلم: الإمام الصادق المهدي قُـتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، رحمه الله وأحسن عزاء أسرته وحزبه وأهلنا في اليمن، فقتلى طرفي الحرب الأهلية خسارة للوطن اليمني الجريح. (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ). (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

ورقة د. غازي صلاح الدين العتباني في ورشة عمل الانتخابات ومستقبل الممارسة السياسية بعنوان "آفاق الممارسة السياسية في السودان" 2017-12-08 14:32:35 بسم الله الرحمن الرحيم آفاق الممارسة السياسية في السودان "تحديات الإصلاح السياسي في السودان بتصويب نحو إصلاح الحركة السياسية الحزبية" بسم الله الرحمن الرحيم، نحمده على نعمه التي لا تعد، ونسأله أن يجمعنا على الهدى ويدلنا (...)

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)


المزيد


Copyright © 2003-2017 SudanTribune - All rights reserved.