الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 18 آذار (مارس) 2018

سوداني بدوني (٢-٢)

separation
increase
decrease
separation
separation

مصطفى عبد العزيز البطل
‏mustafabatal@msn.com

كنا قد تطرقنا في الحلقة الأولى إلى المعامل السوداني في قضية طائفة البدون الكويتيين، وطوّفنا على المحاولات والمساعي المختلفة من قبل حكومة الكويت وبعض السوادنة لحل المعضلة البدونية عن طريق التجنيس السوداني.

وكنت حتى وقت قريب أظن أن المساعي السودانية في هذا الاتجاه قد توقفت في زمان قديم عند الأبواب الموصدة في رئاسة الدولة، وأن المحاولة الباسلة التي نهض عليها وزير سابق ينتمي إلى أحد الأحزاب المشاركة في الحكومة كانت هي الأخيرة في هذا الباب.

ولكن تبين لي من حيث لم أحتسب أن هناك محاولة حديثة قام بها وزير دولة يمثل فرقة من الفرق الجهوية التي تسلحت ثم سالمت، وتوافدت إلى العاصمة والتحقت بنادي الحكم وذاقت حلاوة الاستيزار. ومن عجب أن هذا المستوزر الكريم أفاد في متن دعواه ومسعاه إلى الحصول على موافقة الدولة على التجنيس، أفاد بأن الأحباب البدون الكوايتة تربطهم صلات قربى واشجة بقبيلته في السودان، وهي في الحق أكثر قبائل السودان عروبة وتمتد جذورها إلى عمق الجزيرة العربية.

ولا أستبعد أن تكون جهة ما في الكويت قد توهمت أن الصفة الوزارية التي يحملها ذلك المسئول البار بأهله البدون كافية لوضع السودان في قائمة الدول (المرشحة) لمنحهم جنسيتها، وقد يفسر ذلك ما نشرته الصحيفة الكويتية التي نشرت الخبر.

بيد أنني أحرص على ألا يتسرب ويسكن إليك، أعزك الله، الظن بأني أرفض فكرة منح البدون أو غير البدون من رعايا الدول العربية الجنسية السودانية قولاً واحدا. ولا بد أنك تعرف عنى أنني نافحت غير مرة ومن خلال هذه الزاوية عن الممارسة الراهنة في أمر تجنيس الإخوة السوريين الذين سلكوا المسالك المشروعة إلى السودنة فتسودنوا. ووصفت الصرخات المتشنجة لوقف تجنيس السوريين، بل وطردهم من السودان، بسبب حادثة جنائية أو حادثتين بأنها دعاوى صبيانية لا تقوم على ساقين.

الأمر الوحيد الشاذ في قضية البدون الكوايتة هو أنه لا هم ولا دولة الكويت يطلبون انتقالهم للإقامة في السودان. المطلب فقط هو منحهم جنسيات سودانية. والحقيقة أن دولة الكويت لم تطلب أن يتولى السودان أمر البدون عن بكرة أبيهم، بل إنها حددت حصة معينة على أساس أن دولاً أخرى ستتولى مهمة تجنيس الباقين بالتساوي أو بالتوافق. والرقم هو خمسة وثلاثون ألفاً فقط لا غير. وهذا رقم صغير ومحدود بغير شك، ولكن العبرة في النهاية ليست بالرقم، قلةً وارتفاعا، وإنما بالمبدأ. ثم إنه، وبحسب ما هو بين يدي من معلومات، فإن دولة الكويت تعرض مقابل تجنيس ذلك الرقم عوناً ماليا يتراوح ما بين 1,2 إلى 1,8 مليار دولار أمريكي.

قلنا في ما سبق إن هناك إشكالية تتصل بهذه القضية عند عرضها أمام التقويم الموضوعي، وتتصل هذه الإشكالية بكون أن المطلوب هو الأوراق فقط دون أن يكون هناك حضور حسي للمتجنسين. ويعود ذلك لأسباب وعوامل بالغة التعقيد مربط فرسها هو أن الكويت لا تمانع أصلا في بقاء البدون فوق أراضيها، ولكنها فقط لا ترغب في منحهم حقوقا دستورية تمكنهم من المشاركة في الحكم والتصويت في الانتخابات، كون أن البدون ينتمون عرقيا إلى دول أخرى مشاكسة للكويت مثل العراق وإيران، كما أن أغلبهم/ يدين بالمذهب الشيعي.

ولكن تلك الإشكالية لن تمنعنا من المضي قدما في مناقشة المبدأ، وهو منح الراغبين من أبناء الدول الأخرى الجنسية السودانية.

أغلب دول العالم تمنح جنسياتها للراغبين وفق أشراط وقواعد محددة، ومن بينها الولايات المتحدة وغالب دول أوربا وعدد من الدول العربية. قبل أقل من عام واحد أصدرت المملكة الأردنية تشريعاً يقضي بمنح الجنسية الأردنية لمن يرغبها مقابل مبلغ مالي محدد. وهذا المبلغ المالي لا يدفعه الراغب في الجنسية للدولة، وإنما هو مبلغ مالي استثماري يتعهد المتجنس بإدخاله إلى البلاد. وكذلك تفعل المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا التي نال جنسياتها عدد كبير من غير سكانها الأصليين.

بل إن بريطانيا العظمى التي لا تغرب عنها الشمس (مع انني قضيت شهر يناير بطوله وبعضاً من فبراير في عاصمة تلك الامبرطورية ولم ترَ عيني شمساً مشرقة)، أقول إن بريطانيا بهيلها وهيلمانها تمنح جنسيتها للراغبين حال التزام المتجنس بإيداع مبلغ مالي محدد بالقانون يتم استثماره بالكامل داخل المملكة. وكذلك تفعل دول أوربية أخرى.

هذا مع العلم بأن غالبية دول أوربا والولايات المتحدة وكندا تمنح جنسيتها لكل من هب ودب خلال فترة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات بالنسبة للولايات المتحدة وكندا، وفترات أخرى تقل أو تزيد قليلا بالنسبة للدول الأخرى، حال الزواج من أحد مواطني تلك البلدان، بالإضافة إلى مسوغات أخرى كالاستثمار المالي أو التميز المهني وغير ذلك من مداخل التجنيس في تلك الدول .

ماذا نريد أن نقول؟ الذي نريد أن نقوله باختصار هو: هونوا عليكم أيها السوادنة، هداكم الله، فلا أنتم الجنس الآري ولا السودان سويسرا. هذا مع الأخذ في الاعتبار أن الآريون في ألمانيا ودولة سويسرا نفسها تمنحان الجنسية للراغبين بشروط مماثلة لبقية الدول الأخرى. وهناك في يوم الناس هذا جيوش من بني جلدتنا تجنسوا بجنسيات هذين البلدين وما فتئوا يرتعون من خيراتهما لا يلوون على شيء!


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

إضاءات حول مشروع قانون الانتخابات لعام ٢٠١٨م 2018-06-17 22:28:54 محمد الطيب عابدين المحامي ( ١ ) مقدمة أُعِدْ مشروع قانون الإنتخابات لسنة ٢٠١٨م ( *الجديد* ) من قِبل وزارة العدل و أقيمت حوله ورش على عجل ثم دُفِع به إلى مجلس الوزراء في جلسة كان جندها الرئيس و الوحيد هو هذا القانون في (...)

الرقم الوطني لمرتضى الغالي 2018-06-15 02:50:18 مصطفى عبد العزيز البطل أعرف الصحافي المخضرم مرتضى الغالي وأحسبه في زمرة أصدقائي برغم تطاول عهدي به. كنت أقرأ كتاباته في صحيفة (الأيام) وانا طالب في السنة الأولى من المرحلة الجامعية، وتابعت مسيرته الصحافية عبر العقود (...)

تعذيب المناهضة 2018-06-11 20:34:14 كتبت : سلمى التجاني (1) يوم الاثنين قبل الماضي، أعلنت وزيرة الدولة بوزارة العدل نعمات الحويرص، أمام لجنة التشريع والعدل وحقوق الإنسان بالبرلمان، أن وزارتها رفعت توصية لمجلس الوزراء للمصادقة على اتفاقية مناهضة التعذيب. (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

حركة / جيش تحرير السودان بيان مهم حول الأوضاع الراهنة في البلاد 2018-05-25 21:04:35 إلى جماهير الشعب السوداني الوفية لا يخفى على أحد أن نظام الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومنذ أول يوم إستهل فيه عهده البغيض، كان يستهدف الصدام مع الشعب السوداني، فبدأ بوأد النظام الديمقراطي ثم إعدام الشهيد علي فضل مروراً (...)

ذكرى شهداء الكرامة 2018-05-21 23:22:45 الحرية - العدل - السلام - الديمقراطية حركة / جيش تحرير السودان - المجلس الإنتقالي جماهير شعبنا الكريم في مثل هذا اليوم، و كما درجة العادة، فإننا نحظى بدقيقة من الصمت لتعانق أرواحنا أرواح رفاقنا الذين بسببهم لا نزال على (...)

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.