الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 16 تشرين الأول (أكتوبر) 2017

شبح الحركة الإسلامية (1-2)

separation
increase
decrease
separation
separation

كتبت :سلمى التجاني

يتمركز فكر الحركة الإسلامية حول مفهوم الحاكمية لله ، كمفهومٍ فضفاضٍ ينبثق منه منهج وشعارات وبرامج الحركة .

على المستوى التنظيمي وكمدخلٍ للإنتماء تصبح آيات الحاكمية الثلاث ( ٤٤، ٤٥،٤٧ سورة المائدة ) ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ، ( ومن لم يحكم بما انزل الله فأؤلئك هم الظالمون ) ، ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الفاسقون ) ، تصبح هذه الآيات فرمان لتقسيم الناس إلى مؤمنين وغير مؤمنين ، دُعاة لتمثُّل قيم الإسلام في مناحي الحياة المختلفة ، سياسية وإجتماعية وإقتصادية ، وآخرون يرفضون هذه القيم أو يجهلونها على أفضل تقدير . فتصبح هذه الرؤى ايدولوجيا تطعن في دين وعقيدة وقيمة حياة المخالفين .
بدأت الحركة ومنذ أن كانت تحمل اسم الأخوان المسلمين في التبشير بهذه الرؤى وأخذت من أخوان مصر كمنشأ وحاضن لدعوة الاخوان المسلمين أساليب الدعوة وبناء التنظيم وهياكله .

وفي ظل تطورها وبعد أن أصبح الدكتور حسن الترابي على رأس التنظيم في منتصف الستينات أخذ أخوان السودان في سودنة نهجهم وطرائقهم التنظيمية ، فأخذوا من الحزب الشيوعي بناء الخلايا والوحدات التنظيمية السرية والعلنية ، واستفادتوا من الطوائف الدينية وسطية تدينها فنازعوا طائفتي الختمية والأنصار في قواعدهما التاريخية .

اتجهت الحركة للدخول في معترك السياسة خلافاً لما انتهجه أخوان مصر في بداياتهم من اعتكافٍ على نشر فكرهم وسط المجتمع كجماعة دينية تتبنى إحياء الدين . تعقيدات المشهد السياسي في مصر والتي قادت لمطاردة واعتقال أعضاء الجماعة هناك وإعدام سيد قطب أحد أبرز مفكريها ، رسَّخت إيمان الحركة الإسلامية السودانية بصحة توجهاتها نحو السياسة وتطلعها للحكم .

عملت الحركة لتحقيق مفهوم الحاكمية لله على مستويين ، الأول أفقي عبر محاولة التمدد في قطاعات المجتمع الحديثة كطلاب الثانوي والجامعات والتنظيمات المهنية ؛ الأطباء والمهندسين والزراعيين وغيرها ، فصممت برامج غلب عليها الطابع التربوي ، وسعت لخلق عضوية ( رسالية )لتنظيم ( رسالي ) سبب وجوده الوحيد ، وفقاً لأفكاره ، هو إعادة المجتمع لجادة الدين كما تفهمه الحركة الإسلامية . فأول ما يتعلمه عضو التنظيم هو أنه قد تم إعداده لمهمةٍ مقدسة ما يجعل منه فرد قائد في المجتمع يتقدم عليه بمعرفته بالله ويتفوق بكونه عضوٌ في تنظيم آل على نفسه تنفيذ حاكمية الله ، فينشأ أعضاءه وهم يشعرون بالتميز والتفوق والأحقية بإطلاق أحكام القيمة على مجتمعٍ هم في مهمةٍ مقدَّسة تتمثل ف إعادة صياغته .

ويمكن القول أنه ومن منطلق الإحساس بالأفضلية المطلقة والتفوق ظهرت نزعات العنف الأولى بالجامعات تفسيراً رغائبي لحديث الرسول ( ص ) ( من رآى منكم منكراً فليغيره بيده ) .

المستوى الثاني الذي عملت عليه الحركة الإسلامية لتحقيق فكرة الحاكمية لله هو مستوىً رأسي ، فاتجهت لحرق مراحل التطور الطبيعي لأي تنظيم ، حيث بدأت في البحث عن مسوغات أخلاقية تمكنها من المشاركة في الحكم ، فتحالفت مع نظام الراحل جعفر نميرى . انتهزت فرصة وجودها بالحكم لتأهيل عضويتها اكاديمياً عبر البعثات الخارجية ، وبناء مؤسسات إقتصادية ضخمة مستفيدة في ذلك من علاقاتها مع أصدقائها بالخليج والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص . إضافةً لذلك ، أفادت من مشاركتها لنميري الحكم في تدريب قادتها على الإدارة وشئون الحكم فخرجت من التجربة برصيد على صعيد الخبرات والتأهيل الأكاديمي ووضع لبنات لصروح اقتصادية تضخمت لاحقاً .

كانت الفترة التي قضتها الحركة في الحكم بجانب نميري بمثابة فتح شهية ، أرسلت لها إشارات خاطئة عن قدرتها على الحكم بالنظر لما حققته من التجربة ، ثم أتت الديموقراطية الثالثة فحصلت على مقاعد برلمانية زادت من معدل ثقتها بمقبوليتها وسط المجتمع ، فقررت أن تحكم منفردة بالإنقلاب على التجربة الديمقراطية نفسها وتفرض ( مشروعها الحضاري ) على المجتمع من على ظهر دبابة هاديها في ذلك ( يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ) ، فبقوة السلطة يمكن فرض مشروعها على المجتمع بأفضل مما يمكن أن تفعل بالدعوة والتبشير به وصناديق الإقتراع ، هكذا يبدو تفسير الحديث من واقع تجربة الحركة الإسلامية .

أول ما اكتشفته الحركة بعد الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ أنها وفي ظل سعيها المحموم للوصول إلى السلطة بكل الوسائل ، نست أو لم تجد وقتاً لتضع مشروعاً متكاملاً للحكم ، نظرية اقتصادية تتماشى مع فكر الحركة وتصلح للتطبيق على السودان ، رؤى للحكم في بلدٍ مترام الأطراف ومتهدد الديانات والثقافات ، يعيش في وضعٍ مضطرب منذ استقلاله ، نظرية تبني على قيم المجتمع السوداني وتتوافق مع تنوعه وتأثره بالعولمة وثورة المعلومات . وجدت الحركة نفسها صفر اليدين إلا من شهوة الحكم ، فبدأت في التجريب ، واتخذت من السودان وشعبه حقلاً لتجارب تفشل لتبدأ في تجريب غيرها دون دراسة أسباب فشلها . وجدت ملاذاً في تبنيها لمشروعٍ أسمته المشروع الحضاري ، مشروعٌ في حالة سيولة لا تستطيع أن تدرك ما هي أدواته وما الذي تحقق فيه وأين مكامن الفشل وهل تتم مراجعة دورية لتقييمه .

قبل عشرة سنوات قال الدكتور عبد الوهاب الأفندي في حوارٍ معي ان ( الحركة الإسلامية حكمت بلا خطة وتفكر حسب الظروف ) ، وعندما سُئل الدكتور التجاني عبد القادر في حواره مع صحيفة الصيحة أواخر سبتمبر الماضي ، عن أسباب انقسامات الإسلاميين عزاها ل ( غياب المنهج وهشاشة الرؤية وضعف قيادة كيانات الإسلاميين ) ، في الحقيقة أن وجود الحركة في الحكم أظهر سوءاتها الفكرية ، فبدت تنظيم يؤمن بفكرة مجردة لا تقوم على سيقانٍ من وعي أو جهدٍ فكري يمكِّنها من تقديم مشروع متكامل قابل للتطبيق .

أسوأ من ذلك أن تجربة الحركة الإسلامية في الحكم ، وفي أهم خلاصاتها ، أوضحت أنها حركةً غايتها الحكم وقد توسلت إليه بمفهوم ( الحاكمية لله ) الذي ظل مجرد شعارات جوفاء لم تكن مقصودةً لذاتها . فتصالحها مع الفساد المالي والأخلاقي داخل التنظيم ، وقدرتها التي لا تحدها موانع من دين أو خلق في إقصاء وتصفية الخصوم بأكثر الأدوات دموية ولا إنسانية - كما حدث في حروبها بالجنوب و الأزرق ودارفور وجبال النوبة - ، وما ظلت تتبعه من أساليب قمعية غاية في القسوة مع خصومها السياسيين بمن فيهم عراب الحركة الدكتور حسن عبدالله الترابي وأعضاء حزبه بعد خلاف الرابع من رمضان ١٩٩٩ ، وتبلد حسها الإنساني تجاه معاناة الشعب وما آلت إليه أحوال سواده الأعظم من ضنك في العيش ، كل ذلك تعود جذوره لفكر الحركة الإسلامية نفسها الذي يصنع قادة يؤمنون بأنهم على حقٍ مطلق وأنهم رساليون لا يأتيهم الباطل من بين يديهم ومن خلفهم ، وأن رساليتهم تحتم عليهم القوامة على الناس رضوا أم أبوا ، فهم لا ينظرون للدمار الذي أحدثته سياساتهم في المجتمع والدولة إلا من زاوية الإبتلاءات التي تعترض الدعاة في طريق الدعوة . ففكر الحركة الإسلامية وممارساتها في الحكم منذ تجربتها مع نظام نميري ، أكدت أن الحكم هو الغاية وأن الوصول إليه و البقاء فيه لا تحكمه قواعد الاخلاق والمنطق ، وأن الدين هو الغطاء الذي لا تعدم الحركة تأوياً لنصوصه ، تبرر بها أفعالها وتستمد منه مسوغات استمرارها في الحكم ، في أسوأ صورةٍ يشهدها السودان والمنطقة للجرأة في استغلال الدين للحكم .

يذهب الدكتور التجاني عبدالقادر في حواره الوارد عاليه ، إلى أن إزاحة بعض وجوه النظام مجرد لعبة كراسي لا تمثل تغييراً جذرياً في نظام الحكم القائم . حديثه يؤكده واقع حال النظام ، لذلك واهمٌ من يظن أن الإسلاميين قد ابتعدوا عن الحكم ، ببساطة لأنهم لا يستطيعوا ، ولأن ذلك يتناقض مع فكرتهم حول الحكم .

بعد انشقاق الرابع من رمضان كانت الفرصة مؤاتية للحركة الإسلامية لمراجعة جذور الفشل في فكرها ومنهجها ، التي قادت للإنقسام ، وقبله للفشل في حكم السودان ، والإتجاه لإعادة بناء التنظيم على ضوء تجاربها السابقة ، والتي كانت ستقودها حتماً ، إن تمت مراجعة صادقة ، لإعتزال العمل السياسي لسنواتٍ تعتذر فيها لنفسها وللشعب من تقولها على إرادته ومغامرتها بفرض مشاريعها التي لا تدرك كنهها ولا تمتلك أدوات تنفيذها . على العكس عاد المؤتمر الشعبي للحكم من جديد وهو يتكئ على ذات عقلية إيجاد المسوغات والتبرير ، وبالقرآن والحديث ، كعقلية ينتجها فكر الحركة الإسلامية . لتطرح أسئلةٌ ملحاحةٌ نفسها : هل يعلم الإسلاميون إنتهازية فكرهم ، هل يدركون بأنه ، ومن واقع تجاربهم في الحكم ، أنه أصبح فكراً بلا بقيمة لدى الشعب الشعب السوداني ، هل يدركون أنهم استنفدوا فرصهم في الحكم كفكر يعتنقه الناس وتنظيم يختاره الفرد بإرادته الحرة ؟ .

سيد قطب أحد أبرز مفكري الاسلاميين والذي ظلت أشعاره مصدر إلهام لمقاتلي الحركة الإسلامية يقول في كتيبه أفراح الروح ( حين نخوض للشط الممرع بركةً من الوحل لابد ان نصل إلى الشط ملوثين .. كذلك الحال حين نستخدم وسيلةً خسيسة فان الدنس سيعلق بأرواحنا ، وسيترك آثاره في الروح ، وفي الغاية التي وصلنا إليها ) ، عندما نحاكم الحركة الإسلامية بكلمات سيد قطب ، يذهب التفكير حول غايات الإسلاميين ، هل يحمل فكرهم غاياتٍ نبيلة ، وكيف سعوا لتحقيقها ، و أين وصلوا ، هل بقي دنسٌ لم يلطخهم ؟ .

أواصل


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

التسوية السياسية على طريقة ثابو مبيكي 2018-12-13 14:29:05 بقلم : سلمى التجاني ما حدث في أديس أبابا أمس، يعطي ملمحاً لشكل التسوية السياسية القادمة. ففي الوقت الذي حصر فيه وفد الحكومة الهدف من اللقاء التشاوي في مناقشة مقترحات الوسيط الأفريقي المشترك، حول إدخال بندي الدستور (...)

السودان واليوم العالمي لحقوق الإنسان: أنضحك أم نبكي!! 2018-12-10 15:15:01 بقلم: د. خالد لورد يحتفل العالم في العاشر من ديسمبر من كل عام بالإعلان العالمى لحقوق الإنسان الذي يمثل وثيقة دولية تاريخية تبنتها منظمة الأمم المتحدة فى العاشر من ديسمبر 1948م، فى قصر شايو فى باريس. يعتبر الإعلان العالمى (...)

اذهبوا مدى الحياة 2018-12-09 21:49:11 بقلم : محمد عتيق في الأنباء أن عدداً كبيراً من نواب البرلمان قد تداولوا أمر تعديل في الدستور يسمح لرئيس الجمهورية ان يترشح للرئاسة في ٢٠٢٠ ، وأنهم لم يكتفوا في مقترح التعديل بدورة إضافية او دورتين ، بل اقترحوا ان يستمر (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.