الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الخميس 25 آب (أغسطس) 2016

شذرات من سيرة الشيخ ياسين عمر الإمام "2"

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : عبد الحميد أحمد محمد

الانتماء للحركة الإسلامية

نحو خواتيم الأربعينات من القرن الماضي كانت أول أوعية الدعوة تنظيماً يتخلّق تشكّلات بادئة أوساط الطلاب بجامعة الخرطوم، حركة تحرير إسلامي يستسرّون بكامل نشاطها لا يشهرونها محاذرة مما حاق بإخوان مصر من أذى واستضعاف واضطهاد اشتهر وقعه وذاع خبره يصل إليهم، فيمعنون في السريّة، لا يخرجون منشورات تحمل اسماً يميزهم، فيتركونها هكذا مبهمة غامضة.

لكن ياسين عمر الذي انسلك في صف مدرسة (فاروق) الثانوية كان لا ينقطع، يصل طلابها بالجامعة يزورهم في أحايين كثيرة بصحبة آخرين من إخوانه وزملاء دراسته، منذئذٍ التحق ياسين عمر بحركة التحرير الإسلامي.

في ذلك الوقت بدأ الإخوان في مصر يدرسون فكرة إنشاء فرع لهم بالسودان، فهم يبحثون عن قيادة يسندون إليها الأمر فتعددت خياراتهم بين علي عبدالرحمن وعوض عمر، شخصيات مشهورة بالتدين والالتزام، يعطونهم شارات الإخوان المسلمين المصرية، وإذ كانوا يبحثون عن علم مشهور بعينه فقد أخرجوا علي طالب الله من الاتحاديين يقلدونه أمر الإخوان.

وإذ ظلّ علي طالب الله الأنشط بين تلك الأسماء، فإنّ ياسين عمر مهما بدأ لأول صباه يجتمع إلى الشيوعيين الذين يزحمون مجتمع مدينته في أم درمان فقد درجوا على عادة التيارات السياسية السودانية، نحو خواتيم الأربعينات من القرن الماضي، على اختلاف توجهاتها تتبارى في اقتناص النوابغ، أصحاب المواهب، والنجوم أهل الإبداع ذوي التأثير في المجتمع والحياة تضمهم لصفوفها وتجمّل بهم مواكب عضويتها، وحيث كان الحزب الشيوعي السوداني وقتئذٍ في نهضة نشاطه وتأثيره، فقد كان يتشوّف الأفذاذ من العناصر، أصحاب الطاقات والعبقريات، فلم يكن غريباً سعيه لأن يكسب فتى من أم درمان، ثورياً، حامي الدماء فوّارها تمور نفسه بعاطفة حرّى تواقةً لنصرة المستضعفين والفقراء المسحوقين. مثّلت تلك الروح المدخل الذي ولج عبره ياسين عمر إلى الحزب الشيوعي لأول فورة الصبا وحمأة الشباب الغض، فانسلك من ثمَّ في صفوفه ماركسياً يتطلع لنصرة الطبقة الكادحة، لكنه لا يلبث أن يغادره بعد حين نافراً مستهجناً سلوكاً بدا لدى الشيوعيين إلحادياً إزاء الدين، منحرفاً كله خارجاً عن تضابط ولايات المجتمع الذي عهده محافظاً بعاداته وتقاليده لا سيما وهو يتحدّر بالأصل من أسرة دينية شديدة التدين تراثاً تالداً فيها منذ الآباء والأجداد، لكن أعمدتها اليوم من أشقائه الأكابر الشيخ حامد عمر الإمام والشيخ المقرئ عوض عمر الإمام إمام جامع أم درمان العتيق.

حينئذٍ بدأ يوالي صلته بطلاب الجامعة لا يعرف ولاءً لغير حركة التحرير الإسلامي منذ أول عقد الخمسينات، لكنه غير منتم لأسرها أو أي من تشكيلات تنظيماتها التي لا تتسع لغير طلاب الجامعة المحصورين في سكنهم الجامعي.
عمله في التدريس

هيأت وظيفة المدرس التي التحق بها ياسين عمر فرصة سانحة له أن يتطوّف متنقلاً بين حواضر ومراكز عديدة في السودان، أهدته كذلك تجارب ومعارف جديدة وصلات بأناس في أصقاع بعيدة عن العاصمة التي قضى فيها شبابه الأول، لكنه يبدأ تجوالاً من منطقة لأخرى، فهو حيناً من الدهر عمل معلماً في مدرسة مدني الأهلية وسط السودان، لكن إن سنحت فرصة التوغل إلى الغرب منها نحو (المدينة عرب) فهو هناك يصل مزارعيها وعمالها بما يحمل من دعوة الإسلام، رجاء أن يقصر صولة المد الشيوعي بين المزارعين، لكن جولة أخرى بالتدريس حملت المدرس يومئذٍ ياسين عمر نحو الشمال الأقصى إلى مدينة كرمة، قبل أن يكمل حصة التدريب التي ينالها كل من يلتحق بمهنة التدريس في ذلك الوقت بمعهد التدريب ببخت الرضا.

نحو بداية عقد الخمسينات حمل بعض من طلاب جامعة الخرطوم الموصولين بتكوينات التنظيم الإسلامي نُذُراً لإخوانهم تنبه لفورة المد الشيوعي التي قامت طاغية تنتظم أوساط العمال في مدينة عطبرة، ذلك أنه في عام (1951م) أكمل طالبان من عناصر الإخوان المسلمين بجامعة الخرطوم ينتسبان لكلية الهندسة - قسم الميكانيكا، دورة تدريبية في ورش سكة الحديد بمدينة عطبرة وعادا بعد ستة أشهر يكتبان تقريراً نبها من خلاله لمخاطر المد الشيوعي الذي انتظم فاشياً أوساط العمال، الأمر الذي دعا قيادة الإخوان لأن تفكر في إرسال بعض من عناصرها إلى عطبرة في محاولة لمحاصرة الوجود الشيوعي بالمدينة.

وإذ أخذ التنظيم الإسلامي تلك التحذيرات مأخذ الجد فقد قررت القيادة لأول فور فراغها من مناقشة التقرير إرسال بعض من عناصرها الفاعلة إلى مدينة عطبرة من أجل التصدي لخطر انتشار الفكرة الشيوعية بين عمالها وسكانها، حيث مضت سيرة ياسين عمر في الحركة خالصة بالطاعة لأمر التنظيم، ما استنفر لمهمة في أمر الدعوة إلا نفر خفيفاً وثقيلاً، لا يثاقل إلى الأرض راضياً بالحياة الدنيا من الآخرة، فقد حزم أمره طائعاً متوجهاً صوب مدينة عطبرة مهما تكاثفت عليه ضغوط الأسرة ترجو إثناءه عن عزمه مغادرة العاصمة، إذ اجتهد بعضاً من أشقائه وأعمامه أن يوفروا له وظيفة براتب جيد في الخرطوم على نحو ما فعل أحد أقربائه (محمد عمر البشير) الذي أخبر عوض عمر أنه وجد وظيفة مدرس يمكن أن يشغلها ياسين عمر بمدرسة الشعب يبلغ راتبها ثلاثين جنيهاً، لكن ياسين عمر أصر على أن يسافر إلى عطبرة حين أقنعهم بأنه وجد وظيفة هناك يصل راتبها إلى ثلاثة وثلاثين جنيهاً، ومضى إلى التكليف مهما تقاصرت عنه عزائم بعض إخوان آخرين.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

قوش .. تحطيم الصندوق 2018-02-20 18:19:16 بقلم : سلمى التجاني دشَّن صلاح عبدالله قوش مدير الأمن والمخابرات ، خطته في عهده الثاني ، بتصريحاتٍ حملتها صحف اليوم . وعلى عكس توقعات قلَّة من المراقبين بأنه سيبدأ عهده الجديد بتفكير خارج الصندوق ، فإذا به يحطم الصندوق ( (...)

عودة "قوش" أم عودة طه ؟ 2018-02-19 20:04:06 بقلم : عبدالحميد أحمد أعقب توقيع اتفاق السلام الشامل (2005) حدثاً مهماً على صعيد الجبهة الداخلية لنظام الإنقاذ، وافى صعود مجموعة جديدة ضمن محاور الصراع على السلطة الذي اشتد بين مكونات النظام، انكسفت على إثر ذلك سلطة "على (...)

في سجن كوبر ... رجل يعض (كلب) 2018-02-19 20:00:32 بقلم : سلمى التجاني في الصحافة كثيراً ما نردد أن الخبر هو عندما يعض رجلٌ كلباً وليس العكس. عندما دعت إدارة الإعلام بجهاز الأمن والمخابرات وسائل الإعلام المحلية والعالمية لتغطية خبر إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من سجن (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)

ورقة د. غازي صلاح الدين العتباني في ورشة عمل الانتخابات ومستقبل الممارسة السياسية بعنوان "آفاق الممارسة السياسية في السودان" 2017-12-08 14:32:35 بسم الله الرحمن الرحيم آفاق الممارسة السياسية في السودان "تحديات الإصلاح السياسي في السودان بتصويب نحو إصلاح الحركة السياسية الحزبية" بسم الله الرحمن الرحيم، نحمده على نعمه التي لا تعد، ونسأله أن يجمعنا على الهدى ويدلنا (...)

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.