الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الخميس 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2016

شذرات من سيرة الشيخ يس عمر الإمام (6)

separation
increase
decrease
separation
separation

عبد الحميد أحمد محمد

من بعد هدأته كامناً لأول بدعة الانقلابات العسكرية في السودان، بدأ التنظيم الإسلامي يرتب صفوفه وتنتظم حركته فاعلة متصاعدة على صعيد الساحة السياسية مهما كانت مناشطه ومنشوراته سرية مبهمة لا تشهرها تواقيع معلومة أو سمة مائزة تحمّل التنظيم تكاليف الملاحقات الأمنية، لكن عودة أحد أبرز القادة الإسلاميين من بعثته العلمية في فرنسا دفعت روحاً جديداً تحي جذوة الجهاد في أوصال الجماعة فتشترع لها نهجاً أكثر سعة وانفتاحاً نحو ساحة الوطن الأكبر.

لكن ظهور د. حسن الترابي القادم لفوره من أُروبا يحمل شهادة دكتوراه الدولة من جامعة السوربون، أرقى جامعات فرنسا عام 1964 هيّأ له سانحة المشاركة في ندوة سياسية بجامعة الخرطوم أثارت مداولاتها أزمة جنوب السودان، وإذ جاء حديث الترابي في سياق الخط العام لخطاب التنظيم لا يقصد منه تعبئة شعبية تهب نحو إسقاط النظام فقد التقط اتحاد الطلاب في جامعة الخرطوم بقيادة ربيع حسن أحمد، من بعد تجميد نشاط الاتحاد واعتقال حافظ الشيخ ومجموعته، ألتقط حديث الترابي في الندوة ومضى يصعّد الاحتجاجات الطلابية استجابة لدعوة الترابي بالعمل من أجل تمام تغيير الحكم العسكري الشمولي المركزي، مدخلاً لحل أزمة إقليم جنوب السودان مما صعّد في الجامعة وتيرة العمل السياسي المناهض للحكم العسكري، وإذ تعبّأت السلطة بعنف مضاد تحاول قمع ثورة الطلاب وكبت حراكهم فقد تداعت تلك الوقائع جميعاً حتى أدت إلى أول ثورة شعبية في العصر الحديث (21 أكتوبر 1964) تقتلع أول نظام حكم عسكري شمولي في السودان.

جبهة الميثاق

فور نجاح ثورة الشعب في أكتوبر (1964) بدأت نشاطات كثيفة تنتظم ساحة تنظيم الإخوان المسلمين وهو يتهيأ لمرحلة تنفسح فيها الحريات ويتسع المدى لنشاط الأحزاب السياسية، فما كاد الشهر يكتمل على سقوط النظام العسكري حتى تأسست (جبهة الميثاق الإسلامي) التي ضمت أطيافاً من فعاليات في المجتمع السوداني توحد تصوراتهم ورؤاهم الإسلامية في السياسة والحكم وتؤلفهم في جبهة واحدة، هكذا نشأت جبهة الميثاق التي بادر الإخوان المسلمين فدعوا وجمعوا إليها أفذاذاً من شيوخ الطرق الصوفية وقيادات أنصار السنة المحمدية ووجوه المجتمع لكن غالب أمرها يبرم بليل داخل كواليس التنظيم الإخواني المستسر يومئذٍ بكامل أمره داخل سراديب شديدة الحذر والكتمان بينما تعمل الجبهة بوجوه قيادتها ونظمها ومناشطها في العلن.

اضطلع يس عمر الإمام بدور فاعل في مشروع تأسيس جبهة الميثاق الإسلامي ودعمها، إذ كان ضمن المكتب القائد للجبهة في وجوه من الإخوان المسلمين في السودان من أمثال، حسن الترابي، محمد محمد صادق الكاروري، محمد صالح عمر، جعفر شيخ إدريس.

ومضى يس عمر مع الاخوان يوالي اتصالاته بشيوخ الطرق الصوفية وقيادات المجتمع السوداني، هذا سوى حركته الدائبة في الطواف المتصل إلى غالب أقاليم السودان يصل إلى نجعه وصقعه ويطوف بمدنه وقراه الأبعد نحو الأرياف والأطراف يخاطب جماهيرها من خلال الندوات العامة والمحاضرات يبشر ببرامج جبهة الميثاق ورؤاها في السياسة وأكثر ما يذكر الشيخ الترابي أنهم خلال تحركاتهم لتأسيس وتدعيم جبهة الميثاق الإسلامي كانا هو والشيخ يس عمر الإمام يطوفان غالب أقاليم السودان يصلان إلى المناطق الأبعد وربما ذهبا بسيارة واحدة يتبادلان قيادتها على طول الطريق.

أتاحت تجربة جبهة الميثاق لقادة الإخوان المسلمين سانحة طيبة مكنتهم من خوض غمار الانتخابات التي أعقبت ثورة أكتوبر في السودان ليختبروا من ثم وقع حركتهم وتأثيرها متحالفة مع اخوتهم في دعوة الاسلام العامة.

لكن اختبار الحركة لمدى تمثيلها في تلك العملية كان يتقاصر فيما سوى دوائر الخريجين فأعداد الذين خاضوا منافسات النيابة لم تصل إلا إلى عشرة من أعضاء التنظيم، تساقط جميعهم في عاقبة كسب تلك الجولة سوى الأمين العام الذي أشتهر اسمه نجماً لامعاً لما قام به من دور في إشعال ثورة الشعب التي أسقطت النظام العسكري في اكتوبر ولم يرافقه نائباً إلى البرلمان إلا واحداً من الخريجين واثنين من قائمة الإخوان في الدوائر الشعبية فقد أكلمت جبهة الميثاق قائمة مرشحيها بيس عمر وشقيقه عوض عمر ولكن سقط كلاهما ضمن أعضاء المجموعة على حين فاز من تلك القائمة الشيخ الترابي فوزاً باهراً يرافقه آخر إلى أول تجربة برلمانية للإخوان.

لكن مهما كانت كسوب الحركة ضئيلة في تلك الانتخابات لا تتجاوز بضع مقاعد في برلمان الشعب أربعةً منها منافسة وفوزاً واثنان انضماماً إليهم إلا أن بسطة الحريات العامة التي جاءت من ثمرات أكتوبر والنظام الديمقراطي الخالف لها أتاحت مجالاً للنشاط الأوسع للحركة عبر الندوات العامة بل طرقت مجالاً آخر في الإعلام فأصدرت صحيفتها (الميثاق) ليبرز يس عمر الإمام في ميدان جديد رائداً للإسلاميين في العمل الصحفي والإعلامي نشطاً في أعمال تحرير صحيفة الميثاق وكاتباً راتباً على صفحاتها.

كذلك استثمرت الحركة المساحة الواسعة من حرية العمل السياسي في بناء قواعدها الجماهيرية حتى تقلّص الفارق القائم بتقدم الحزب الشيوعي الذي كان يسبقها بكسبه في قواعد العمال والطلاب، لكن واقعة حل الحزب الشيوعي في العام (1969) أهدت الحركة تفوقاً جعلها في موقع متميز لم تكن تنتظره، إذ ما لبث ان اتخذ المكتب القائد للحركة قراراً يؤيد المضي نحو دعم قرار عاجل بحل الحزب الشيوعي بينما نشط فاعلون من عضوية الحركة اشتهروا بإتقان أعمال التعبئة والتحشيد الجماهيري في تأجيج الاحتجاجات المناوئة للحزب الشيوعي بدواعي الخطيئة التي قارفها أحد منسوبيه ذكر بيت النبي الشريف ونجحوا في إخراج الجماعات السلفية والطرق الصوفية يصفُّون مواكبها أمام مقر رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري الذي لم يجد بُداً من تأييد مطالبهم بحل الحزب الشيوعي وإخراجه من برلمان الشعب الذى احاطت به تلك الجماهير وتداعى النواب للاستجابة بتعديل للدستور يحظر الحزب الشيوعي الذي لا يؤمن بالديمقراطية النيابية وحل تنظيمه القائم واخراج النواب باسمه من البرلمان.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

موت فيدل كاسترو وانفضاح عورة الشيوعيين 2016-12-07 18:35:46 عادل عبد العاطي رحل قبل أيام الطاغية فيدل كاسترو فأتضحت عورة الشيوعيين في مهرجانات الرثاء والتعزية التي اقاموها له في مشارق الأرض ومغاربها وعلى صفحات مواقع التواصل الإجتماعي؛ مرددين الأكاذيب والأساطير عن واحدا من اكثر (...)

إضاءات عابرة حول العلاقة بين فيديل كاسترو والحركة الشعبية 2016-12-05 22:04:04 المحاربون القدامي لا يموتون ياسر عرمان أما أن تحب فيديل كاسترو أو تكرهه، في الغالب لا حياد حينما يتعلق الأمر بفيديل كاسترو، في حياته أو عند مماته، يقف الناس منه على ضفتي نهر، ولكن النهر يمضي، أما عن نفسي فإني من المحبين (...)

من موج القاع إلى السونامي.. دروس يوم العصيان 2016-12-03 13:09:31 د. غازي صلاح الدين العتباني إنه لخطأ كبير أن يهوّن حراس المِحْراب من خطر العصيان الذي جرى في مدينتهم بمسمع منهم ومرآى دون أن يقدروا على منعه. يومها صاروا كعامة القوم ينتظرون النتائج لا يصنعونها. القوانين الآن تغيرت. في (...)


المزيد

فيديو


أخر التحاليل

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)

تفكُّك الدَّولة السُّودانية: السِّيناريو الأكثر تَرجيحاً

2013-02-10 19:52:47 بقلم د. الواثق كمير kameir@yahoo.com مقدمة 1. تظل الأزمات السياسية المتلاحقة هي السمة الرئيس والمميِّزة للفترة الانتقالية منذ انطلاقها في يوليو 2005، في أعقاب إبرام اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان ممثلة في حزب (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)

بيان لحركة (الإصلاح الآن) حول تعرفة المياه 2016-02-19 21:41:21 سلطة المؤتمر الوطني، ووجبة اخري من رفع الدعم الذي اصبح لا يري بالعين المجردة بعد ان تخلت الدولة عن دورها الأساس في توفير الحياة الكريمة للمواطن المسحوق فما ان مرر البرلمان زيادة غاز الطبخ جبرا وليس اختيارا ، هاهم الان نواب (...)


المزيد


Copyright © 2003-2016 SudanTribune - All rights reserved.