الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الثلاثاء 15 أيار (مايو) 2018

ضحك ونسيان

separation
increase
decrease
separation
separation

كتب: عبدالحميد أحمد

مقدمة

"كان شخص يحب الشيخ الترابي ويحب العسكر ويحب الرئيس. كيف ذلك!! وقد علم القبائل من معدٍ أنهم ليسوا سواء. فلما توفي الشيخ انبعث الحب الأخير في قلبه، كما تنشَّرُ بعد الطّيَّة الكتب، ثم فاض حتى رجحت كفّته".

كان ذلك "تحليلاً" أدلى به سياسي مرموق لبعض الصحف في محاولته لتفسير ظاهرة من ظواهر النكوص والردة على الأعقاب، ولك أن تقبله، على ما به من تخليط في الصور، أو أن ترده، سوى أنك لن تجد غيره!

الشخص نفسه، شهدته ذات مساء معتكرٍ يخطب ويحرض الناس في دار ضائقة بأهلها عند شارع أوماك، لا أزال أذكر كلماته: "أخرجوا الأن.. المظاهرات حلوة بالنهار وما أحلاها بالليل.." وحينما خرج الناس ليجابهوا عسف السلطة "أب عرّام دوّر عربيته، العربية الأمريكية وزنقح خلّى الموكب ثابت" تسلل لواذاً إلى قصر ذات الطاغية.
ماذا يشغل اليوم؟؟

استطراد

في لقاء الثلاثاء الشهير بمنزل الشيخ وقف ذات مساء رجل متأنّق في جلباب وشال ومركوب أبيض أضحى من مقتضيات ذلك الموقف، وقام يقرّظُ كتاب (السياسة والحكم: النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع) من وسط الجموع انبعث يقاطعه صوت الشيخ: "هل قرأت هذا الكتاب؟" قال الرجل لا. لم أقرأه.! ثم أكمل تقريظ الكتاب وامتداحات الشيخ، لم انخرط في نوبة الضحك التي اجتاحت الناس، فقد طاف بذهني، ساعتها، أمين بناني، قال لي ذات يوم، وأنا أحاوره: "إن الشيخ يحتفي بمن يتقيّد بتعليماته لا بمن يعتنق تعاليمه" فلم أصدقه.

نحو خواتيم العام ٢٠٠٧ كنا نرافق الشيخ الترابي في زيارة للشمالية فبيناً نحن ببعض الطريق نزل "مساعد الرئيس" من ركوبته المطهّمة وأنضم الينا، كنا محررين من صحف شتى، قال أنه يحب أن يخالط الجمهور وأنه يحب المتنبي وأنه وأنه ثم طفق يقرأ أبياتاً لأبي الطيب غير موزونات من قصيدته التي مطلعها: (من الجآذرُ في زِيّ الأعاريب حمر الحِلَى والمطايا والجلابيبِ) ثم انفلت يقص علينا ما يتوهم أنها بطولات عسكرية خاضها ضمن غزو المرتزقة للخرطوم (1976) كان الليل طويل والرجل مُقمرٌ، فأفاض يخبرنا أنه يعكف علي تصنيف كتاب، لم ينجزه وقد تصرمت عشرين حِجةً، في المقارنة بين القراءات في القرءان، هذه الروايات فيها أصداء من من دراما "المكاء والتصدية" التي تجري فصوله عبثيةً، كل موسم "تراويح" أمام كاميرات التلفزة الفورية في مساجد البرجوازية والإكليروس.

لما أن أكمل عرضه هبط، حينما لم يطلب منه أحد الصحافيين موعداً لحديث أو حوار صحفي، بل أن أحداً لم يأخذه علي محمل الجد، غادر بخيبة أمل كبيرة، منذئذ بدأ همس بين الرفاق يشبه المنلوج الداخلي هل الشيخ الترابي مخترق برجالات عمر البشير إلى هذا الحد؟ كيف يحتمل هذه الكائنات ويترفق بها ويحسن صحبتها؟

أكثر ما يليق بهذا الرجل هو أن يكون "مساعد" لجنرال في متاهته، في دركاته، في قيعانه التي انحسر عنها ما كان يعرف "بالمشروع الحضاري" لأول مرة ظهر الكويفير محاطاً بوجوه من قيادات الجبهة الإسلامية ثم بدأوا يتساقطون، في كل عام تمحو وحدة الدعاية والإعلام منهم واحداً حتى بدا الجنرال في عامه الأخير يقف وحيداً، لم يبق من رفاق الأمس سوى، جلابية وشال ومركوب أبيض، نضوَ رجل معلق على ذراع "الكويفير" وهو يلوِّح لأخلاطٍ من الناس، كيزان ومنتفعين، سوقة ودهماء وأوشاب وطنيين وشعبيين يتصايحون: "هي لله لا للسلطة لا للجاه طا طا طا" "لا ولاء لغير الله، ظا ظا ظا"

هل كان أكثر الناس سذّجاً لما أحسنوا الظن بزمرة الكيزان "العضاريد الرعاديد" أم أنهم كانوا يتظاهرون بذلك ليبروا ذلك الرجل الشيخ فلما انحسر ظله عنهم بان عوارهم وبوارهم فكأنهم لا شئ، لا شئ.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

ياسر عرمان وغصن الزيتون (2-3) 2018-05-24 22:50:57 مصطفى عبد العزيز البطل mustafabatal@msn.com بعد وفاة جون قرنق طلب مسئول أمريكي زائر من أحد القادة التاريخيين للحركة الشعبية لتحرير السودان من أبناء الجنوب أن يشرح له نظرية السودان الجديد، فرد القائد الجنوبي: "نظرية (...)

الرائد لا يكذب أهله 2018-05-21 17:14:52 الإمام الصادق المهدي 16/5/2018م أمتنا العربية والأمة الإسلامية والعالم، عوالم تمر بمرحلة خطيرة يعتبرها بعض الناس غلياناً منذراً بحرب كونية لا تبقى ولا تذر. وأسوأ ما في الأمر قصور التشخيص لهذه الحالات، بالتالي تهافت (...)

ياسر عرمان وغصن الزيتون (١-٣) 2018-05-21 01:12:39 مصطفى عبد العزيز البطل mustafabatal@msn.com (1) يستحق الحبيب ياسر عرمان ان نقول له: حمد الله على السلامة وألف مبروك، فكون أن هذا الحبيب وصل متأخرا لا يمثل اشكالية ذات وزن، فقد قيل: أن تأتي متأخرا خيرٌ من ألا تأتي. (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

حركة / جيش تحرير السودان بيان مهم حول الأوضاع الراهنة في البلاد 2018-05-25 21:04:35 إلى جماهير الشعب السوداني الوفية لا يخفى على أحد أن نظام الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومنذ أول يوم إستهل فيه عهده البغيض، كان يستهدف الصدام مع الشعب السوداني، فبدأ بوأد النظام الديمقراطي ثم إعدام الشهيد علي فضل مروراً (...)

ذكرى شهداء الكرامة 2018-05-21 23:22:45 الحرية - العدل - السلام - الديمقراطية حركة / جيش تحرير السودان - المجلس الإنتقالي جماهير شعبنا الكريم في مثل هذا اليوم، و كما درجة العادة، فإننا نحظى بدقيقة من الصمت لتعانق أرواحنا أرواح رفاقنا الذين بسببهم لا نزال على (...)

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.