الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 2 تموز (يوليو) 2017

علي عثمان وحديقة الحيوان

separation
increase
decrease
separation
separation

مصطفى عبد العزيز البطل
mustafabatal@msn.com

(1)

تابعت بعناية خلال ايام العيد حلقة تلفزيونية تضمنت حوارا مطولا أجراه الاعلامي القيادي الاستاذ الطاهر حسن التوم وبثته قناة (سودانية 24) مع حبيبنا الشيخ على عثمان محمد طه واسرته. ثم مررت مسرعاً متعجلاً احيانا، ومتأنيا متأملا في احيان اخرى، على بعض ردود الفعل والتعليقات التي هرع بها اصحابها الى جدران الوسائط التواصلية مستحسنين مادحين، أو شانئين قادحين، شأن السوادنة في كل أمر.

لم تدهشني، على وجه التخصيص، كثرة الأقاويل والمواويل حول ما أورده النائب الاول السابق عن ميلاده ونشأته وحياة طفولته وصباه في منزل حكومي يخص والده بحدائق الحيوان بالخرطوم، حيث كان الوالد من رؤساء العمال في تلك المؤسسة. السوادنة في سوادهم الاعظم أبناء عمال ومزارعين ورعاة، وليس هناك من حيث المبدأ ثمة بأس في ان يكون والد الشيخ على عثمان من رؤساء العمال في أي مؤسسة حكومية. المشكلة الوحيدة، او عقدة المنشار هنا ، تتمثل في مكان عمل والده وموقع منزله الحكومي، حديقة الحيوان بالذات!

(2)
المعلومة نفسها ليست جديدة، بل انها متداولة منذ زمن بعيد في دوائر الاحباب المعارضين المحترفين القدامى، ثم المعارضين الاسلاميين الجدد الذين التحقوا بقطار المعارضة بأخرة، بعد ان تاهت عليهم مسالك الانقاذ وانبهمت دروبها. إذ لما استعصى الرجل على خصومه واستشكل، وثقل أمره على كارهيه الذين يحمّلونه قسطا جسيما من مسئولية تدبير انقلاب الحركة الاسلامية وتمكين العصبة المنقذة من رقبة البلاد، لجأ بعض الذين ضاقت صدورهم من بين هؤلاء الى سلاح (حديقة الحيوانات) هذا، ينتاشون به الرجل، مع انه بكل المعايير السودانية سيفٌ ثليم. والسيف الثليم هو الذي انكسر حرفه وذهب مضاؤه.

طرق القوم طرائق قددا في تطويع هذا السلاح، فنسبوا الى الشيخ الترابي وأذاعوا عنه أنه قال عن تلميذه، الذي خرج عليه وأخرج الآخرين، بأنه (تربى على طعام الأُسود والقرود). يريدون من طرف خفي ان والده كان يلتوى بما يفترض انه تحت عهدته من أغذية الحيوانات، فيستحله لنفسه ويحيله الى بيته فيطعم منه عياله.

وانطلق هؤلاء المواتير عبر السنون، لا يلوون على شئ، يراكمون الروايات حول حرصٍ مزعوم للشيخ على عثمان على اخفاء حقيقة ميلاده وتربيته في منزل حديقة الحيوانات. وتطوع آخرون فزحموا الفضاء بالتحليلات السايكولوجية كيف ان تلك الحقيقة التي يسعى صاحبنا جاهدا لإخفائها شكلت له عقدة نفسية، وانها صارت بمثابة كعب أخيل حياته!

(3)
وكنت قد تحريت عن تلك المقولة المنسوبة الى الشيخ الترابي، الى جانب مقولة اخرى ظلت معلقة بجلبابه زمنا طويلا، وهي انه ذكر في ندوة سياسية محضورة أن فتيان الدفاع الشعبي الذين قتلوا في حرب الجنوب ليسوا شهداء وانهم (ماتوا فطائس).

وقد ثبت عندي ثبوتا قطعيا، بعد اكتمال جهد التحري والتقصي والاستيثاق، أن أيا من الروايتين لم تجر على لسان الشيخ الترابي، تغشت قبره شآبيب الرحمة، وان كليهما من وضع الوضّاعين. وضعوهما على لسان الشيخ، في حياته، ثم انطلقوا يذيعونهما بين الورى، ولسان حالهم يقول: (سيد الرايحة يفتح خشم الترابي). وكنت قد قمت بايداع الروايتين في مخزن الخزعبلات الذي أمتلكه وأُديره، والذي يضم المئات من خزعبلات السوادنة!

ليس صحيحا أن الشيخ على عثمان يبتئس من سيرة عمل والده ومسكنه في حديقة الحيوانات ويتحاشاها، ويسعى الى تغبية أثرها، وانما تكذب عليه المتكذبون.

وأجزم بذلك جزما رغم انني لم أنفذ الى خويصة قلبه. ولكن ثقتي مما أقول تنبع من حقيقة هينة ولكنها راسخة. وهي أنني شخصيا استمعت مباشرةً الى الرجل يروى بنفسه سيرة نشأته في مجمع مفتوح في اول التحاقي بالخدمة العامة في صدر الثمانينيات. ثم استمعت اليه يرويها عبر الزمان الممتد منذ العهد المايوي الغابر وحتى اللقاء التلفازي الاخير عندما تطرق طوعا الى ذات السيرة فابتدرها وحدّث بها محاوره الطاهر التوم. وكنت في كل مرة أسمعه يرويها ثم يستغرق في الابتسام والضحك! بل انني ضمن آلاف مؤلفة من السوادنة استمعنا اليه يتحدث حول الميلاد والنشأة في مسكن والده الحكومي داخل الحديقة وذكرياته مع الحيوانات في برنامج إذاعي بثته اذاعة امدرمان عام 1993.

(4)
رحم الله صديقي الراحل الدكتور عبد الماجد على بوب القائد الشيوعي الفذ. حكى لي ذات مرة ونحن جلوس في صالون منزله بمدينة سان فرانسيسكو، بحضور الحبيب الاستاذ هاشم محمد صالح، شقيق صاحبنا الصحافي الكبير فيصل محمد صالح، أنه كان على عهد الصبا زميلا للشيخ على عثمان في المدرسة التي اقيمت على ارضها لاحقا عمارة بنك البركة. ولعلها مدرسة الخرطوم شرق الأولية سابقا لو لم تندّ ذاكرتي عن الوصف. وذكر لنا ان ذلك التلميذ النحيف كانت له شخصية كاريزمية مهيبة لافتة للنظر رغم صغر السن، بحيث أنه حتى الاساتذة في تلك المدرسة كانوا يحسبون له ألف حساب. ثم أضاف بأنه في زمان كانت فيه الصلاة خلال ساعات الدراسة او العمل أمراً غير مألوف فإن التلميذ على عثمان كان يُصر ويتمسك بأداء الصلاة في تمام مواعيدها، بل انه الوحيد الذي كان يفعل ذلك في وجود كل ذلك العدد من التلاميذ والاساتذة، بل وناظر المدرسة نفسه!

ولكن عبد الماجد بوب نسيج وحده. كان معارضاً أصيلاً لنظام الإنقاذ، وخصما نبيلاً للشيخ على عثمان في زمان عزّ فيه النبل. زمان لم يعد يعرف شرف الخصومة واضحت فيه مادة الصراع السياسي وأداته اختلاق الروايات وحشوها في أفواه الناس، وترويج الذائعات، وتسويق الخزعبلات!


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

ردود مؤدبة على الصادق المهدي 2018-01-13 16:23:36 د/ أمين حسن عمر السيد الصادق المهدي سياسي معتق عاش السياسة في مطلع ستيناتها ثم هو يعيشها الآن في العقد الثاني من الألفية الثانية ، وهو طراز خاص من أهل السياسة إيجاباً وسلباً ، فطموحاته أدنى سقوفها السماء مهما يكن وهن (...)

ضبط الأسواق وتخفيف العبء المعيشي 2018-01-13 16:16:48 د/ عادل عبد العزيز الفكي adilalfaki@hotmail.com السياسات المالية والنقدية المصاحبة لموازنة العام 2018 ترتب عليها ارتفاع كبير لأسعار الخبز للمستهلكين. كما ترتب عليها ارتفاع بنسب متفاوتة لعدد كبير جداً من السلع (...)

أنظروا السلة ملأى بالقشور 2018-01-09 15:13:36 بقلم : عبدالحميد أحمد قالت الصورة إنّ القول زور.. ها هنا الوجه شقوق تتنامى.. وعلى الأطراف حجل من صنيع الورم الطالع من غبن الصدور أنظروا السلة ملأى (بالقشور) والطواحين على لحم الكلام الحي تمشي ثم تمشي وتدور.. ألياس فتح (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)

ورقة د. غازي صلاح الدين العتباني في ورشة عمل الانتخابات ومستقبل الممارسة السياسية بعنوان "آفاق الممارسة السياسية في السودان" 2017-12-08 14:32:35 بسم الله الرحمن الرحيم آفاق الممارسة السياسية في السودان "تحديات الإصلاح السياسي في السودان بتصويب نحو إصلاح الحركة السياسية الحزبية" بسم الله الرحمن الرحيم، نحمده على نعمه التي لا تعد، ونسأله أن يجمعنا على الهدى ويدلنا (...)

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.