الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 18 آب (أغسطس) 2019

فرح السودان وغياب الحركات

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

مهما كانت علاقة الثورة العضوية بطرف من أطراف الحركات المسلحة - (الجبهة الثورية بحكم عضويتها في ق ح ت) - فإنها تعترف أيضاً بوجود قوى مسلحة ومؤثرة في الميدان ، بل وأكثر امتلاكاً للأرض وللسلاح ، وهي : حركة تحرير دارفور جناح عبد الواحد والحركة الشعبية لتحرير السودان شمال جناح الحلو ، وكلهم شركاء حقيقيون للثورة ومن المساهمين في إضعاف نظام الجبهة وإسقاطه ..

كان من المؤمل ان تحتفي الجبهة الثورية باتفاق ق ح ت مع المجلس العسكري الانقلابي حول وثيقتي الإعلان السياسي والدستوري باعتبارها عضواً أصيلاً ومؤسساً في قوى نداء السودان وبالتالي في ق ح ت وأن تساهم في احتفال التوقيع ثم التصدي معها بقوة لمهام تثبيت السلام بدءاً بوضع السلاح النهائي وإيقاف إستخدامه في الصراع السياسي للأبد ، ثم مداواة الجروح بإنصاف النازحين والمهجرين بإعادتهم إلى أراضيهم وديارهم الأصلية وتعويضهم تعويضاً مجزياً عما حدث لهم من قتل واغتصاب وحرق وتدمير ، وتنفيذ مبدأ التمييز الإيجابي بحقهم في خطط التنمية الشاملة بعد الخطط الاسعافية العاجلة ، ثم الشروع في معالجة أوضاع المقاتلين في تلك الجيوش بالصيغ التي يتم الإتفاق عليها من دمج في القوات المسلحة إلى تسريح مع إعادة تأهيل وتوظيف ، وتلك هي أهم نقاط عملية السلام ..

غير أن "الجبهة الثورية" ، وبعد مناقشات مكرورة متمددة بين عواصم دول الجوار مع قوى الحرية والتغيير أضاعت فيها وقتاً عزيزاً على البلاد ، رفضت الاتفاق متعللةً أو مطالبةً أن تكون مفاوضات السلام وعملية بنائه بينها وبين ق ح ت بذكر اسمها (الجبهة الثورية) كطرف في بند مفاوضات السلام في نصوص وثيقة الإعلان الدستوري ، ومطالبةً بحصص محددة في مجلسي السيادة والوزراء بحجة تطمين المهمشين لأنها (أي الجبهة الثورية هي الممثل الشرعي أو الوحيد لهم وللنساء والشباب أيضاً ؛ المعادل الموضوعي !!

السودان كله مهمش ، في شماله (المتهم) أيضاً وفي شرقه كذلك ، وإذا تركنا ذلك وذهبنا للمقصود بمصطلح (المهمشين) الرائج فانه يعني : الأهل في معسكرات اللجوء والنزوح - قرى وأرياف السودان وسكانه - وعموم فقراء العاصمة ومدن الأقاليم ، والذين كانوا في مناطقهم مع الثورة ، وقوداً وهدفاً ، بل ان الثورة بدأت أولاً في مدن إقليمية ، وفي العاصمة كان إسهام الأحياء الطرفية المحيطة بها (وتركيبتها من الفقراء ونازحي الأقاليم) إسهاماً بارزاً ، كلهم في تناغم مع ق ح ت وطاعةً لبرامجها وجداولها ومواقيتها حتى الآن .. ثورة السودان الكبرى الجارية منذ ديسمبر ٢٠١٨ وحتى الآن ، هي ، في وجه من وجوهها الهامة ، هي ثورة الشباب والمهمشين ؛ تمثلهم ، تستلهمهم وتعبر عنهم ق ح ت ومن ضمنها الجبهة الثورية التي اختارت الغياب بينما استمر المهمشون والشباب بجنسيه حضوراً وعنواناً ، تقديماً وتمثيلاً وحداءاً ، فرحاً ورقصاً .. فكان بديهياً رفض مطالبتها بمقاعد في السلطتين السيادية والتنفيذية لأن المبدأ المعلن أن تتكون السلطة من كفاءات وطنية مستقلة رفضاً لكل محاصصة حزبية أو قبلية أو جهوية ..

وعن سببها الآخر ؛ ذكر اسم "الجبهة الثورية" في الوثيقة الدستورية مفاوضاً (حصرياً) لقوى الحرية والتغيير حول عملية السلام .. هذا المطلب يعني إستبعاد قوى مسلحة أخرى موجودة على أراضيها المحررة (قديم) ومقاتليها وأسلحتها ، فكيف يستقيم ذلك وهم شركاء وطن يحملون أيضاً هموم أهاليهم فيه ؟؟، إنه ، وللأسف الشديد ، التزيد (المزايدة) إلاستباقي على تلك الحركات وذلك نزوع ذاتي لا يليق بالثورة وقواها المناضلة ولا بأقسامها المسلحة ..

يبقى السؤال في مواجهة كل الاخوة في الحركات المسلحة : من هو العدو الذي تواجهونه الآن ، تحديداً بعد سقوط النظام في ١١ إبريل ٢٠١٩ ؟؟

الإجابة المنطقية ؛ ان العدو هو بقايا النظام البائد ومليشياته (السرية والعلنية) ، ثم جذور الأزمة التي فرضت على البعض ان تحمل السلاح في وجهه ، وهذا كله وارد في وثيقة الإعلان الدستوري ..

والسؤال الآخر : هل يمكن للثورة - أي ثورة - أن تنتصر وتحقق أهدافها بين (يوم وليلة) كما يقولون ؟ .. لا يمكن ، فالثورات العظيمة ، الجذرية ، الشاملة ، تبقى كذلك بحجم التحديات التي تواجهها ، تصعد وترتقي بتؤدة أحياناً وبسرعة في أحيان قليلة ، هدفاً وراء هدف ، وإنجازاً وراء إنجاز .. كذلك التحديات التي أمام ثورة ديسمبر ، فللتقدم نحوها بأسلحتك (المدنية والشعبية والفكرية/السياسية) لا بد أن تجد موطئ قدم وسط العقبات المستحدثة أولاً ثم العقبات المقصودة ؛ لا بد من سلطة وسط المجلس العسكري الانقلابي ، أن تتعامل معه لتنفذ من خلاله إلى الدولة ومشكلاتها ، إلى الشعب واحتياجاته ، إلى المجتمع وأسئلته ، إلى الاقتصاد وتشوهاته وآفاقه ...إلخ..إلخ... هذه الوثائق (السياسية والدستورية) هي أحسن الحلول حالياً لتجد الثورة مدخلها إلى مفاتيح البلد والدولة وأزماتها .. غير ذلك يعني مواجهة ضد قوى النظام البائد الخفية والظاهرة وقوات المجلس العسكري والجنجويد ، يعني المزيد والمزيد من الشهداء والمعاقين ، المزيد من خيرة بنات وأبناء السودان هدراً هذه المرة وليس ضرورةً كما الشهداء والمعاقين والمفقودين الذين كانوا زينة وتاج الثورة وانتصارها ..

غيابكم كان ملموساً ، غير أن الفرح والعزم تحالفا حلف "فضول" يجدر بكم أن تلحقوا به ..


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

السلام ، عقبات وعقبات 2019-09-22 20:48:18 بقلم : محمد عتيق (١) لا جدال في أهمية السلام وأولويته المطلقة ، ولا شك أن الحركات المسلحة قد لعبت دوراً في إنهاك النظام البائد وتشتيت قواه .. ولا جدال كذلك في أن ثورة ديسمبر ، ثورة الشباب والنساء عموداً ووقوداً ، كانت (...)

نقاد الحكومة 2019-09-15 23:06:00 بقلم : محمد عتيق لم ننس أو نهمل تهنئة الصديق فيصل محمد صالح ، أو بالأحرى تهنئة وزارة الثقافة والإعلام بجلوسه على سدتها ، الاكفأ لها طوال تاريخها ؛ فإذا كان فيمن تولوها سياسيون كبار ، أو مهنيون اذكياء أو إعلاميون مقتدرون (...)

كيف نتعامل مع مؤسسات حكومة الحكم المدني في الفترة الانتقالية 2019-09-13 20:55:20 بقلم : د. امجد فريد الطيب يستنكر البعض على تجمع المهنيين وغيره من القوى التي شاركت في عملية الثورة دعوتها لتنظيم احتجاجات من أجل الضغط لتطبيق قرارات معينة او طرح أعتراضها على قرارات وتوجهات أخرى. ويمضي هذا الاستنكار (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.