الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 23 أيلول (سبتمبر) 2017

في البدء كان معسكر كلمة

separation
increase
decrease
separation
separation

مصطفى عبد العزيز البطل
mustafabatal@msn.com

(1)

سبحان الذي سخّر للناشطين، موالين ومعارضين، في مواقع التواصل الاجتماعي أحداث معسكر كلمة، وما كانوا له مقرنين. ويقال في بعض الأمثال (ربنا ما شق حنكاً ضيّعو)، وصحّ ان يقال مثل ذلك أيضا في أمر المنابر والوسائط التواصلية، فقد جاءت الى الوجود ومعها رزقها. يتوهج الحدث إذ يتخلق في أرحام الفضاء رويدا رويدا في بعض مرات، أو يولد في احيان أخرى كاملاً مكتملا، مثل منيرفا إلهة الحكمة في الميثولوجيا الاغريقية، فينهض اليه الناهضون، يهرجون حوله هرجا، ويمرجون مرجا، ثم ما يلبث ان يذوى وينطفئ ويغور. ولكن قبل ان تذهب ريحه توالينا الأقدار بالجديد الشديد. فينهض القوم اليه كرة أخرى، فيكون الطبل، يتبعه حرق البخور ونفخ المزامير!

(2)
سألت من الأحباب من كان من شهود العيان في موقع الحدث عن جلية الأمر في شأن معسكر كلمة، فأنبأني بأن المتمرد عبد الواحد حاول استثمار زيارة الرئيس بإثارة الفتن والقلاقل. وهو أمر متوقع بطبيعة الحال، فحرّض اتباعه واختط لهم خطة تقوم على حفر خنادق حول المعسكر والتحصن خلفها بغرض منع الموكب الرئاسي من دخوله.

غير أن الرجل وانصاره جوبهوا بحقيقة يصعب تجاوزها، وهي أن غالبية ساكني المعسكر ينتمون الى قبيلة الداجو، لا الفور. والسلطة الأهلية داخل المعسكر معقودة لشرتاي الداجو الذي كان قد قرر هو واهله استقبال الموكب والترحيب به. وشرتاي الداجو لا يتلقى أوامره من عبد الواحد ولا يقيم له وزنا!

ولكن اعوان الحبيب عبد الواحد أرادوا ان يمنعوا منسوبي قبيلة الداجو، كما منعوا الفور، وان يقسروهم على التزام ارض المعسكر وعدم الخروج للقاء الرئيس، والمنسوبون يرفضون سلطة عبد الواحد. وفي غمرة النزاع المحتدم يتطور الأمر الى صدام مسلح، بين الداجو والفور راح ضحيته إثنين، واصيب سبعة عشر. كما قام مسلحو حركة عبد الواحد في ذات الوقت باطلاق النار على قوة التأمين بهدف توسيع دائرة الشغب فأصابوا جنديا. الباقى تتكفل به منظومات نضال الكيبورد العالمية الواقفة على أهبة الاستعداد بطبولها ومزاميرها.

(3)
هذه الرواية التي ذكرتها لك، أعزك الله، لن تصادف أهواء كثيرين، فهي رواية باردة، كئيبة، ومحبطة. الروايات والمانشيتات المشرقة المثيرة التي تبعث على الأمل تكون من نوع: (عاصفة الغضب والكرامة: مقتل العشرات والدبابات تحاصر معسكر كلمة). على نحو ما رأيت، أعزك الله، في دكاكين النضال الاسفيري، وبيانات حركة عبد الواحد، وتصريحات ياسر عرمان، وتقارير منسوبي الحركة الشعبية التي ضاقت بها السموات بما رحبت. وهي الروايات التي تضاف اليها على عجل التحليلات الرغائبية من شاكلة (الولايات المتحدة تدرس الموقف والعقوبات لن ترفع عن السودان)!

(4)

في حواراتي المستديمة مع الأحباب في معسكر المعارضة الذين ترفع مثل هذه الاخبار المتفجرة، وصور الموت والدماء والأشلاء، أرواحهم المعنوية الى عنان السماء، فيعلقون على حبالها أعرض الآمال وأعذب الأماني، في حواراتي معهم دائما أقول: المحنة الكبرى التي تواجه مدبري هذه البلايا،والقائمين على ماكينات الدعاية المسخرة من الخارج، هي ان العنصر الحاسم في اي تغيير سياسي حقيقي يظل هو المواطن السوداني، لا مسئولي الوزارات والمجالس التشريعية الامريكية والاوربية والصحافة الأجنبية التي يتعلق بأهدابها متمردو دارفور، والغاوون من معارضي الشمال الذين عقدوا آمالهم في الماضي على جون قرنق فباعهم بالثمن البخس، ثم ها هم يعقدون ذات الآمال اليوم على بنادق الحركات الدارفورية المسلحة.

نعم العنصر الحاسم هو المواطن السوداني، سيد نفسه. فليهبط أي من هؤلاء مطار الخرطوم ثم يتجول في مدن العاصمة الثلاث، او داخل أسوار اي مدينة او قرية اخرى في السودان النيلي وولايات الشمال والشرق. وليتوقف أمام اي بائع متجول، او معلم او موظف، او ربة منزل، او اي انسان كيفما اتفق، وليسأله رأيه عن احداث معسكر كلمة. وعندما يسمع الإجابة فالمؤكد انه سيعلم علماً نافيا للجهالة مقدار الهوة السحيقة بين الحقائق الصلدة كما تربض على أرض الواقع، وبين تهويمات الخيال الجامح كما تسوح في سماوات الأماني. وقديما قال علي بن ابي طالب: "إياكم والأماني فإنها مركب الحمقى"!

(5)

لا بأس، فليمتلئ الفضاء كله بحديث الجيش الذي حاصر معسكر كلمة بدباباته وراجماته وضرب اللاجئين الدارفوريين ضربا، وسحلهم سحلا، وقتلهم بغير رحمة، ودفنهم بغير صلاة. ولكن أهل الدويم وكوستي ومدني والخرطوم وأروما وبورتسودان وشندي ودنقلا والأبيض والفاشر لا يقيمون وزنا لتلكم الترهات، ولا يأبهون لمثل هذا الخبال مثقال خردلة، فهو عندهم وبعر الحمير سواء. وهؤلاء هم أصحاب الكلمة العليا والقول الفصل، لا عبد الواحد وأتباعه واولئك المهرولين خلفه من معارضة الشمال العضيرة التي خرج منسوبوها يوم أمس جزلى وقد فرشوا له النمارق!

يا نشطاء، زادكم الله نشاطا، إعلموا ان السودان للسوادنة. العصمة بأيديهم، لا بأيدي فرنجة أمريكا وأوربا. وأن مزج الحقائق بالأوهام ونشرها في حبال الفضاء لن يغني عن الحق شيئا. وإنما هو مثل العادة السرية يبذل الراحة الموقوتة، ولكنه لا ينجب أولاداً. الذي يريد ان ينجب عليه ان يتزوج!


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

"احزاب الأمة" بين مطرقة التسريح، وسندان التقليص 2018-09-19 17:31:47 هل أطلق عليها الإسلاميون رصاص الرحمة؟ "احزاب الأمة" بين مطرقة التسريح، وسندان التقليص كتب: الجميل الفاضل • أنحسرت ظلال شجرة "الإنقاذ" بشكل متدرج عن معظم الأحزاب التي إنشقّ فرعها الرئيس "الإصلاح و التجديد" عن حزبها الأم (...)

هل سقط النِّظام ؟ 2018-09-16 23:05:12 كتبت : سلمى التجاني الهزَّة التي أصابت النِّظام طيلة أيام التشكيل الوزاري في الأيام الفائتة، أَظهَرت وعكست صورة حقيقية لما آل إليه من تآكل داخليّ، وفقدان ثقة بين قادته، وهشاشة حلفائه. فمشروع أسلمة الدولة والمجتمع الذي (...)

سؤال الشباب .. ( ٧ ) 2018-09-16 23:02:20 كتب : محمد عنيق للتدليل علي ما ذكرناه بان وسائلنا ومناهجنا في العمل العام كانت خاطئة نكتفي هنا بواحدة من المنظمات التي قامت في الخارج ( المنظمة السودانية لمناهضة التعذيب ) ، وذلك بإيراد مختصر لما كتبته في فترة سابقة عن (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.