الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأربعاء 14 آب (أغسطس) 2019

في محبة الجبهة الثورية ، ولكن

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

أحمل تقديراً عالياً لقيادات وقواعد الحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وفي جنوبنا الحبيب السابق ، التقدير لتضحياتهم ومكابداتهم التي ساهمت ، مع نضالات الحركة الوطنية السلمية ، في فضح النظام البائد وإنهاكه والقضاء عليه بثورة ديسمبر الجبارة ..
انطلقت هذه الحركات من مناطق جغرافية معينة ، مستندةً - في الغالب - على مكونات اجتماعية محددة ، ولكنها بذلت أهدافها ورؤاها للسودان كله إيماناً بوحدة القضية ووحدة الأزمة الوطنية واستحالة الحلول الجزئية ، كما الأحزاب السياسية في الداخل التي ظلت تقيم الأحلاف في مواجهة النظام فاردةً أجنحتها على الوطن كله أزمةً واحدةً موحدة : من التجمع الوطني الديمقراطي إلى قوى الإجماع الوطني فقسم منه تحالف مع تلك الحركات المسلحة (في إطار الجبهة الثورية) تحت اسم "قوى نداء السودان" مستعداً لتحمل "وزر"الاتصال والتحالف مع الحركات المسلحة(في مفهوم النظام البائد)..

من جنبات هذا التراكم الكفاحي ، وفي إبداع فارق ، بدأ الانفجار الشعبي من الدمازين ثم عطبرة وغيرها إلى الخرطوم فكانت هذه الثورة المعجزة ، ثورة الوعي والتجاوز ، ثورة شباب وشابات ، نساء ورجال السودان التي بهرت العالم بسلميتها وانضباطها وألجمت ، بوعيها وجذريتها ، كل الذين حاولوا الصعود على ظهرها من سدنة النظام البائد وأعادتهم إلى أوكاره ينسجون معه خيوط التآمر والردة عليها ، ثورة الصدور المشرعة والظهور المكشوفة للرصاص ، ثورة الشباب الذي يواسي ويعالج أسراه من مليشيات العدو ، ثورة الحناجر الداوية حداءاً وإنشاداً للوطن وللمستقبل والحياة الكريمة ، ثورة الشعارات العميقة والتلخيص المبدع للبرنامج ولمشروع الاندماج الوطني : "حرية سلام وعدالة" " يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور" ، ثورة السودانيين العملاقة التي يقيناً ستقول عنها قادمات السنين أنها الأبهى والأعظم في التاريخ الإنساني المعاصر .. عند انطلاقها تصدى لها تجمع المهنيين السودانيين قيادةً رصينةً وجادة ثم انضمت اليه أولاً نداء السودان (مع تطوير الأهداف وصياغة مقترح الإعلان) ثم التجمع الاتحادي المعارض فالتجمع المدني فقوى الإجماع الوطني تحت مسمى "قوى الحرية والتغيير" بوثيقتها الوسيمة "إعلان الحرية والتغيير" .. وبما أن الجبهة الثورية بقسميه (عقار وجبريل) عضو في نداء السودان ، كانت عبرها عضواً مؤسساً لقوى الحرية والتغيير ، وأصيلاً في إعلانها الذي قال في البند الأول من مهام الفترة الانتقالية بعد إسقاط البشير :

" وقف الحرب بمخاطبة جذور المشكلة السودانية ومعالجة آثارها بما في ذلك إعادة النازحين واللاجئين طوعاً إلى مواطنهم الأصلية وتعويض المتضررين تعويضاً عادلاً وناجزاً ومعالجة مشكلة الأراضي مع المحافظة على الحواكير التاريخية " ..

نعم ، "مخاطبة جذور المشكلة" ، هي كلمة السر ، الكلمة المفتاحية لكل المظالم التي نتج عنها حمل السلاح لاسترداد الحقوق ، وها هي تحتل الصدارة في مهام الفترة الانتقالية ولا حديث بعدها عن السلام وقضايا المهمشين .. وكانت ق ح ت مخلصةً للمبدأ عندما أدخلته في الإعلان الدستوري الذي وقعت عليه بالأحرف الأولى مع المجلس العسكري الانقلابي ، ليكون الفصل الخامس عشر كله فيه عن قضايا السلام الشامل الواجبة التنفيذ في الفترة الانتقالية ، وجاء على رأسها :

" العمل على تحقيق السلام العادل والشامل وإنهاء الحرب بمخاطبة جذور المشكلة السودانية ومعالجة آثارها مع الوضع في الاعتبار التدابير التفضيلية المؤقتة للمناطق المتأثرة بالحرب والمناطق الأقل نمواً ومعالجة قضايا التهميش والمجموعات المستضعفة والأكثر تضرراً " ..

ومع كل ذلك الوضوح والصدق لاحظ الحادبون من المراقبين ، وبكل ثقة وحسن ظن ، رحلات قيادات الجبهة الثورية وبعض قيادات ق ح ت ومفاوضاتهم هنا وهناك في عواصم الإقليم بعد سقوط النظام تعليلاً بأن طول أمد الصراع قد جعل من عدم الثقة طبقات فوق طبقات خاصةً وأن أغلب قيادات الجبهة الثورية لم يشاهد بعينيه عزم الثورة بأنها شاملة ولن تعود إلى مضاربها دون كامل الأهداف ، دون أن تبتل عروق الشعب والوطن ويذهب عنها الظمأ إلى الأبد ...

غير أن مفاوضات القاهرة بعثت ظناً بأن الجبهة الثورية أخذت تضع نفسها كياناً مستقلاً عن نداء السودان وبالتالي عن ق ح ت ومقابلاً لها ، وأن مطالبها الحقيقية تتعلق بما كان يسمى "اقتسام السلطة"في مفاوضات النظام البائد الماكرة مع الحركات المسلحة ، وهي مطالب لم يكن من الممكن إدراجها في وثيقة الإعلان الدستوري ولا الموافقة عليها إذ سبق وأن قررت ق ح ت أن تتشكل الحكومة الانتقالية من كفاءات وطنية ومهنية مستقلة، وأعلنت كل الأحزاب أنها لن ترشح من بينها أعضاء في مجلسي السيادة والوزراء ، والعشم الطبيعي أن حلفاءهم في الحركات المسلحة مشمولون بهذا الموقف .. برز هذا الظن عندما رددت قيادات الثورية أنهم إنما يريدون تمثيلاً للمهمشين والنساء والشباب ، لتنتصب التساؤلات : من هم "المهمشين" غير الجماهير التي ظلت مرابضةً طوال الليل في انتظار التوقيع على الإعلان الدستوري وخرجت في مظاهرات تأييد عارمة في أغلب قرى ومدن البلاد وفي مخيمات النازحين بدارفور والأحياء الطرفية في العاصمة المثلثة في فجر الرابع من اغسطس الباكر ٢٠١٩ ؟؟ ، من هم (المهمشين) غيرهم ؟ ومن هم الشباب والنساء غير الملايين التي اعتصمت بالقيادة العامة للجيش في الخرطوم وبمقرات مماثلة في ثلاثة عشر مدينة أخرى وأسقطت النظام مرتين ؟ بل من هم النساء والشباب غير تلك الجموع التي هدرت في وجه النظام في كل أصقاع البلاد في الثلاثين من يونيو رداً على مجزرة فض الاعتصام ، الجموع التي اندهشت لها الدنيا ، الحشود التي أسلمت قيادها ل "ق ح ت" تأتمر بها وبأمرها وتنفذ جداولها بانضباط ومحبة عندما وجدتها تعبر عنها وتتحسس نبضها وإرادتها ..

الجبهة الثورية جزء أصيل من ق ح ت ومن هذه الثورة الكبيرة بأهدافها وجذريتها وحماية كل الشعب لها ، والرأي أن تجلس معها موحدةً وفي صفوفها وتتصدى معها لمهام الفترة الانتقالية الجسيمة وعلى رأسها قضايا السلام والمهمشين ، أما الإعتقاد بأنها الممثل الوحيد أو الشرعي للمهمشين والنساء والشباب فهو إعتقاد خاطئ لا نتمنى لها أن تتمسك به ..


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

سماجة الشر، احتجاب البصيرة.. في تذكّر مساعد البشير 2019-10-17 15:14:11 بقلم : عبدالحميد أحمد حملت صحف الخرطوم الصادرة بالأمس مفارقةً باعثةً على السخرية إذ ترافق على صفحاتها خبران أولهما هو "عزم النيابة العامة على أن تحسم ملفات قضائية عالقة في مواجهة أقطاب النظام الساقط أبرزها تقويض النظام (...)

ثم ماذا عن مؤتمر السلام الشامل في السودان 2019-10-16 11:43:15 الشفيع خضر سعيد تنطلق اليوم في مدينة جوبا، عاصمة جمهورية جنوب السودان، الجولة الأولى من مفاوضات البحث عن السلام بين حكومة السودان والحركات المسلحة، تصاحبها بعض المفارقات والأسئلة التي تفرض نفسها عليها. أولى هذه المفارقات، (...)

أخواني الشهداء: العيون السود في البطانة كتار 2019-10-14 05:41:16 مجدي الجزولي انهضوا لبوا يا شبابنا هموا شهيدنا الطاهر ضحى بدموا أخواني الشهداء الزايد شوقهم مناى يا الله أسير في طريقهم أصبر قلبي وراجي لحوقهم هنالك في الجنة أبقى رفيقهم.. من أخسر ما خاض فيه المرحوم حسن الترابي بعد (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.