الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 25 كانون الأول (ديسمبر) 2017

في مفهوم الوطن والإنتماء

separation
increase
decrease
separation
separation

كتبت : سلمى التجاني

( 1 )

قبل عدة أيام ذهبت مع إبنتي إلى سوقٍ بلندن ، يؤمه العديد من السودانيين ، لطبيعته التي تشبه الأسواق الشعبية حيث تتوفر فيه منتجات لدولٍ مختلفة . أجمل ما فيه الأريحية التي يتعامل بها الناس ، فتشعر كأنك في السوق الشعبي الخرطوم أو أمدرمان . انشغلت مع بائعٍ فاقترب منا شابٌ سوداني ، وبعد التحية بدأ يتجاذب أطراف الحديث مع ابنتي ، بعد مغادرتنا سألتني مستنكرة ( هل يمكن أن يُطرد أحدٌ من بلده ؟ ) ، فقد قال لها ذلك الشاب ، ربما على سبيل المجاملة والحرص على الإرتباط بالسودان ، أنه عليها أن تكثر من الذهاب إلى السودان ، فان تم طردها من هنا فستجد مكاناً تذهب إليه . قالت لي لقد جرح مشاعري لأنني لم أفكر يوماً في أن أحداً ما قد قد يرغمني على مغادرة بلدي ، كانت تتحدث بألمٍ فأدركت أنها مرت بتجربة قاسية ، أن يشعرك أحدٌ بانك لست أصيلاً في بلدك الذي وُلدت ونشأت فيه وتشكلت عوالمك به .

ذكرتني هذه الحادثة موفق مشابه ، فقد جاءت سيدة سودانية لبريطانيا طالبةً حق اللجوء ، لم تعجبها أسئلة الموظف الذي صادف أنه أسود من أصولٍ كاريبية ، فقالت له أنها أتت بريطانيا ( لأسياد البلد ) و من الأفضل أن يحضر لها موظف أبيض ليكمل إجراءاتها . ثار الموظف ، كما روتْ لي ، وأصبح يتحدث بطريقةٍ أقرب للصراخ موضحاً لها أنه بريطاني وان هذه البلاد هي موطن أجداده ولا يعلم له وطناً آخر ، وأنه مستعد للموت لأجل بلده . لم تدرك تلك السيدة فداحة ما فعلت ، فالإنتماء للوطن هو إحدى ركائز الأمان التي تتوافر في حياة الإنسان ، وحولها تتشكل شخصيته وترتسم أحلامه ونظرته لنفسه وللعالم من حوله ، التشكيك في هذا الإنتماء يهز كيان الفرد ويحطِّم عالمه .

في مدارس انجلترا الإبتدائية يتم تدريس الأطفال ماهية القيم البريطانية الأربعة التي تمثِّل عنواناً للشعب البريطاني، وتتلخص في : الديموقراطية ، دور وأهمية القانون ، الإحترام والتسامح ، والحرية الفردية . تبدأ هوية الطفل في التشكُّل وهو يتعلم أنه جزءٌ من شعب يحترم تنوعه الثقافي والعرقي والديني ، ويتسامح مع إختلافات أفراده في إطارٍ من الحرية والديموقراطيةٍ ، لتتكامل أدوار مؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية فتراقب وتوعي وتتدخل معاقبةً إن دعى الأمر ، لتطمئن أن كل فردٍ من مواطنيها يحيا وفق هذه القيم . لذلك ، عندما أثار الإعلام البريطاني قضية طلاب جامعة العلوم الطبية ذوي الأصول السودانية الذين انضموا لداعش ، تعالت أصوات سياسيين ومثقفين ومنظمات تنادي بضرورة إعادتهم إلى موطنهم بريطانيا ، والتعامل معهم وفقاً لهذه القيم ، فالمخطئ ، مهما عظُم جرمه ، يُحاسب لكن لا يُشكَّك في انتمائه لموطنه ولا يتم التخلِّي عنه .

مع ذلك ، لا تعتبر بريطانيا مجتمعاً مثالياً ، غير أن الشعوب تبحث عن المشتركات ، وتؤسس لإدارة إختلافاتها ، فتخلص إلى قيمٍ تتفق عليها لتحرسها بالدستور والقوانين في سعيها لخلق بيئةٍ من التفاهم والعيش المشترك .
( 2 )

الموقفان أعلاه يوضحان عدم إدراكٍ لمفهوم الإنتماء للوطن من قِبل الشاب والسيدة السودانيين ، وينظران لمعناه بزاويا تعبر عن أزمةٍ في تعاطينا مع المفهوم نفسه ، فالشاب يعتقد أنه مهما تطاول عهد إقامتك ببلد ما فأنت غريب عنه ولابد لك من العودة لوطنك الأصل لأنك قد ( تُطرد ) من مهجرك . برغم أنه هو نفسه قد يكون اكتسب الجنسية السودانية بسبب هجرة أجداده إلى السودان في وقتٍ ما ، فهو نتاج هجرة قديمة جعلته مواطن . وهنا تظهر جذور دعاوى الأصالة التي تظل أداةً للتمايز بين الناس . يتساوى في هذا الجانب غالب السودانيين ، فهناك دوماً غريب جاء متأخراً وعليه أن يحزم حقائبه استعداداً للمغادرة .

السيدة اللاجئة والتي ، ووفقاً لقوانين الهجرة البريطانية ، ستصبح مواطنة بريطانية بعد خمس أو على الأكثر عشرة سنوات ، تحمل الجنسية والجواز البريطانيين ، وتتمتع بكل حقوق المواطنة ، ويصير أبناؤها الذين ولدوا ونشأوا في دولة إفريقية رعايا لدولة أوروبية تدافع عن حقوقهم داخل وخارج أرضها . لكنها مع ذلك تنظر للكاريبي الذي قد يمثل الجيل الرابع لمهاجرين كغريبٍ تحرمه من صفة ( سيد البلد ) .

الفكرة نفسها فكرة السيد والتي تقابلها مفردة العبد، راسخة في وعي السودانيين ، فلا زال بعضنا يعيش بتقسيماتٍ إجتماعية تظل فيها حمولات العبيد والسراري حاضرة ، كظلال من ممارسات الرق في العهود القديمة . يقول في ذلك الراحل الأستاذ محمد إبراهيم نقد السكرتير الأسبق للحزب للحزب الشيوعي في كتابه ( علاقات الرق في المجتمع السوداني : النشأة ، السمات ، الاضمحلال ) في الصفحة السادسة عشر : ( عُوفي جسد المجتمع السوداني من علاقات مؤسسة الرق والاسترقاق في شكله الإجتماعي والاقتصادي الملموس . لكن مخلفاتها النفسية والثقافية والسلوكية تثقل كاهله ، ولا عزاء في أنها مخلفات الماضي . فرب مخلفات أشد وطأة من ضغوط الحاضر ) .

وطأة هذه المخلفات تبرز في نظرتنا للعالم من حولنا ، فنحن نصدِّر أزماتنا للعالم ونحاكم مواطنيه وفقاً لتصوراتنا ، ليظل الكاريبي مجرد عبدٌ في نظر السودانية اللاجئة.

( 3 )

الشعوب لا تستيقظ من نومها لتجد نفسها على رقعة أرضٍ فتسميها وطن ، تنتمي إليه وفقاً لتصورات أفرادها ، وتحدد معايير الإنتماء بناء على مصالح وأهواء بعض أفرادها . لكنها عملية طويلة تبدأ بالبناء على قيمٍ والتوافق على مشتركات تجيب على أسئلة من نحن وما الذي يجمعنا وكيف يمكن أن نخلق من هذه الأرض وطنٌ نجد فيه أنفسنا.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

شائعة موت 2018-06-22 17:15:55 بقلم : سلمى التجاني أثارت شائعة مرض الرئيس البشير ، والتي تحولت لاحقاً إلى خبر موتٍ كاذب ، أسئلةً ملحَّة كانت مؤجلة دوماً أو حتى منسية ؛ فالرجل الذي يحكم لثلاثة عقود بقبضة السلاح والأمن ، قد دفع بأكثر من عشرة ملايين (...)

إضاءات حول مشروع قانون الانتخابات لعام ٢٠١٨م* ( ٣ ) والأخيرة* 2018-06-20 13:07:45 محمد الطيب عابدين المحامي ( ١٤ ) *المادة (٥٩ / ١ )* تحذف عبارة *( في الجريدة الرسمية )* كما تحذف أيضاً أينما وردت في مشروع القانون ليكون *أعلان و نشر* المفوضية لكل أعمالها التي تستوجب الأعلان أو النشر في *الجرائد اليومية (...)

إضاءات حول مشروع قانون الانتخابات لعام ٢٠١٨م ( ٢ ) 2018-06-19 15:04:19 محمد الطيب عابدين المحامي ( ٣ ) *تكوين مفوضية الإنتخابات وعضويتها* أ / نص مشروع القانون الجديد - كسابقه - تعيين رئيس المفوضية و أعضائها بوساطة رئيس الجمهورية ( فقط ) * وفي هذا نرى أن يقوم رئيس الجمهورية بترشيح عدد ثلاثة (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

حركة / جيش تحرير السودان بيان مهم حول الأوضاع الراهنة في البلاد 2018-05-25 21:04:35 إلى جماهير الشعب السوداني الوفية لا يخفى على أحد أن نظام الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومنذ أول يوم إستهل فيه عهده البغيض، كان يستهدف الصدام مع الشعب السوداني، فبدأ بوأد النظام الديمقراطي ثم إعدام الشهيد علي فضل مروراً (...)

ذكرى شهداء الكرامة 2018-05-21 23:22:45 الحرية - العدل - السلام - الديمقراطية حركة / جيش تحرير السودان - المجلس الإنتقالي جماهير شعبنا الكريم في مثل هذا اليوم، و كما درجة العادة، فإننا نحظى بدقيقة من الصمت لتعانق أرواحنا أرواح رفاقنا الذين بسببهم لا نزال على (...)

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.